بيتر أوتول أغمض عينيه الزرقاوين (فيديو)

هوفيك حبشيان
لا يمكن ذكر بيتر أوتول من دون أن تجتاح المخيلة عيناه الزرقاوان اللتان خلّدهما ديفيد لين بالسكوب الـ70 مم وبموسيقى موريس جار التفخيمية في فيلمه "لورنس العرب" (1962). للعموم من المشاهدين، ظل اوتول توماس ادوارد لورنس، هذا الكولونيل في الجيش البريطاني الذي اضطلع بدور مهم في العالم العربي خلال الحملة ضد الأمبرطورية العثمانية في اللحظة التي كانت المدافع تلتهب في الجانب الآخر من الكوكب. مهما تعددت أدواره في ما بعد، ظلت هذه الشخصية تتعقبه، "محرر دمشق"، المثلي غير المعلن، وكاتب "أعمدة الحكمة السبعة" (1926) وأحد مهندسي الوحدة العربية. انتُقد لشدة الزرقة في عينيه (مقارنة بعيني لورنس الحقيقي) حيناً، ولكاراكتيره المتناقض حيناً آخر، وحظي ايضاً بسيل من المدائح، مما شرّع أمامه أبواب المجد والشهرة الواسعة. وما من شيء أكثر طبيعية، عندما يكون المرء أشقر، جميل السحنة، بلون الصحراء التي صوّرها

فريدي يانغ ببراعة تشكيلية لا مثيل لها.
عن دوره في هذه الملحمة السينمائية هوليوودياً (صدرت نسخة مرممة منها قبل سنتين)، حظي بأول ترشيح لجائزة الـ"أوسكار" في حياته. ترشيح تكرر لثماني مرات في مسار امتد على خمسة عقود، من دون ان يُسند اليه أيٌّ من تلك التماثيل الذهبية، فصار الممثل الأكثر ترشحاً في التاريخ. الى أن أرتأت الأكاديمية منحه "أوسكاراً" فخرية لمجمل أدواره عام 2003 تفادياً للفضيحة والاحراج. في البداية، كان أوتول يريد رفضها معتبراً ان عليه ان ينالها في سياق المنافسة وليس من باب الترضية.
تجرأ كلٌّ من منتج "لورنس" سام سبيغل ومخرجه ديفيد لين، اسناد الدور إلى ممثل شاب لم يكن يعرفه احد آنذاك. أكثر من ذلك: جعلاه محوطاً بمجموعة أسماء كانت اثبتت طاقاتها التمثيلية (أليك غينيس، انطوني كوين، موريس رونيه). وكان لين لا يريد نجماً من نوع "النجم الفلاني في الدور الفلاني"، مع ان مصادر أخرى تقول انه كان يريد مارلون براندو لدور لورنس، لكن الممثل الكبير رفض الدور لانشغاله في تصوير "ثوار باونتي" للويس مايلستون. لكن يبدو ان كاثرين هيبورن هي التي اقترحت أوتول على لين، فاقتنع به ما إن رآه. استوعب أوتول دوره جيداً وحلّق به الى قمم سينمائية غير متوقعة، نادراً ما بلغها ممثل، آتياً بشيء من الرقة النسائية في تشكيل ملامح لورنس.
حكايات كثيرة خلف عملية تصوير لورنس التي استغرقت نحو سنتين لفيلم مدته 216 دقيقة. غداة العرض الأول في لندن (10 كانون الاول 1962)، كان اسم أوتول على كل الألسنة، ويحكى انه لم يجنِ الكثير مادياً من الانتاج، ذلك انه صرف كل ما كسبه في الكازينوات صحبة صديقه عمر الشريف. في المقابل، صار يتكلم القليل من العربية بعد تسعة أشهر في صحراء الأردن.
---
ولد أوتول من أب، كان وكيل مراهنات ايرلندياً عام 1932 في كونيمارا الكاثوليكية. عاش صباه في شمال انكلترا، ثم في دبلن. بدأ حاجباً، خدم في "المارينز"، ثم عمل في الصحافة عندما كان شاباً يافعاً قبل ان يلتحق بصفوف "الاكاديمية الملكية لفن التمثيل" في عامه العشرين بعدما أبهرته مشاهدته لـ"الملك لير". من رفاقه في المرحلة تلك: ألبرت فيني، ألان بايتس، ريتشارد هاريس. في بداياته، كان يريد أن يجوب العالم، مستكشفاً ومحققاً، على خطى الكاتب الأميركي جاك لندن. عشق الخشبة كما عشق الكاميرا، وطوال سنوات مثّل في مسرحيات شكسبير وحفظ نصوصها عن ظهر قلب. لعل أكثر ما أبدع فيه، تجسيده "تاجر البندقية" و"ماكبث" و"هاملت"، ودائماً كان اداؤه موضع نقد كبير، بين مَن يشيد بعبقريته ومَن يجد فيه محترفاً خارجاً على السائد. هكذا كان يروي، في حزيران 2013، لإحدى المجلات طريقة تحضيره للدور: "في البيت، أطالع السكريبت وحدي من دون مسلمات. أقفل على نفسي وأتمرن على الدور، أمتص كل كلمة قبل الخوض في الدور أو المشهد. عندما تسدل الستارة أو أسمع كلمة "أكشن" من المخرج، أكون هنا!".
من اطلالاته الأولى في السينما: دور صغير في "المتوحشون الأبرياء" (1960) لنيكولاس راي الى جانب أنطوني كوين. بعد "لورنس" والتكريس الذي جاءه وهو بالكاد في الثلاثين متزوج وأب، لم يتوقف عن اقتناص الادوار، مدرجاً في رصيده أكثر من عشرة أدوار حتى بداية السبعينات. لعل اهمها: "بيكيت" لبيتر غلنفيل (1964) حيث يلتقي ريتشارد برتون وجون غيلغود؛ و"اللورد جيم" لريتشارد بروكس (1965)؛ "ما الجديد بوسيكات؟" لكلايف دونر (1966) مع رومي شنايدر؛ "ليلة الجنرالات" لأناتول ليتفاك (1966) حيث تشارك البطولة مجدداً مع عمر الشريف مجسِّداً شخصية نازي. شاهدناه أيضاً في "أسد في الشتاء" لأنطوني هارفي (1968)، الذي يدخله في جلد هنري الثاني (شخصية أدّاها أيضاً في "بيكيت") الى جانب كاثرين هيبورن. بيد أن تجربة لورنس لم تتكرر مع فيلم آخر.
السبعينات كانت أكثر جموداً وأقل حملاً للثمار وأضعف على الصعيد المهني، غامر اوتول خلالها في تقمص شخصيات من مثل دون كيشوت تحت ادارة ارثر هيللر، لكن بلا جدوى. أنهى العشرية تلك في عامها الأخير بفيلم شبه بورنوغرافي تورط فيه أيضاً مالكوم ماكداول: "كاليغولا" لتينتو براس. لم يجد أوتول الدور الكبير الذي يعيده الى الصفوف الأمامية بعد مرحلة أفل فيها نجمه، كما كانت الحال مع براندو عندما طلب اليه كوبولا ان يجسد دور فيتو كورليوني. أصابه مرض خبيث. مشكلته أن موهبته لم تُستثمر على يد مخرج كبير. لم يحصل اللقاء المنتظر. واذا مررنا بفيلموغرافيته، لا نجد فيها سينمائيين كباراً عمل أوتول في إدارتهم. في السنوات الأخيرة، لم يظهر الاّ في أعمال ثانوية، ولم يمانع حتى في منح صوته لأفلام تحريك من مثل "راتاتوي" لبراد برد (2007). سحنته النقية ومظهره السبعيني رشّحاه الى أدوار الأباطرة والملوك والبابوات، لكن من دون أن يترك خلفه علامات دامغة.
انه الساحر، أغوى كثيرين بلون عينيه، سواء على الشاشة او خارجها. ممثل شكسبيري لا يتعب، عييش، نهم، صاحب ذوق رفيع، لم تسقط زجاجة السكوتش من يده حتى في أحلك ظروف المرض. معروفٌ بتطرف خياراته. أحبّ الحياة وعاشها بحلوها ومرها. نوّع في أدواره قافزاً من الكوميديا الى الدراما التاريخية فأفلام الرعب. كان أوتول أعلن قبل سنة تقريباً عن ابتعاده عن السينما بعد إصابته بمرض صارعه حتى الرمق الأخير، لكن بلا فائدة. فالحياة ليست لقطة سينمائية يكتبها السيناريست على قياس النجم.
http://www.annahar.com/article/92302-%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D8%B1-%D8%A3%D9%88%D8%AA%D9%88%D9%84-%D8%A3%D8%BA%D9%85%D8%B6-%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88