الفيلسوف إريك فردم يعتبر أن الإصلاح الجزئي للمجتمع يخلق أزمات أكبر

الأوطان تمرض أيضاً
حلمي النمنم
يمكن أن يكون الإنسان، الفرد، مريضاً في لحظة ما، لكن هل يمكن أن يكون المجتمع كله مريضاً؟
الإجابات مختلفة بين مؤيد ومعارض، وحول هذه الفكرة يدور كتاب عالم النفس والفيلسوف إريك فردم "المجتمع السليم"، وهو ألماني الأصل هاجر إلى الولايات المتحدة وصار مواطناً أميركياً.
وعرف إريك فردم بين المثقفين العرب بكتابيه المهمين "الخوف من الحب"، ثم "الخوف من الحرية"، أما كتابه الذي بين أيدينا "المجتمع السليم"، فهو أقل شهرة من سابقيه، رغم أنه يعتبر امتداداً أو استكمالاً لكتاب "الخوف من الحرية".
الفرد والمجتمع
فردم من القائلين، إن المجتمع يمكن أن يكون سليماً، وقد يكون مريضاً، وفي حالة مرض الفرد يكون هناك علاج وطب أما في حالة المجتمع فالأمر يختلف، لن يقبل أحد للوهلة الأولى بفكرة أن مجتمعاً بعينه مريض، بل يقال إن به عيباً، أو أزمة معينة شائعة بين أفراده يجب العمل على تجاوزها، وحين كتب فردم هذا الكتاب ـ منتصف القرن العشرين ـ كانت المشكلة في المجتمعات كلها بين الرأسمالية المتوحشة أو الطاغية والاشتراكية المتشددة.
ورغم الخلاف بينهما رأى هو أن أوجه الشبه بينهما أكبر كثيراً من أوجه الخلاف، ذلك أن الاشتراكية ولدت من رحم أزمات المجتمع أو الثورة الصناعية، الرأسمالية، وكانت محاولة للتخلص من أزمات الرأسمالية، وكان تصوره أن الحل يكون في الاشتراكية الإنسانية أو إضافة البعد الاجتماعي إلى الرأسمالية وقد انهارت المنظومة الاشتراكية عام 1990 بعد رحيل إريك فردم، وهو لم يتوقع ذلك ولم يحلم به وكان يتخوف من نشوب حرب عالمية جديدة أو حرب ذرية يمكن أن تبيد وتدمر الحضارة الإنسانية، ولم يكن متفائلاً بمعاهدات السلام التي يتم توقيعها بين الدول.
ففي الفترة من عام 1500 وحتى عام 1870 تم توقيع ثمانية آلاف معاهدة سلام بين الدول، ومع ذلك لم تتوقف الحروب والمعارك، وكان آخرها الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام 1945، وإن كان هو يعتبرها الحرب العالمية الثالثة لأنه يعتبر الحرب الأوروبية عام 1870 حربا عالمية لأنها شملت أكثر من نصف مناطق العالم. كانت المستعمرات البريطانية تملأ الكرة الأرضية من الهند والصين حتى وسط أفريقيا.
وإحدى المشكلات في إصلاح المجتمع ـ أي مجتمع إنساني ـ أن الإصلاح يكون جزئياً على الأغلب، إذ ينحصر في الجانب السياسي أو الاقتصادي، وهذا يخلق مشكلات أخرى، ذلك أن الإصلاح لا يجب أن يكون جزئياً لا فرعياً، وهذا هو خطأ المجتمع الرأسمالي وأيضاً المجتمع الاشتراكي، الإصلاح ينبغي أن يكون ثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً في وقت واحد، الذين يعتمدون على الحل الاقتصادي يتصورون أن الإنسان يعيش بالخبز وحده ومن يتبنون الحل السياسي يعتقدون أن الإنسان يحيا بالانتخابات الحرة فقط.
ولا يدرك أولئك وهؤلاء أن الإنسان في النهاية لا يجد ذاته ولا يحقق سعادته في هذه الحلول الجزئية، فالإنسان كائن متكامل ويجب أن يعامل على هذا النحو ونحن في مجتمعاتنا العريقة لا نعرف غير الإصلاحات الجزئية والجانبية، إن تمت، ويتركز معظمها في البعد الاقتصادي.
الغريزة والبيئة
فردم من الذين يعولون على الإصلاح، ذلك انه من مدرسة تناقض مدرسة فرويد، كان فرويد يذهب إلى أن أزمات الإنسان ومشاكله تنشأ من غرائزه، أي أن الإنسان ابن الغريزة في نهاية الأمر، أما فردم فيرى الإنسان ابن ظروفه وبيئته المحيطة به ومن ثم إذا تم تعديل هذه الظروف وإصلاح البيئة، فسوف ينصلح حال المواطن والفرد، وكان ذلك الرأي في حينه غاية في التقدمية، ذلك ان بعض المدارس الغربية ترى في السود والأفارقة كائنات غير مكتملة ولا تستحق الحرية، وكان بعض المستشرفين يرون في العرب وفي المسلمين عموما أناسا غير قادرين على التفكير الحر والعقلاني، وكانت مقولات فردم ضربا لتلك الآراء في الصميم.
ومشكلة المشاكل عنده هي "الحرية" فالإنسان ظل مرتبطاً بالسماء وبالديانات وكان يرى أن السلطة الروحية للكنيسة تفكر وتختار له وتقرر له ما هو الصالح، وما هو الطالح، ومنذ القرن السادس عشر تمرد الإنسان على هذه السلطة وأسقطها، وصار حرا يقرر ويختار هو لنفسه، ولذا فإن الإنسان مازال لديه خوف من الحرية.
ويرى فردم أن الإنسان المعاصر عنده ميل إلى الاستبداد لأنه يخشى الحرية، ويخاف تبعاتها ومسؤولياتها، في البلاد الاشتراكية كان الحزب الواحد يفكر للفرد ويختار له، بل يحدد له ما يأكله وما يرتديه من ملابس، والأمر لا يختلف كثيراً في المجتمعات الرأسمالية، في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تقرر له الشركات الصناعية الكبرى ويختار له المجتمع الصناعي، وكذلك الأحزاب الكبرى، ويلقي لها الفرد حريته راضياً وسعيداً؛ لأن في داخله خوفاً من الحرية، وفي المجتمع السليم لا بد أن يتم الحد من تدخل مؤسسات الصناعة و"الميديا" من تليفزيون وإذاعة وصحافة وأحزاب في تهميش الفرد وتحويله إلى مجرد ترس في آلة ضخمة.
ولا يعني إصلاح المجتمع أن يأتي على الإنسان حين من الدهر يكون فيه بلا هموم ولا مشكلات، الإنسان كائن به الكثير من التناقضات ولكن لا بد له من خيال في التعامل مع واقعه وان يتسلح بالشجاعة والمغامرة وان يطرد الخوف من حياته وان يثق بقدراته، والاهم عند فردم أن يتجه عمله وجهده نحو الحياة ومن اجلها وليس نحو الفناء باستحداث أسلحة الفناء كالقنابل الذرية وغيرها أو نحو الثقافة التي تركز على الموت والعالم الآخر، وتتجاهل الواقع الإنساني وضرورة أن يعيش الإنسان حياته حراً وكريماً وان تتوافر لديه حاجاته الأساسية وأمنه الشخصي والخاص.
قد يبدو الكتاب وما فيه من أفكار كلاسيكياً بالنسبة للعالم المعاصر، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وسيطرة الولايات المتحدة على النظام الكوني، لكن بالنسبة لنا نحن ومجتمعاتنا العربية، الكتاب فيه الكثير مما يناسب اللحظة التاريخية التي نعايشها والهموم التي نمر بها جميعاً من المحيط إلى الخليج.
الاتحاد الخميس 22 أغسطس 2013