English site www.aliamamdouh.com

هيفاء وعالية .. والسجن السياسي

لطيفة الشعلان
العدد: 950 - 2004 / 9 / 8 - 10:04
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
قدر من الكتب والسير والروايات والشهادات والافلام السينمائية تطرقت الى تجربة سجناء الرأي في العالم العربي، وكل ما يمت الى السجن السياسي بصلة، والذي صار مبتدؤه ودمغته المسجلة (زوار الفجر) الذين أقترح أحد المصريين المكلومين لو يتحولون الى زيارة عباد الله في أوقات الظهر او العصر او حتى في وقت الغسق الذي هو (الفسق بتعبير عادل امام لما تكون الشمس ورا الاوتوبيس)، تمسكا بآداب الزيارة من جهة، ولكسر الصورة النمطية الجامدة استعدادا للانخراط في العولمة من جهة ثانية. مع ذلك لا تعتقد جاهلا بأن كل تلك التجارب مع مرارتها حظيت بتعاطف الناس أجمعين، فليست كل الاشياء بدهيات او حقائق كما تبدو للوهلة الاولى. أكثر الامثلة دلالة، تجربة الاخوان المسلمين مع الاعتقال السياسي، فمع أنها، بصرف النظر عن أخطائهم، شكلت مأساة انسانية تهز الضمير لما جرى فيها من تنكيلات، الا ان البعض ان لم يكتف بتجاوزها بلا تعاطف، فهو ينهمك، وبصفاقة، في تبريرها، اما لانها حدثت في سجون عبد الناصر، او لانه يزن كرامة الانسان في ضوء أيديولوجيته، وبئس الميزان.
يمكننا كذلك أن نحدس أن النساء اللواتي يختبرن تجارب مماثلة في السجون السياسية، لن يكسبن كثيرا من التعاطف، وان كانت الاسباب مختلفة، هذا ان لم يكن النبذ ربما هو مصيرهن، خاصة ان شرعن في الشهادة العلنية وهن مناط الشرف، عن تجارب لا تبقي كثيرا ولا قليلا من الشرف، ولا توفر في العرف العربي شيئا من العذابات الجسدية والروحية التي تنتهك الانوثة والرجولة بشكل متساو، ويكون فيها الاغتصاب أو مقدماته أو التهديد به، آداة تحقيق وعقوبة، مثله مثل الصدمة والهراوة الكهربائيتين .
على سبيل المثال لا يمكن الادعاء أن جميع المشاهدين، او حتى معظمهم، تعاطفوا مع القاصة والفنانة الشماء هيفاء زنكنة، حين أطلت ذات مساء من تلفزيون الـ ANN تتحدث بشجاعة يحسدها عليها طوال الشوارب، أمام مسؤول كبير سابق في جهاز المخابرات العراقية انتقل بين يوم وليلة مع انتقال مصالحه الى صفوف المعارضة، عن تجربتها مع الاعتقال السياسي في السجون العراقية خلال فترة السبعينات، وهي شابة في أوائل العشرين، وعن صنوف التحرشات والبذاءت اللفظية والاعتداءات الجنسية، التي قاستها من المحققين، وان تتحمل في ذلك المساء وعلى الهواء، امام الاف من الناس، منطق المخابراتي السابق، الذي يجلس أمامها معزيا ومبررا ومحاججا : (هسه اختي انتي طلعتي بأطرافج الاربعة أكو ناس نشروهم بالمناشير). لتحرك هيفاء زنكنة شفتيها، كان على المنشار ان يعمل في جسدها صعودا ونزولا، لكن هذا لم يحدث، وهي تتقلب في جنبات الديمقراطية الانجليزية منذ عام 1976 ، فلم اللت والعجن في هذه الساعة، عن ما حدث وما لم يحدث.
 لا شك أن كثيرين لعنوا الفضائيات ليلتها، وانكمشوا أو جفلوا من رؤية هيفاء، واعتبروها امرأة خمسينية مسترجلة، مجردة من الحياء ومن أي نعومة أو جمال، وفضلوا لو اختارت لهم أمسية تسامرهم فيها عن اللوحات الجميلة التي رسمتها وشاركت بها في معارض جماعية وشخصية بآيسلندا ولندن. هذا لا يمنع ان البعض، وأنا منهم، رأى في هيفاء زنكنة تلك الليلة، وهي لا تملك بالمناسبة لمن لم يشاهدها في التلفزيون، أو لم ير صورها، الا القليل جدا بمقاييس الجمال الشكلية الخارجية، رأى فيها أكثر النساء جمالا وقوة، وأفضلهن ترجمانا لنظرية جمال الروح، التي نسمع بها كثيرا وقلما نصادف صاحباتها وأصحابها.
ان كانت معظم الشهادات الفعلية والتجارب الابداعية بخصوص تجارب السجن السياسي بلغتنا موقعة بأسماء رجال، فالسبب لا يعود الى نقص التجربة النسائية مع الاعتقال السياسي، وان كانت بطبيعة الحال ستبقى أقل في كمها مقارنة بما للرجل، بقدر ما يرجع لعوامل الخوف والعيب، والحساسية الاجتماعية، والمداراة أو المواربة، ان لم أشأ أن أستخدم ممصطلح أكثر شدة وتحريما كالتابو.
فمن المؤكد ان هناك نساء خضن التجربة على ذات القدر من الوجع والمعاناة التي مر بها رجال، وهناك نساء كن لصيقات من التجربة على نحو أو آخر، وان بشكل غير مباشر، المهم أن الوعي لديهن كان حاضرا على مستوى العقل والروح، لكن المسألة لا تفهم على هذا الشكل المختزل، لاننا أمام مشهد لا أحد فيه يتوقع، ولا يريد، ولا النساء أنفسهن، ان تتوقف الغنائية والغواية، ولا ان يستبدل الاحتفاء بالجسد الانثوي بموضوعات تعذيبه وانتهاكه في الاقبية والمعتقلات، وهذه حقيقة موضوعية لا صلة لها بأي دعاوي أو هرطقات نسوية، لا تعرف رأسها من ذيلها.
ان الابداع ليس تاريخا، لان التاريخ تسجيلا وتوثيقا، بل وحتى مجرد محاكاة مباشرة، ليس منوط بالقصص والروايات. كما أن النزعة الى محاكمة التاريخ وحوادثه لا موطئ لها، في ابداع يحترم نفسه، لانها كفيلة بتقويضه من أساسه، وللسبب ذاته: المقاضاة لها مكانها الاخر، حتى وان كان الابداع يدور في رحى تجربة سجن سياسي، محكومة في العادة بحقبة ومكان وصيرورة وأناس محددين.
لذا ففي رواية (الغلامة) لعالية ممدوح التي تستلهم معاناة التعذيب السياسي، (صادرة عن دار الساقي)، لا تكون الاماكن ولا التواريخ التي تلمح لها الاحداث من بعيد ذات أهمية، لان العراق على مدى تاريخه القديم والحديث في التعذيبات السياسية والهموم والمصابات والطواغيت، الذين بدئوا بلبس العمامة وخطب البلاغة وانتهوا بسماع المديح النبطي وتدخين السيجار الكوبي، عراق واحد. لذلك يكفي أن تعرف أن المكان عراقي، وان الانسان هو الاخر عراقي، ذاك المدموغ منذ الازل من قبل زعاماته بأنه (معدن الشقاق والنفاق ومساوئ الاخلاق)، ثم تنس ما عداه، وعالية ممدوح، تصعد بك الى واحدة من أكثر التجارب الانسانية تعقيدا وايلاما من دون أن تتوقف، وهذا هو المذهل، عن عربدتها المازوشية وسخريتها السوداء، التي تستصرخ العذاب في قمة عنفوانه مستزيدة منه، فهي لا تشم وتستلذ فقط عطر موظف المباحث الذي ساقها من بيتها ليلا وتشتهيه، بل وبمازوشية أحسنت عالية تمثلها، وان أخفقت بشدة في شرحها وتفسيرها، تتخيل بنشوة، جسدها، وهو يستباح في حفل اغتصاب جماعي يشارك فيه جمع من المحققين الاوغاد.
تبدأ الحكاية بداية عربية نموذجية، فثلاثة بين العشرين والثلاثين يقتحمون الدار الساعة الثالثة فجرا لاعتقال شابة بعد ان أوشكو على قلع الباب بضربات أحذيتهم الثقيلة. خالة الشابة تستثير نخوتهم: "الله يستر على اخواتكم. هسه احنا بنص الليل ليش ما تتفضلون لما تطلع الشمس" أما لماذا لا يتفضلون لما تطلع الشمس فالجواب السديد عند الشابة التي تظن أن ذلك لانهم:
" يفضلون القاء النظر على أبناء الشعب وبناته في مناماتهن المنزلية".
في السجن تتم التطبيقات على الجسد بروتينية وتلقائية وتنتهي به الى خريطة فيها تضاريس: العض والحرق والتورم والكدمات الزرقاء والحمراء والبنفسجية المائلة للاخضرار والاهم (النزف الطويل ذاك الذي تكتموا عليه في بادئ الامر حتى استفحل أمري فعرضت على احدى الطبيبات) وآخر الامر طفل تختزل عالية ممدوح في سطرين ببراعة شعور الام به والذي اظنه ينسحب على كل الامهات في الظروف المشابهه: (لم أكن جائعة لهذا الطفل، وهو ليس طفلي تماما لكنه طفلي على كل حال. كنت على أتم الاستعداد للذهاب الى طمره ودفنه بكل ما كان يقع تحتي وفوقي ودفعه للخارج او قتله في الداخل. لكنه اتخذ لنفسه شكلا خاصا به واندفع برمته في داخلي".
الواضح في الرواية ان عالية ممدوح تتناول أكثر الموضوعات حساسية وهي تنأى بنفسها تماما عن الوقوع في فخي الابتذال والاثارة الفجة، محتفظة بمستوى راق في اللغة والتصوير، وأظن هذا من بين المعايير التي تفرق المبدع عن شبيهه، لذلك فالقراء الذين يبحثون عن الضالة الترويجية المعروفة لا أنصحهم أن يتعبوا أنفسهم بالبحث عن (الغلامة).