شذرات من كتاب ـ اللاطمأنينة ـ للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا

 ترجمة المهدي خريف

أستنطق الحياة

لم أطلب سوى القليل من الحياة ، وحتى ذلك القليل رفضت الحياة منحي إياه . طلبت حزمة ضوء من الشمس ، حقلا .. القليل من السكينة مع قليل من الخبز ، إلا تثقل علي كثيرا معرفتي بأنني موجود ، وألا أطلب من الآخرين شيئا وألا يطالبونني هم بأي شيء . هذه الرغائب ذاتها تم تجاهلها ، كمن يتجاهل الظل لا بسبب الافتقار إلى المشاعر  الطيبة ، وإنما لكي لا يتحتم عليه أن يفك أزرار السترة .. أكتب ، مكتئبا ، في غرفتي الهادئة ، وحدي مثلما كنت ، وحدي مثلما سأكون . وأفكر إن لم يكن صوتي ، على ضآلة شأنه ظاهريا ، يجسد جوهر آلاف الأصوات ، والحاجة إلى التعبير لدى آلاف الحيوات ، صبر آلاف الأرواح المذعنة مثل روحي ، تحت شمس القدر اليومي ، متشبثة بالحلم اللامجدي ، والأمل الذي بلا بارقة . في هذه اللحظات ينبض قلبي نبضات أعلى بسبب إحساسي الحاد بنبضاته . أحيا زيادة على اللزوم لأنني أحيا على نحو أكبر وأعمق . أشعر في شخصي بقوة دينية ، أشبه بنوع من الصلاة ، أشبه بالشكوى . لكن رد الفعل ضدي من الذكاء يأتي ... أراني في الطابق الرابع من شارع آل .. حالما أمارس الإحساس ؛ أبصر فوق الورق نصف المكتوب ، الحياة الباطلة الخالية من الجمال والسيجارة الرخيصة .. فوق النشاف العتيق . هنا أنا ، في هذا الطابق الرابع ، أستنطق الحياة ، صانعا نثرا ...

مقطع من قصيدة ـ سرير ناعم ـ

كل يوم هو ما هو ، ولم يوجد قط في هذا العالم يوم يشبه آخر . فقط داخل روحنا يوجد التماثل . البعض يولودن عبيدا ، آخرون يتحولون إلى عبيد ، وآخرون منحوا العبودية. العشق الجبان الذي نكنه جميعا للحرية ـ التي لو امتلكناها ، لاستغربناها ، لأنها جديدة ولرفضناها ـ هو العلامة الحقيقة لثقل عبوديتنا . أنا نفسي ، الذي أعلنت عن رغبتي في كوخ أو مغارة حيث أستطيع التحرر من رتابة كل شيء ، رتابة أناي قبل أي شيء ، هل أجرؤ على الذهاب إلى ذلك الكوخ أو تلك المغارة ، عارفا ،بالخبْر ، أنه محكوم علي بتحمل الرتابة على الدوام ، طالما هي مني وإلي ؟ أنا نفسي ، المختنق  حيث أوجد ، المختنق لأنني موجود ، أين بإمكاني التنفس أفضل إن كان الدائ موجودا في رئتي وليس في الهواء المحيط بي ؟ كل ما يحيط بنا يتحول إلى جزء من ذواتنا . يتسرب إلى الإحساس باللحم وبالحياة ، ونسيج العنكبوت الأعظم ، يربطنا بلطافة بما يحيط بنا ، موقعا إيانا ، في السرير الناعم لموت بطيء .