في الذكري الخمسين علي وفاتها : أوراق جابرييلا ميسترال الخاصة!

 اعداد وترجمة: أحمد عبد اللطيف

في العاشر من يناير سنة 1957 ذهبت عن عالمنا الشاعرة التشيلية جابرييلا ميسترال، التي تعد في نظر النقاد واحدة من اعظم شعراء اللاتينية ، والتي نالت جائزة نوبل كأقل تقدير لأعمالها الرائعة سنة 1945. ولدت جابرييلا في السادس من ابريل سنة 1889 ، ببلدة بيكونيا الشيلية ، لاب مدرس هجر اسرته عندما كانت ابنته في الثالثة من عمرها .بدأت حياتها الأدبية بنشر أشعارها في احد المجلات المحلية ، لكنها اختارت لنفسها اسما ادبيا غير اسمها الحقيقي . كان هذا الاسم الادبي هو جابرييلا ميسترال ، بينما اسمها الحقيقي لوثيلا جودوي . اما عن اسم جابرييلا فأسمت به نفسها لإعجابها الشديد بالشاعر الإيطالي جابريللي دي أننونتثيو . أما ميسترال فهو اسم فديريكو ميسترال ، لإعجابها ايضا به. عرفت جابرييلا الألم مبكرا عندما انتحر حبها الأول ، هذا العامل البسيط بالسكة الحديد . وبعد هذا الحدث لم تعد جابرييلا هي نفس الفتاة السابقة . كرست حياتها قلبا و قالبا للتعليم ، هذا المجال الذي أحبته و زاد حبها له مع مرور السنين . تولت الشاعرة العديد من المناصب ، فشغلت وظيفة مديرة للعديد من مراكز التعليم و مستشارة في عدة حكومات وصارت قنصلا للتشيلي في اسبانيا و لشبونة وممثلة لبلدها بمعهد التعاون الثقافي لجامعة الأمم بجنيف . حتي صار التعليم ، وخاصة تعليم الإناث ، واحدا من ثوابت حياتها . لكن حياتها العملية المشحونة لم تشغلها عن حبها الأول : الشعر . حيث أن إنتاجها الشعري لم يتوقف علي طول مسيرتها . ولعل أهم أعمالها التي حظت بشهرة واسعة : ¢حزن قراءات من أجل النساء رقة ضباب أبيض دمار وهي كلها اعمال تتميز بالرومانسية الشديدة والشجن المكثف . رسائل جابرييلا ميسترال : (1 ) تركني خطابك بلا صوت ، بلا حركة ، بلا فكر . ياإلهي ! إلي اي مكان في أعماقي وصلت كلماتك ؟ . أعلم انه لا مجيب . لكني في داخلي احمل لك كلمات حمقاء، كتبتها إليك لتكون بلسما ، فأتت بعكس ما تمنيت و صارت سكينا يجرحك . لماذا كتبتها ؟ ، لا لشيء سوي أن القدر اراد ذلك . هذا هو خطابي الأخير ، كان يجب ان يكون مطولا ، مثل المرارة التي أدت إلي سهد رافقني في سريري خلال الأيام الطويلة الماضية . مانويل ، حبيبي ، سأصلي من أجلك ، كما اصلي من اجلي ، صلوات كثيرة بلا انقطاع . الوداع يا حبيبي لوثيلا ملحوظة : أشكرك علي خطاباتك ، بما فيهم خطابك الأخير الذي مزقني .

(2 ) لي مسيح واحد ، له عينان لم أر مثلهما لمخلوق . قريبا جدا سأرسل لك صورة منه . عندما اعود إلي غرفتي بعد غياب طويل ينظر لي ويسألني بنظرته الخاصة ونبرته المميزة : ماذا فعلوا بك ؟ ، لماذا تأتين أكثر حزنا ؟ .سيدي ، كنت أريد أن ارتق ثوب حياتي المقطوع . فجاءتني يد عذبة ، ناعمة ، مثل يدك تماما ، فاعطتني خيطا ابيض وحاشية الثوب المنسولة وقطعة قماش مستطيلة ... و أنا كنت أشعر أنني مسحورة . لكن علي ان أعترف ان اليد منحتني خيطا قليلا وطلبت مني ان اطرز فستانا من السرور لكل الارواح . (3 ) استيقظت اليوم في الساعة الثالثة مساء ، كانت السماء تمطر و كان الجو شديد البرودة .مكثت في سريري ، بدأت اقرأ . بعد ذلك بدأت عملي . لم يبق لي سوي الليل ، كالليلة الماضية ، لأتحدث معك . لدي الكثير لاقوله لك ، الكثير يا مانويل ، لكن المشاعر تتبخر عندما تتحول لكلمات . تقول لي بكل سذاجة : هبيني السعادة ، هبيها لي ، فأنت قادرة علي ذلك ¢. فأهتز ألما ، أنظر في ذاتي ، وأري بوضوح تام انني لا أستطيع أن امنحك هذه السعادة ، يا مانويل . فالحب ، الحب الكبير ، و الرقة ، الرقة المتناهية ، لم أمنحهما لأحد . فلو وهبتك هذا الحب وهذه الرقة فلن يمنحاك السعادة التي تبغيها . لأنك ببساطة لن تستطيع أن تعشقني !. لا أحد يعرف هذا إلا أنا ، فأنا ادرك حقيقة الامر جيدا . وهذا هو الموضوع الذي تتجنب دائما الحديث فيه بالرغم ما أنه الموضوع الوحيد المهم الذي علينا معالجته .أنت لن تستطيع ان تعشق امرأة قبيحة ( وأسأل نفسك ) . اعترف انني منذ سافرت وأنا أفكر فيك باستمرار ، في لقاءنا .كل يوم أفكر في هذا اللقاء . ومع مرور الوقت اكتسب التفكير في اللقاء طعم المرارة . فأنت رجل طيب ، وتحاول أن تجنبني الصدمة ( وهذا هو أسوأ ما في الأمر ) ، لذا تحدثني دائما بحنان ، وربما ستقبل شفتاي في يوم ما ، لتخدع نفسك أكثر من خداعك لي . لقد لاحظت فيك اليوم رغبة عارمة في خداع ذاتك ، في أن تقنع نفسك أنك عاشق ، و ان تصرخ بمشاعر ملتهبة . أن تريد أن تفقد وعيك كمن يشرب العرق لينسي . لا تقنعني بشيء . بماذا تريد أن تقنعني ؟ . إن كل ما تتفوه به ، مشاعرك و حنوك و اكثر عواطفك عمقا ، ماهي إلا الظن . هل يمكنك ان تجنب نفسك و تجنبني عذابا سيؤلم كلا منا عند اللقاء ؟ . فليس أمامنا حلا آخر . فكل منا يرغب في اللقاء ، كل منا يناديه بيأس . فأنا شخصيا اتمني ان يكون اللقاء غدا ، لأنني اعشقك في كل يوم أكثر من سابقه . لكنني ايضا لا أرضي لك بهذا الدور المضحك في علاقتنا ! . لا أرضي لك أن تحيا من أجل شيء عابث ومن خلال شيء عابث . هذا الشعور يزداد يوما بعد يوم ، ويخيفني أن اراك في كل ركن من أركان حياتي . لقد محوت كل شيء و حللت محله . حتي حنوي علي الأطفال و علي الناس الذين يحيطون بي ، قد إنطفأ . و الان ما عدت أمتلك سوي كلمات رنانة و مواقف حب وذراعين باردين ، إلا لك . مازال أمامي ثلاثة أشهر من الإنتظار . ثلاثة أشهر من الوهم الخادع بالنسبة لك ، هذه الأشهر التي ستهبني القوة الكافية لمواجهة شيء انت لا ترغب أن أواجهه . أؤكد لك أن مقاومة هذا الشعور ليس لعبة و لا امر خال من التعب . إنه يخيفني . لكن ماذا يمكنني أن أفعل ، فلا أجد حلا أخر . ماذا يفيد الحديث ، ماذا يفيد الوهم وتشييد المستقبل فوق أساس من الجنون . ليس أمامي حلا آخر . ذات مرة فكرت أن أرسل لك صورة لي ، تشبهني ( لان الصورة التي ترسمها لي هي صورة لامرأة أخري ) لكنني تراجعت ، فارسال صورة لن يفيد في شيء . فخيالك دائما سيري في عيناي لمعة وفي شفتاي بسمة . كما انه لا يمكنك أن تري خبايا شخصيتي من خلال الصورة . أحب أن أعرفك أنني امرأة جافة ، حادة ، قاسية ، لكن الحب يخلق مني انسانة أخري ، لكنه لا يستطيع أن يغيرني كلية . كما أنني أتأخر كثيرا لأكون علاقة حميمة مع الناس . وأضيف لمعلوماتك أنني لا أتحدث مع أحد بصيغة انت ، و لا حتي مع الاطفال ، وليس هذا ناتجا عن عذوبة و إنما عن برود ، عن بعد يفرض نفسه بين قلبي وقلوب الناس . هل ستعكس عيناك في يوم اللقاء روحك الشفافة ، بحيث اثق فيك في التو وأعانقك في الحقيقة كما اعانقك في خيالي ؟ أعتقد لا ، ذلك لأن عينيك ، المخلصتين لروحك ، لن يلمعا ببريق الحب في هذه اللحظة ، لأنك ببساطة لن تستطيع أن تعشقني ، يا مانويل . احلام جابرييلا ميسترال : الحلم الاول رأيته عند الفجر ، أو ربما عند ساعة الإستيقاظ . كان حقيقة ، بجسده ووجهه المليء بالغضب . كان ينظر لأسفل ، لكن اسفله لم يكن الارض ، إنما سريري . كان وجهه شديد الاحمرار كما لو كان محترقا ، أما عيناه فكانتا رماديتين اكثر منهما زرقاوين . كان ينظر تحت قدميه بغضب و كراهية. كما أن حدقتيه كانتا شديدتي الغلاظة . كان جسده مستقيما لكن رأسه مطرقة .كان يرتدي ملابس رمادية فاتحة ( بينما ملابس دفنه كانت رمادية غامقة .)

الحلم الثاني قبل أن أنام ، طلبت ، بل توسلت ، بل اكثر من توسل ، بكل عاطفة رقيقة ، وحماس قليلا ما احمله ، ان أراه ، ان اعرف مكانه ، فحلمت تقريبا بما رجوت . كنت اقف امام مكان مظلم ، ومن الممكن ان أقول أنه شديد الإظلام . كان هذا المكان ينقسم إلي جزءين ، الجزء الايمن مرتبط بالمركز ، أما الجزء الأيسر فكان بعيدا . نظرت إلي يساري فرأيت عددا هائلا من المواد التي تحترق و لا ادري ما كينونة هذه المواد . كان الدخان الكثير يفوق النار نفسها . وكان هذا الدخان يشغل باقي المكان غير الرحب . لم يكن اللهيب مضطرما ، كما لم يكن احمرا في حقيقته ، كان شاحبا بلون احمر قان أو أحمر غامق . كان الجو معبئا بالدخان ، لدرجة انني لم ار اية صورة ، ربما لم توجد صور ، ربما لم أر، فالرؤية في هذا الظلام الدامس كانت حقا صعبة . كان المكان حزينا يبث اليأس و الكأبة . وربما لأنني لم أحتمل رؤيته ،أدرت رأسي ناحية الجزء الأيمن ، بدون ان انظر في المواجهة ( أو ربما لم يكن هناك شيئ في المواجهة ) كان هذا الجزء ايضا مظلما ، كما كان هادئا مثل الجزء الأخر . لا أتذكر إن كانت توجد نار أم فقط كان مكانا مظلما . في هذا الظلام رأيت اشعة طولية تتساقط ، كانت اكثر عرضا من الأشعة المالوفة ، وكانت تتمركز في أماكن عديدة . داخل نفسي كنت أعرف أن هذه الأشياء أرواح قادمة من مكان أخر ، ربما ملائكة أو قوي خفية . كان لها لون اللهب ، لكنها لم تكن تضوي و لا هي جميلة في حقيقتها . لكنها كانت واضحة جدا في هذا الظلام الغامض .لم أشاهد صعود هذه الأشعة ، كنت أتأمل فقط تساقطها علي الاماكن . كما أن الحلم كان قصيرا .

اخبار الادب 

 3/10/2007