سيرة ذاتية بالإنكليزية هي الأحدث عن الشخصية المخبوءة لمؤسس النظرية الشيوعيّة

ماذا ينفع كارل ماركس لو ربح العالم وخسر نفسه؟
ماذا ينفع ماركس لو ربح العالم كله وخسر نفسه. لعل خسارته مزدوجة. لأن هزيمتين أُلحقتا به من وراء ظهره: أولاهما وأفدحهما ان مصادرة قسرية نُفذت بحقه. فقد تم الاستيلاء على فلسفته عنوة بعد أن جُرّد من انتمائه الى العصر: من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أُلبس لبوساً لا يتلاءم مع مقاسه الفكري السياسي الاقتصادي. ثم أطلقه مريدوه ومحبّذوه وأنصاره في فضاء شاسع للخرافة الفلسفية. ثم جعلوه أيقونة "مقدسة" هبطت من سماء الفكر وظلّت تطفو على الواقع من دون أن تمسه مساً مباشراً. والثانية، ان من كرّسه ناسكاً محتبساً في كهنوت الفلسفة ظنّ، للوهلة الأولى، أن النظرية الشيوعية لا تختلف عن الايديولوجيا الدينية في كون الاثنتين من طينة غيبية واحدة، هي الادعاء القاطع بالقبض على التاريخ، في صيرورته وتحولاته المزعومة، وهو يجتاز رحلته الطويلة الى نهاياته المحتومة.
تبدو هذه التصورات الأولية من نسيج الدراسة الأحدث التي تضطلع بمقاربة السيرة الذاتية لكارل ماركس، في يومياته الرتيبة والصاخبة، في مزاجه المتقلب، في تشتته المذهل بين أرجاء الثقافة الأوروبية. في نفوره من المفاهيم اليقينية، وفي استهجانه

التطبيق الاعتباطي لنظرية: ديكتاتورية البروليتاريا. الكتاب بعنوان: "كارل ماركس، حياة من القرن التاسع عشر"، للمفكر المشهور جوناثن سبيربر، عن منشورات "لايف رايت"، آذار مارس 2013. يأخذ المؤلف على عاتقه، في هذه الدراسة المدهشة، قراءة ماركس من خارج حالته الأيقونية التي أسقطت عليه أثناء حياته، ثم جعلت جزءاً متشبثاً به بعد رحيله. يعمد الكاتب، في هذا السياق الصعب، الى نزع المعوقات، والمطبات، و"الألغام" التي زرعت بإحكام من حول شخصيته التي لم تتنكر يوماً، على الأرجح، للمؤثرات الفسلفية السياسية التي شرّع لها أبوابه قاطبة. وفي النتيجة، يجتهد المؤلف في محاولته انقاذ ماركس ممن استولوا على إرثه الكبير فحرموا عصره منه وحالوا دون تمكينه من تنفس الهواء الذي امتلأ به في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أراد الكاتب

لماركس، في هذا العمل الضخم، أن يولد من جديد ولادة قيصرية على الأغلب انصافاً له وإدانة لمن خذلوه فأساؤوا إليه إساءة كبرى.
تبدو هذه السيرة الذاتية، على الأرجح، من النسيج التاريخي الفلسفي لما كان ينبغي أن يكون عليه كارل ماركس. من أجل ذلك، يجتهد صاحب هذه الدراسة الفذة في الإقدام على محاولة استثنائية، بكل المعايير، لاستخلاص ماركس التاريخي من ماركس المعاصر الذي بات مشوباً، حتى العظم، بهالة من المفاهيم والأفكار والمعتقدات المسبقة التي لم تكن لتندرج في سياقه الاجتماعي الفلسفي. يرى المؤلف، في هذا الاطار، ان الأوان قد آن، وإن تأخر ردحاً طويلاً من الزمن، لإزالة القشور الايديولوجية التي كانت تكدست تباعاً حول منظومته الفلسفية.
ولا يجد الكاتب مفراً من انجاز هذه المهمة، وإن بدت شاقة وأحياناً مستحيلة، لسببين اثنين رئيسيين. أولهما: انقاذ ماركس من براثن "أسطورة" لم يساهم هو نفسه في جعلها قيداً مزمناً له وزنزانة فكرية ارتضى هو نفسه أن يصبح نزيلاً بين قضبانها على نحو من الإقامة الجبرية الدائمة. والثاني: أصبح أمراً ممجوجاً ومنافياً لطبيعة الظروف المعاصرة، أن يصار الى استخدام آرائه الفلسفية والسياسية لإسقاطها اسقاطاً اعتباطياً بذريعة أنها الأمثل لفهم التحولات الاقتصادية السياسية في الزمن الحالي. ماركس، في هذه المراجعة النقدية الراديكالية، هو الابن الشرعي، تاريخياً، للثورة الفرنسية وفلسفة هيغل في تعقّب حركة التاريخ بلوغاً الى نهاياته المزعومة بسيادة العقل، وثالثاً موجة الانهماك في التكنولوجيا الصناعية التي شهدتها بريطانيا العظمى بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر.
ماركس، في ما تشير اليه هذه السيرة الذاتية الأحدث، مفكر ينتمي، أولاً وأخيراً، الى القرن التاسع عشر بامتياز. لقد حُمّل هذا الفيلسوف ما لا يحتمل وما لا قدرة له على الاحتمال. وأيّ توجه، من أي جهة أتى، لجعله مسؤولاً، في العمق، عن التحولات الماركسية ودلالاتها في النظرية الشيوعية، بات أمراً عقيماً وغير ذي جدوى في أحسن الأحوال. يطلق المؤلف هذا التصور بالتحديد، على المخاض الشيوعي الذي احتل المشهد السياسي في القرن العشرين. صحيح أن ماركس بدا من الرواد القلائل الذين التقطوا بوعيهم الفلسفي، حركة الرأسمالية في تكوين المجتمعات الصناعية وصولاً الى الانتفاخ المخيف الذي طرأ على الطبقة البورجوازية. غير أن نفاذه المرهف الى الديناميات الداخلية العميقة للرأسمالية، ظل مقصوراً على تجاذبات هذه المسألة كما تجلّت في العقود الأولى المبكرة للقرن التاسع عشر. وفي الوقت الذي كان ماركس يتطلع فعلاً الى مجتمع جديد تنحسر فيه مساوئ الرأسمالية، لم يتطرق، في الوقت عينه، الى الكيفية التي ستسفر عن هذا التحول الأخطر في الأزمنة المعاصرة والحديثة. لم يشر ماركس، مرة واحدة، الى مآل المجتمع الانساني بعد انهيار الرأسمالية. ظل الغموض يلف هذه الفكرة.
وامتنع ماركس، بالمثل، عن الذهاب برؤيته الفلسفية عبر الزمن لاستشراف حالة كهذه لم تقضّ مضجعه في الأساس. يتوغل المؤلف في تفكيك هذا التصوّر بالقول ان فيلسوفاً كبيراً بحجم ماركس وثقافته الواسعة لم يكن ليقدم على محاصرة نظرياته السياسية الاجتماعية بسلسلة من الالتزامات العقائدية المسبقة حيال الرأسمالية والشيوعية. والأرجح أن الاطار الفلسفي الذي كان يتجوّل فيه، بدا مرآة على الأغلب، تعكس على صفحتها البيضاء التناقضات التي كان يتقاطع حولها القوى الأوروبية العظمى وقتئذ ويتجاذب في بيئة امبريالية من التقاتل على المصالح.

 

التفكيك
ان تفكيك شخصية ماركس يفترض، في رأي الكاتب، تفكيكاً مماثلاً لمفاهيمه إزاء النظرية الشيوعية. ليس افتراضاً صائباً، هنا، الاعتقاد ان ماركس وشيوعيته توأمان لا ينفصمان حتى وإن خيّل الى اتباعه وأنصاره من بعده أنه اقترن بالشيوعية على نحو من زواج كهنوتي لا تنفصل عراه. يتجرأ المؤلف على الطعن عميقاً في هذا الاستنتاج باعتباره اسقاطاً للحقائق على فيلسوف لم يكن مستعداً، في بنيته العقائدية، ان يتقبّل اسقاطاً كهذا. يستدل على ذلك، بمقالة شعواء وضعها ماركس في صحيفة "راينلاند نيوز" تسلّم ادارة تحريرها في العام 1842، شن فيها حملة صاخبة وعنيفة على الصحيفة الأولى في ألمانيا وقتئذ هي "أوغسبرغ" يدينها ادانة قاطعة لمواقف اتخذتها دفاعاً عن الشيوعية. كتب ماركس في المقالة المشار اليها قائلاً: من أسف ان مدننا التجارية التي كانت مزدهرة ذات يوم لم تعد كذلك، غامزاً من قناة الشيوعية التي من شأنها "أن تستغبي ذكاءنا وتجتاح مشاعرنا أسوة بنزعة ماكرة خادعة يصعب الشفاء منها أو استبعاد مضارها. يقتبس المؤلف رأياً آخر لماركس أودعه في المقالة عينها، جاء فيه: "ان أي محاولة ترمي الى تبني النظام الشيوعي قد يجري التصدي لها بالسلاح، وبنيران المدافع. ان ماركس الذي صاغ "البيان الشيوعي" بعد خمسة أعوام من كتابته هذه المقالة هو نفسه الذي كان يحبّذ استخدام السلاح لقمع انتفاضة لعمال شيوعيين. لم يقتصر نفور ماركس من ديكتاتورية البروليتاريا على هذه القضية فحسب، ففي خطاب ألقاه أمام الجمعية الديمقراطية في مقاطعة كولونيا الألمانية في شهر آب أغسطس من العام 1848، اعتبر ان تطبيق النظام الشيوعي من قبل طبقة واحدة فقط، محاولة لا قيمة لها وكأنها لم تكن في الأساس. وقد حدا هذا الرأي الذي بدا على تناقض راديكالي مع الأفكار التي ضمّنها ماركس في بيانه الشيوعي قبل ستة أشهر على هذا الخطاب، بأنصاره ومريديه الى رفض هذه التصورات بالمطلق واستهجانها بذريعة أنها ليست من بنات أفكاره. ومع ذلك، وخلال السنوات العشرين التي أعقبت التاريخ المذكور، استبعد ماركس من منظومته الايديولجية أي اشارة تُعزى الى كومونة باريس ذائعة الصيت، خصوصا بعد اندلاع الحرب الفرنسية الروسية.
ان ماركس الناظر بعين الريبة الى الشيوعية ليس وجهاً مألوفاً في الادبيات الاشتراكية التي راحت تنهمر في كل الاتجاهات بعد رحيله. ولكن، بدا من ناحية اخرى، انه لم يكن لديه تحفظ صارم على مشاركة الليبراليين من مجايليه وامثالهم بعد ذلك، في نزعتهم الى الاعتقاد بأن الشيوعية (في حال وجدت وقتئذ بصيغتها المتعارف عليها) ستكون ملازمة لازدهار المجتعات البشرية. ومع ذلك، يبدو من تطلعات ماركس والجهود التي انكب على بذلها مريدوه، من بينهم انغلز، فإنه ظل يفتقر الى سياق موحد حيال النظرية الشيوعية. بدليل، كما يستنتج المؤلف، انه كان ميالاً، بمزاجه الفلسفي المعقد، الى ان يشرع منظومته الفلسفية الضخمة على مفكرين ومثقفين ذوي مشارب متباينة لا يجمع بينهم خط فلسفي مستقيم. اقتبس ماركس منهجه الجدلي من الفيلسوف الالماني الاكبر، هيغل، ولعله تتلمذ عليه خصوصا في ما يتعلق باستنباط العقل من التاريخ واستنباط التاريخ من العقل. وابدى اعجاباً وفيراً بعالم الاجتماع الفرنسي، هنري دوسان سيمون. ونهل من دون حدود من الفيلسوف الفرنسي اوغيست كونت. وكان هذا الاخير سباقاً في مجال ترقب مرحلة في التاريخ تتلاشى فيها الاديان وتنكمش في سياقها النزاعات بين الطبقات، وتأخذ حركة التصنيع، في اطارها التكنولوجي المكثف، تحتل مكانة متفردة على قاعدة من التحولات المتناسقة والمنطقية، تسفر عنها سلسلة من القفزات التطورية المتلاحقة شبيهة بالمكتشفات العلمية التي يحققها العلماء في دائرة الطبيعة الواسعة. واقتبس ماركس ايضاً من الفيلسوف البريطاني، هربرت سبنسر الذي تعزى اليه المقولة الشهيرة "الصراع من اجل البقاء" وليس الى العالم والمفكر داروين.
على هذا الاساس الموضوعي من قراءة ماركس في بيئته التاريخية المحددة، لا يعدو هذا الفيلسوف كونه مفكراً المانياً قبل أي شيء آخر. لم يستمد، كما يجري تداوله في الادبيات الايديولوجية المحض، تأويله للتاريخ من النظريات العلمية وما يتفرع منها من مكتشفات. اقتبسه بحذافيره من فلسفة هيغل. ولطالما علق الماركسيون الاصوليون على هذا الاقتباس بالقول ان ماركس انقلب على استاذه هيغل فثبته على اقدامه بعد ان كانت قدماه متدليتين فوق رأسه. كان يستشرف، بهذا الانقلاب تحفيزه القدرات الانسانية في دوائر متصلة من التحولات الثورية وصولاً الى الاعتقاد بأن التاريخ يبلغ منتهاه عند الدائرة الاخيرة من هذه السلسلة. لم يستجب ماركس لنظرية داروين التي تنص على ان التطور الانساني قد يتقدم في سائر الاتجاهات من دون ان يبلغ التاريخ نهايته. بدا اكثر استعداداً لتقبل نظرية الفيلسوف الفرنسي، تريمو، الذي تفتقت فلسفته عن وجوب تقدم التاريخ صعداً الى الامام. وفي هذا دليل آخر يستجلبه المؤلف دلالة على انتقائية ماركس وتعمده الاقتباس من سائر نظرائه الاوروبيين. ولعل عظمة هذا الفيلسوف انه بدا منصتاً لسائر الاصوات الفكرية الثقافية في الدائرة الاوروبية، يستهدف هضمها جميعاً من دون ان يستقصد الخلوص الى ايديولوجية شيوعية مغلقة حكم عليها بالاختناق سلفاًُ. من هنا، نجاح المؤلف منقطع النظير في حياكة صورة مستجدة لماركس تتكون من خليط غريب عجيب، اذا جاز القول، تتميز بقابليتها على التلون بألوان العصر على نحو يتجاوز كثيراً القوالب النظرية الجامدة التي استدرج اليها من دون اذن منه.
لم يخطر في بال ماركس، على الاغلب، ان يبتكر نظاماً شيوعياً ذا طابع شمولي محكماً ينأى بنفسه عن التعرض لرياح الثقافة، كالذي اوجده لينين في الاتحاد السوفياتي السابق. والاقرب الى منطق الصواب ان نموذجاً مبنياً على نظرية الجزيرة المعزولة كهذا لم يكن امراً متاحاً لماركس، كما لم يكن من صلب طبيعته الفلسفية ولا مزاجه المشرع على الثقافات. بدليل انه لم يتجرأ على تحديد معالم المجتمع الجديد الذي تسعى الشيوعية الى تحقيقه، ولم يتخذ خطوة واحدة في محاولة استشراف الطبيعة الداخلية للمجتمع الذي سيعقب مباشرة زوال الرأسمالية. غير انه، في الوقت عينه، بدا متيقناً من انه في اللحظة التي تتلاشى فيها الراسمالية، فإن مجتمعاً افضل واكثر اشراقاً وانسانية سيطفو على سطح الحضارة مستجمعاً في ذاته مزيجاً من الفلسفة المثالية والتحولات الانسانية والنظرة الايجابية الى التاريخ.
لم يكن مقيضاً لمؤسس الاتحاد السوفياتي، لينين، ان ينحو المنحى عينه. انحرف بفلسفة ماركس نحو قراءة ذاتية محض لرؤية سياسية اقتصادية لم تكن مبرأة، في اساس تكوينها، من الغموض والتعقيد والمقاربات الصعبة. يرى المؤلف، في هذه النقطة على وجه الخصوص، ان المزج "القاتل" بين الحتمية التاريخية والنظرية العلمية ذات الاسس الواهية، كان قاتلاً ومميتاً بالفعل لانه حدا بلينين الى استنباط التوتاليتارية الشيوعية. وقد ادت هذه الاخيرة الى تبني ضرب من الرؤية المبهمة او المشوشة، في احسن الاحوال، الى مستقبل يخلو من شروط الزمن الآتي. لم تكن نظرية لينين مؤهلة، منذ انطلاقتها، لتقود المجتمع، بعد زوال الرأسمالية، الى الهدف الذي اراده ماركس وسعى اليه ونظّر له. وفي النتيجة انتحرت الشيوعية. قتلت نفسها بالسم البطيء. ولم تبلغ الرأسمالية حتفها المتوقع. ازدهرت بعد ان اوجدت لنفسها آفاقاً ارحب بالافادة القصوى من قوة رأس المال ومجده وسحره. كان ماركس يطمح الى اعادة تأويل التاريخ، بشروطه المادية، لتكوين مجتمع انساني ارقى. فاذا به يجري توظيفه لاستخدامه سلاحاً فتاكاً في معركة طاحنة ضد الرأسمالية. ولت الشيوعية الادبار وبقيت الرأسمالية. ذهبت الشيوعية الى مثواها من دون جنازة وبقي كارل ماركس.
جهاد الترك
المستقبل - الأربعاء 11 أيلول 2013 - العدد 4802
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=586578