الأجنبية».. وكتابة التجربة الغربية المغايرة« 2-2

صبري حافظ
تكتب «الأجنبية» لعالية ممدوح تنويعها الخصب على هذا الموضوع الجديد القديم فى الأدب العربى: موضوع الرحلة إلى الغرب والعلاقة المعقدة معه. فـ«الأجنبية» تدير حوارها بالتناقض والاختلاف مع سرب طويل من النصوص السردية العربية التى كتبت الرحلة إلى الغرب وتجرية الحياة فيه، منذ «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم وليس انتهاء بـ«الحب فى المنفى» لبهاء طاهر، مرورا بالطبع بـ«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. وليس فى هذا التراث الطويل من الكتابة عن الرحلة إلى الغرب والحياة فيه إلا نصوص قليلة كتبتها المرأة العربية، أذكر منها «حجر دافئ» لرضوى عاشور. وسوف يحتل نص «الأجنبية» مكانا مرموقا فى هذا المتن السردى من حيث طرحه المغاير لموضوع الغرب/ الآخر وتفكيكه الدؤوب له، وتجريبيته السردية فى هذا المجال.
وقد برهن إدوار سعيد فى كتابه العلامة «الاستشراق» أن الكتابة عن الآخر تكشف لنا عن حقيقة الذات الكاتبة وثقافتها، أكثر مما تقدم لنا من إضاءات يعتد بها عن الآخر، الذى تكتب عنه. وهو الأمر الذى ينطبق على كل كتابات «الاستغراب» العربية التى تناولت الغرب، أو تجربة العربى فيه. لأن أى دراسة لمسيرة هذا الميراث العربى الطويل الذى بدأ مع رفاعة الطهطاوى فى «تخليص الإبريز» عام 1834، ولم يتوقف حتى اليوم، تكشف لنا عن تحولات الذات الكاتبة وتصوراتها عن نفسها وموقعها من العالم، أكثر مما تقدم لنا من معلومات يعتد بها عن الآخر الغربى. من هذا المنطلق نجد أن «الأجنبية» بنت تبدل تلك العلاقة الإشكالية مع الغرب فى القرن الجديد من ناحية، وتغير طبيعتها الحوارية وتصورنا لها بعد كل استقصاءات نقد ما بعد الاستعمار من ناحية أخرى. بل إن النص نفسه يعى أهمية تلك الاستقصاءات فى استهلاله «أتابع أعمال مؤرخى ومؤرخات ما بعد الخطاب الكولونيالى، فتستوقفنى بعض المقولات التى يؤكدون من خلالها أن الخصائص المميزة للتاريخ الشفوى هى أنه لا يتناول ما قد حدث، بقدر تركيزه على المعنى من وراء ما حدث»، «ص7».
وهى عبارة مفتاحية تريد فيها لفت انتباه قارئها بأنها تركز هى الأخرى على المعنى من وراء ما حدث. وأهم المعانى وراء ما حدث من متغيرات فى عالمنا العربى وفى الغرب، أن عالمنا العربى قد ران عليه التردى والفساد طوال العقود الأربعة الأخيرة. فقد تخلق فيه على مد ساحته المترامية من العراق شرقا حتى المغرب غربا، مناخ طارد يدُعُّ أكثر كائنات الواقع العربى حساسية وموهبة، ويطردها من فضائه الذى تعمره البلادة والفظاظة. فلم يعد العالم العربى يبعث أبناءه إلى الغرب بهدف احتياز معارفه للاستفادة بها فى بناء مشروعه التحديثى. حيث كان أغلب أبطال تلك النصوص من «عصفور من الشرق» إلى «قنديل أم هاشم» ليحيى حقى إلى «الحى اللاتينى» لسهيل إدريس وحتى «موسم الهجرة إلى الشمال» طلاب علم يريدون التسلح به للعودة إلى بلادهم ولعب دور فيها.
بل بدأ هذا المناخ الطارد الذى عمّ العالم العربى، وطرد من أفقه أكثر أبنائه حساسية وموهبة ورهافة، ينتج هو الآخر نصوصه المغايرة. فقد شهد الزمن العربى الردىء، ومنذ سبعينيات القرن الماضى خروج المثقفين خصوصا من مصر فى زمن السادات، ومن العراق وسوريا والسودان والمغرب واليمن وغيرها من البلدان العربية. وكان الكثيرون ممن أخفقوا فى الخروج يغبطون من نجحوا فيه، ومن استطاع منهم الاستقرار فى أوروبا، دون أن يعرف الكثيرون منهم الثمن الفادح لهذا الاستقرار. وبدأت النصوص التى تتعامل مع تجربة العربى فى الغرب تكتب تجليات هذا الثمن الفادح الذى حول الرحلة إلى منفى، منذ «الحب فى المنفى» حيث كان الخروج الناجم عن المناخ الطارد لا يزال يحفظ لمن خرج ماء وجهه، ويوفر له نوعا من الحماية الشكلية، فلم يكن العالم العربى وقتها قد تدهور بهذا الشكل الرهيب. لكن تلك الحماية الشكلية سرعان ما انتهت كلية مع «عباد القمر» لمحمد حسان، ووصولا إلى «بروكلين هايتس» لميرال الطحاوى، و«زمن الأخ القائد» لفرج العشة.
فى هذه الأعمال الجديدة نكتشف أن الهوان الذى يتعرض له العربى داخل بلاده يلاحقه حينما ينجح فى الهرب منها إلى الغرب، لأنه ليس هوان الشخص، لكنه هوان البلد كله الذى يمتد إلى كل من ينتمى إليه، سواء أكان مقيما أم مرتحلا. وفى «الأجنبية» شىء من هذا الهوان الذى تتصاعد حدته مع تصاعد الهوان العراقى بعد الاحتلال خاصة. وثمة كثير من التناظر فى كتابته التى تنفض عنها كل أوهام الغرب القديمة، وتتعامل معه بوعى جديد فيه قدر كبير من العقلانية والتوازن، بين كتاب عالية ورواية الليبى الموهوب فرج العشّة، مع الفارق الكبير بين خصوصية التجربة الألمانية عنده، والفرنسية عندها. لكن «الأجنبية» لا تكتب قسوة المنفى، وتعرض العربى فيه لشتى أصناف العنف والهوان من العربى المنفى، حيث يحمل هذا العربى تناقضات الوطن معه إلى المنفى، والغربى العنصرى فحسب مثل محمد حسان وفرج العشة، لكنها تكتب أيضا عبء الوطن الذى يحمله هذا المثقف على كاهله، لا يستطيع أن يحطه عنه للحظة كى يستريح. وقهر الهلع/ الكرب/ الحنق/ ومتواليات المخاوف التى تكتبها لنا «الأجنبية» وهى مهددة فى كل لحظة بالاقتلاع والطرد من هذا الفردوس، الذى يحيله الوطن، وقد حجب عنها جوازها، إلى سجن. فسجن الوطن يلاحقها حتى وهى مقيمة فى مدينة النور ووطن الحرية. كل ما يوفره الغرب، هو الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية التى لم تعد متاحة حتى فى الوطن.