الكاتبة العراقية عالية ممدوح: القارئ العربي مستبدٌ


لا أبحث عن الإلهام ولا أؤمن به مع أني أحترمه
دبي - علي محيي الدين (البيان)
من العمل في مجال السيكولوجيا النفسية، إلى كتابة الرواية، جسور قطعتها الكاتبة العراقية عالية ممدوح لتدخل بيوت محبي الأدب من بوابة روايات سطرتها شأن «حبات النفتالين» و«الغلامة».
طيب الحديث، يعم على مداعبات كلامية بسيطة مع كاتبة تعتبر نفسها الأكثر استفزازاً والأقل مبيعاً بين كتاب العرب. العبور هو السبيل الذي تجد فيه علياء طريقاً للانتقال بين مرحلة وأخرى، بين علم النفس والصحافة، وبين الصحافة والأدب، إلا أن هذا العبور لا يكتمل لطالما كان الإنسان حياً، وعن تجربتها حوله تقول: «عبرت الكثير من الجسور، وما تبقى أنا في طريقي نحوه. باعتقادي حياتنا ليست سوى جسر غير مرئي، يخيل لنا أننا تمكنا من الوصول إلى الضفة المقابلة، إلا أن الحقيقة هي أن كل ضفة تقابلها ضفة أخرى علينا الوصول إليها».
لا يتمكن المرء من التخلص من مهنة عاشها حسب قول عالية، التي تستخدم خبرتها في سيكولوجية الإنسان لبناء الشخصيات التي تتمحور حولها رواياتها، وتضيف: «أستخدم علم النفس كثيراً في تحليل الأشخاص الذين أقدمهم في كتبي، لا سيما ردود أفعال هؤلاء مع ذواتهم ومع الآخر.
في رواية (الغلامة) على سبيل المثال، كانت حاضرة في مهرجان طيران الإمارات، إلا أنها رواية ممنوعة في بعض البلدان العربية، وسبب المنع أنها تحدثت عن حالة اغتصاب في السجن للنساء في مرحلة سياسية. تم اغتصاب فتاة، وطريقتها الوحيدة للإجابة على المعتدين كان من خلال السخرية، إذ لم يكن لديها أي حيلة أخرى سوى لسانها والسخرية التي هي سلاحها الوحيد».
تمكنت عالية من تبوء منصب رئيسة تحرير «جريدة الراصد»، وأمينة تحرير مجلة «الفكر المعاصر» الفصلية. وعاشت وتزوجت في بيروت، وأنجبت ابنها الوحيد. «كتبت أولى رواياتي عندما كنت صحفية، كنت أجد الكثير من الآفاق للتجارب، من ناحية الحراك اليومي الذي يعطي الكاتب دفعة، إلا أن هذا لا يعني أنه يمنحه الإلهام. فالصحافة تستهلك الكاتب، لأنها تأخذ مفرداته بشكل يوميّ، والكثير من الأفكار الإبداعية يتم استنزافها من خلال عملية الكتابة اليومية. وأنا لا أزال أكتب أسبوعياً في جريدة الرياض، قراءات نقدية، ولأنني رغبت في نشر هذه المواضيع في كتاب، كنت أحرص على كتابتها بأسلوب صحفي رصين».
حديث الرواية
تُعرّف عالية نفسها على أنها كاتبة حسية، وتستشهد على ذلك بأولى رواياتها «حبات النفتالين»، إذ تقول: «حديث الرواية يتم من عيني طفلة عمرها تسع سنوات، تراقب كل منهم حولها، وأجسامهم والتغييرات التي تطرأ عليها. والحسية التي أتحدث عنها هي تعليقات عين رقيب الحواس الخمس، إذ كان لدى هذه الطفلة قدرة على مراقبة كل شيء، وخلال مرورها في سوق البهارات، كانت تقع علينها على أهرامات من الكمون والفلفل، في لحظات كتابة تلك الكلمات، جاءتني نوبة من العطس، سببها الحسية التي أعتمدها لمراقبة ما هو حولي، وما هو حول أبطال رواياتي».
آفاق الكتابة
معادلة الكتابة والحواس ثنائية الجوانب بالنسبة للكاتبة العراقية، إذ تلعب مجموعة من الحواس مجتمعةً دور محفز عملية الإبداع لديها، وتشرح هذه العملية بالقول: «أجلس في الكثير من الأحيان في أماكن عامة، ألمح رجلاً يمشي بطريقة غريبة، أو امرأة تعدل شالها، تناغم الحركة والأصوات والخيال، يمنحني إلهاماً لشخصية في رواية مقبلة، عبر فتح أفق للكتابة أمامي، لذا لا أحب تسمية الإلهام هذا حسياً، وإنما غواية لأنني أتتبع أشخاص الروايات المحتملين رغبةً في معرفة النهاية التي يوصلوني إليها».
لا تولد القصة بسهولة لدى عالية، إلا أنها تعتبر اللقطة الأولى نقطة انطلاق، وتصفها بالقول: «هذه الشحنة هي التي تبدأ من خلالها قصتي، ما هي إلا انفجار يولد مجموعة من الشظايا في مختلف الأماكن، شأن الدماغ أو شخصيات أخرى. ما أقوم بتجميعه هو الفولطية التي تتولد عن هذا الانفجار فتتولد بقية روابط البطل في الرواية، شأن الحبيب أو الابن، الأسرة بأجمعها أو الوطن وما إلى ذلك.
لا أؤمن بفكرة الإلهام، مع أني أحترمه، قد يراه الآخرين فيّ، إلا أنني لا أبحث عنه لأنني أعمل وأكتب في كل لحظة من لحظات حياتي العادية، دماغي تقوم بتسجيل التفاصيل التي تمر حولي، هي عملية كتابة من غير كتابة، بإمكان من يشاء أن يسميها إلهاماً».
ليس لدى عالية طقوساً غريبة تمارسها خلال انكبابها على عملية الكتابة، باستثناء ما يتعلق بالطعام، وتقول: «لا أتمكن من الكتابة إذا كنت جائعة أو متخمة، علي أن أتناول الطعام بطريقة معتدلة. وأفضل دائماً العودة إلى الأماكن ذاتها أثناء العمل على رواية ما، أي أنني لا أشعر بالراحة في الأماكن الجديدة، شأن المقاهي أو الفنادق، ولكن لا مانع لدي من تدوين الملاحظات أثناء التنقل. إلا أن منزلي في باريس الذي أشبهه بالكشتبان، هو البيئة الخاصة بي التي تشعرني بالراحة بهدف الكتابة. الشيء الغريب الوحيد الذي أقوم به هو التعطر، إذ أنني أستخدم العطر بغاية إغواء أبطال رواياتي أياً كان جنسهم ليكونوا حاضرين بين يدي أثناء الكتابة».
قدوة مفقودة
لا تحدد ممدوح كاتباً أو كتاباً كان لهم عليها التأثير الأساسي الذي دفعها إلى هذا العالم الخيالي من الأدب، ولكنها لم تتعود أن تنكر الفضل، فتقول: «علني لم أجد القدوة في كاتب ما، إلا أنني لا أنكر تأثري بكل كتاب قرأته، وبالنسبة للأدباء، فالوحيد الذي أعشق نتاجه كاملاً هو شكسبير. وبالنسبة لكل الكتاب العرب، فتعجبني بعض كتبهم، هي التي تجد طريقها إلى قلبي، ولكنني لا أحب أن أذكر أسماء هذه الكتب».
لطالما انتقدت عالية الكتاب العرب، معتبرة أنهم يخضعون لسلطة القارئ الذي لا يمكنه إلا أن يكون مستبداً، وتضيف: «ألوم على الكتاب العرب أن أغلبهم يكتب ما يشاء القارئ، الذي أعتبره مستبداً أي من أكثر حاكم، لأنه يريد إعادة إنتاج الواقع.
والسبب في هذا الاستبداد أنه لم يعتد أن يحيد عن الخط، لأنه قد يقع بكل بساطة، فأي كتابة صادمة تسبب له تهديداً. أنا الكاتبة الأقل مبيعاً في العالم العربي، لأن كتبي تباع ببطء، إلا أنها تباع باستمرار، وتطلب من قبل دور النشر وتتم ترجمتها إلى لغات عدة، إلا أنني مدركة أن القارئ لا يحب الاستفزاز، وهذا ما يجده فيّ، ما يدفعني إلى الطلب من القارئ أن يسمعني، أن يبتعد طريقاً عن الطريق الذي يسير فيه، ويصل إلي ليطلع على ما أقدمه، وإذا لم يعجبه، فبإمكانه التخلص منه».
أفلام بصيغة روائية
لا تجد عالية أي مشكلة في تحويل رواياتها إلى أفلام، وتعتقد أن لدى أي سينمائي يختار أن يبني فيلمه على رواية، مطلق الحرية في التغيير كما شاء من دون الرجوع إلى القارئ، وتقول: «أنا معجبة بالكثير من الأفلام المبنية على الروايات، وإذا تم اتخاذ روايتي يوماً لبناء فيلم عليها، فلن أتدخل إطلاقاً في عمليات الإنتاج، كما أنني أريد أن أشاهد شيئاً جديداً ومختلفاً كأي مشاهد يقصد دار السينما ليحضر الفيلم».
مواجهة مع الشباب
في زيارتها إلى جامعة الشارقة، جاءت عالية بالتعليق التالي: «زرت جامعة الشارقة مع عشرين طالباً، وتحدثت إلى صف إدارة الأعمال، وقسم مختص بدراسة الأدب، وحواري معهم كان مثمراً وساخناً وإيجابياً في الآن ذاته. وسمعت آراءهم، وجدت كمية هائلةً من الخجل عند الطلبة أكثر من الطالبات، إذ حاولت سحب الكلام منهم، استخدمت الاستفزاز لأتمكن من استخراج القصص منهم، لأن أي شخص أقابله في حياتي ممكن أن يتحول إلى بطل في رواية أنوي كتابتها في المستقبل».

http://www.albilad.net/articles3%20%20%20%2027-5.htm