الفنانة التشكيلية شادية عالم ل «ثقافة اليوم»: عشت ورجاء نفس التجارب تقريباً ربما أننا ننهل من مكان واحد

 عالية ممدوح

أول ما شاهدت شادية عالم، تصورت ان لها علاقات مع قوى غير مرئية، كونية، لكنها غاطسة في تفصيلات المعيش أيضا. لو لم تتحدث، وهي صموتة في الغالب، لكن فيما اذا اطلقت ضحكتها العجيبة فهي تذهب إلى الأقصى. خلتها، لولا الصوت البشري، جنية مصنوعة من حرير طبيعي، تريد أن ترسم المطلق بمرجعيات نسبية. لا أعرف قط كيف بمقدور البعض، وهم كثرة تتكاثر، بمقدورهم اطلاق النعوت والاوصاف على اللوحة، والتصاوير، عن الفنون التشكيلية ككل، ماعدا النقاد أصحاب الاختصاص. قلت لشادية ذلك ونحن سويا في تلك الغابة الامريكية، تساورني الشكوك من الذين ينطلقون بالمديح المنافق أو بالشتيمة السفيهة عن اللوحة الفلانية

أو الفنانة العلانية. كيف نجرؤ على ذلك (صرنا نجرؤ على افعال شائنة عديدة)، واصلت، إنني أمام الأعمال الفنية الخلاقة لدي هدف واحد هو السكوت والدمدمة مع حالي، يا إلهي، كيف توصلت هذه الشادية إلى ذلك الاعتراض / المعارضة، وجميع هذه النعوت غير دقيقة.   في عموم لوحاتها توقد جنوني للامساك بالوجود، بشهقة الدنيا ومائها السري. كل ما أدونه عنها الآن اختزالي وتبسيطي. قلت لها: بضع مرات كتبت عن بعض الفنانين الاصدقاء، كتبت نصا موازيا لبعض ما استهواني في أعمالهم فاحتكم إلى سلالتي، الكتابة. شادية، سلمتني (النص/ الوثيقة) «دلتا» قصيدة شديدة الفتنة تشابك بها الكاتب ابراهيم الكوني بلوحات وتصاوير شادية عالم فانتجا نقشا وحركة نجوم وزعزعة في اليقينيات ومكر لا نظير له فيما ذهبت إليه اللوحة وما تفنن به الكاتب. اليوم ونحن قرب البحر وداخل غابة وهناك شطط الصداقات التي تتحول وتبقى بحاجة إلى استفهامات حارقة وأنا أشاهد شادية وبدون مبالغة، يوميا بيدها عدتها ؛ روحها، ووهجها وأمامها البهجة، بهجة الوجود ومحنة جميع الاسئلة. ترسم وتمحو ولا تمحو، تدون وتتفرع أمامنا وأمامها الدروب. كتبت عنها اختها رجاء عالم، مقدمة، ذلك الكتاب / التحفة، كتابهما سويا، رسوم شادية وكتابة رجاء والذي أودع نسخة منه في المكتبة الوطنية بباريس وعرض بمعهد العالم العربي قبل سنوات. «إنه دعوة للبحث عن الانسان فينا، عن القدرات الكامنة التي تقودنا للتفرد وتنأى عن العادية والركود والعزيمة حين تحفر لاكتشاف النهر العذب بداخلنا والذي يقود بجريانه صوب التحقق والسكينة والصلح مع الذات».

 وأنا أفتح بريدي قبل أيام واذ بي أتلقى العدد رقم 8 من مجلة فكر وفن التي تصدر في المانيا ولقد اختارت الكاتبة كارين أدريان فون روك الكتابة عن المعرض الذي عرض في مدينة بون عاصمة المانيا الاتحادية بمتحف الفن الحديث فيها والمسمى «كونست ميوزيم» وهو من أهم المتاحف حين تم عرض اعمال للفنانين الخليجين المعاصرين في الطابق الخاص بالمجموعة الدائمة المهمة كنوع من التكريم، ليعلن ان الفن الخليجي يرقى إلى المستويات العالمية، كان ذلك في سبتمبر من العام المنقضي، ولوحة شادية عالم اختارتها الكاتبة فون روك على صفحة كاملة من عدد فكر وفن، اما فكرة اللوحة فلنا عودة مستفيضة لها، قلت لها:

  ٭ لفت نظري ما قاله الناقد والفنان د. (أسعد عرابي) أن وجوه أعمالك تطل من أغوار الزمن السحيق (كرجاء عالم) ترى هل تفكران سوياً أنتِ باللون وهي بالكلمات؟  

- عشتُ ورجاء نفس التجارب تقريباً / لذا ربما كنا أنا وهي ننهل من مكان واحد حاضر وسحيق في ذات الآن. نعمل سوياً، نتواجد في نفس المكان ولكن كل في مساحتها التي يُحدِّدها قوسٌ مفتوح في الجدار، مما يُتيح لكل واحدةٍ منَّا الخصوصية والانعزال. هذا القوس المفتوح يُتيح جريان الطاقة وانتقالها، فنركب عُرْفَ الموجة المُتَوَلِّدة لحظة الإبداع، نغرف من الطاقة بمقدار ما تتطلبه الفكرة أو خامة الخلق، وكلٌّ حسب ما يلائم أدوات استقبالها. والناتج الملموس طاقة تأخذ شكل لونٍ ومادة وحرفٍ، إذا شَدَّت رجاء أشدُّ، وإذا أرخت أشدُّ.   وعند اكتمال العمل نتبادل الاطلاع على تلك الخبرة الوليدة. أحياناً أحاول ترجمة ما أُدركه من عالمٍ تراءى لها وهي في بعض الأعمال تحاول أن تذهب إلى نفس المكان الذي كنتُ فيه.  

٭ ثرية ومهمة تجربتك، كيف جئتِ إلى التشكيل، أو هل هي التي بحثت عنك؟

- لا أذكر أني جئتُ لوحدي، جئتُ وجاءت معي هذه اللغة، ولا أذكر أني بحثتُ عنها. وجدتُ نفسي منذ أن وعيتُ أعبرُ وأتحرَّكُ بالخط، أُشَكِّلُه وألوِّنه، أُعيدُ به التحاور مع الأشياء والمخلوقات حولي. هذه هي أداة التعبير التي تلائم شخصيتي فأنا مُقِلَّة في اللفظ وأحاول أن أجد منفذا للعوالم داخلي بالحركة وتحريك الخط والكتلة التي تنطلق من نقطةٍ وتمضي لتشييد عالمٍ بصري انفعالي موازٍ يعكس الداخل والخارج. ما أمارسه هواللعب والتجريب وهما طريقتي في الوجود.  

٭ في نَصِّه الموازي لتشكيلكِ (دلتا) الكاتب الليبي إبراهيم الكوني / كتبَ هامشاً رؤيوياً على متنٍ تشكيلي: الجسد كوثيقة إثباتٍ، هل توافقين أن الجسد هكذا؟ ألا ترين أنه أحياناً كوثيقة إمحاء، نستعيده باللون أو بالكلمة، وربما أصلاً لا يوافق على الحضور. الجسد لا يُجاملنا، هل هناك تسوياتٍ بينكِ وبين رسوم الجسد؟وماذا عن المرأة في رسوماتك؟  

- كما قال الكوني في نصِّه المرافق لكتابي (دلتا): «يُعلنُ الجسدُ عن نفسه ليُلغي نفسَه» فأنا اعتقد أننا عندما نُغَطِّي الجسدَ بالنقش أو باللباس أو بالرمز نُخفيه ونمحوه إلى حد ما ونُجرِّده من جسديته، نُحيله إلى فكرة، وإلى كينونة تتماهى في المُطْلَق تتحدث لغته.   أرى المخلوقات حولي نقوشاً ورموزاً في حركةٍ دائبة تُحاول الاندماج في جسد الحقيقة خلفها. وتجعل تلك الرموز المُشَاهِدَ في حالة تأمل دائمة. وهذا ما اختبره في رسوم الجسد، هو في حالة استقبال، في حالة وجدٍ، يستقطب الكائنات للغرق فيه والاندماج معه، أحاول محو الجسد بحركة دائبة تُشبه التسبيح باللون وبالنقش، لكي يستعيد الروح الكامنة فيه.   وتلك المُصطبَّات الطبيعية في لوحاتي هي جسدٌ امتدَّ للخارج، وأعادَ صياغة الأرض وتضاريسها. فاختفى الجسد الجغرافي وتم اختزاله، ثم أُعيد تشكيل سطح الثياب والنساء والأشياء به. فصارت تضاريساً وكوناً واحداً، طاقة بديلة.   في مرحلة أخرى حاولتُ تجزئة الجسد للوصول لروحه، حَوَّلتُه في بعض أعمالي إلى أجزاء ومقاطع: يتحوصل الجسد في يد، في عين، وتتحوَّل العين إلى لونٍ وحيد، إلى اللالون، إلى عمقٍ، على وجود ميتافيزيقي مُتَحَرِّر من جسده يُعاين حياةً أخرى.   في كتاب (الحب) كتابي القادم، يؤكد إبراهيم الكوني بنص (الحرف الذي يُميت والكلمة التي تُحيي) على محاولات الإحياء والإفناء التي هي سمة الكون. فيقول: «لو أحببتُ حَجَراً حُبَّاً جَمَّاً لتَفَتَّتَ هباءً. أو لهَبَّ واقفاً على قدمين.. فنحن لا نُحيي إلا من أحببنا بالحريِّة، ولا نُميتُ إلا من أفنيننا بالملكية».   أما جسدَ المرأة فاتخذته موديلاً ناقلاً يحمل حركة العالم الداخلي العميق والسطحي المتحرِّك. جسد المرأة أقدر على التعبير لما يحمله من أبعادٍ داخلية وخارجية لاحتوائه على الرحم الذي يحتضن ويُخلِّق الحياة. وهو بذلك ناقل لشيفرة الطبيعة التي يتحرَّك ويُخْتَزَل فيها الكون. تستطيع المرأة في لوحتي أن تتحرك في مجالٍ ضيِّقٍ تُحدِّده اللوحة يستوعب جسدُها كلَّ الحركة المنطلقة للسماء بينما هي ثابتة في بقعةٍ واحدة بحجم القدمين كالوقوف للصلاة. المرأة حضور كما هي غيابٍ وتغييب: حتى حين تحضر يكون حضورها فاعلاً قوياً مشحوناً بالحركة والانفعالات التي تأخذ كدوامة، وحين تغيب تترك المجالَ للطبيعة لتحتل المشهدَ كله، فتترك فرصةً للتأمل الروحي في كونٍ شاسع ممتد وحر فيه من ظلها حضور وغياب.   هي حضور فاعل مُغَيِّر كما في كتاب (جنيِّات لار) الفني الأدبي والذي كتبته رجاء وأخرجته للوجود مؤسسة المنصورية للثقافة والإبداع، هذا التضافر الأنثوي الإبداعي هو خير مثال لما تمثله المرأة الفاعلة، لما يمكن أن تحدثه طاقة الخلق لديها من تغيير ذي نوعية حضارية مطورة، المرأة هي القوة المحركة التي تلد العالم وتلهمني.  

٭ حدثينا عن الفنانات السعوديات، من هن؟ كيف تتظاهر أعمالهن بين جميع التابوهات التصويرية، الالتباسات الوجودية. من هي الأبرز، في المملكة والبلاد العربية؟

  - سأتحدث عن فنانتين سعوديتين رائدتين: وهما صفية بنت زقر، ومنيرة موصلي. حيث كانت لهما الريادة والسبق، وشَكَّلَ أول معرضٍ مشتركٍ لهما عام 1972 نقطة تَحَوِّلٍ بارزة، وأُعتبرَ ذلك المعرض الدعامة التي أسست للحركة التشكيلية النسائية، وكسرتا بعض الأفكار والتابوهات السائدة عن المرأة كفنان والمرأة كوجود فاعل. قال الأديب والمفكِّر السعودي (محمد حسن عوَّاد) عن ذلك المعرض حينها: «دَلَّلَت الفنانتان على صدق الوثبة الحضارية التي تضطلع بها المرأة في هذا العصر، وعلى هذا فإن الجنس النسوي قد فرض وجودَه وأثبت فعلاً أنه يملك من القوة الروحية والتفوق الآدمي قدراً كبيراً ينفي عنه تهمة التراخي».   وفي رأيي تُلَخِّص الفنانتان مُجمل الحركة التشكيلية السعودية بالمملكة، فصفية تُصَوِّر بأسلوبٍ تعبيري تسجيلي للواقع السعودي والبيئة السعودية، حيث الفن عندها هو صورة للمجتمع وللحياة اليومية. بينما تسعى منيرة موصلي للتجديد، فخرجت إلى التجريد والتجريب في استعمال الخامات والمواضيع وحاولت الخلط بين الفن والأدب.   أما من التجارب العربية فلقد اطلعتُ على تجارب فنانات تَميِّزت كل واحدة منهن بأسلوبها وطريقتها: فمن لبنان أيتيل عدنان، التي ربطت الكتابة بالصورة وزَيِّنت بالتصاوير والرسوم المائية أشعار كبار الشعراء، وتصبغها بصباغات نباتية تتحدَّى الفناء.   ومن المغرب الفنانة (شعبية) التي تتحاور ألوانُها الحارة والباردة في لوحاتٍ خارجة عن كل القواعد الأكاديمية والأُطر الخارجية.   باية الجزائرية التي تنهل من عوالم خرافية بموتيفاتٍ فيها الثراء الداخلي والبساطة.   مليحة أفنان من فلسطين والتي تخطُّ بأبجدية وعلامات مُلَغَّزة رسومها المنتظمة في سلالم موسيقية. والأردنية: منى السعودي، التي تحضر في منحوتاتها وأعمالها المدينة العربية بهندستها التي تتمحوَّر حول بؤرة مركزية.   اطلعت مؤخرا على تجارب فنانات من الخليج. فمن الشارقة: كريمة الشوملي: التي تعبر بأعمالها التركيبية عن الواقع التقليدي بواقع فني جديد معاصر.   أيضا من الإمارات: اعجبتُ بعمل نهى حسن (المروحة) مواضيع نهى لصيقة بالبيئة والإنسان منفذة بأسلوب معاصر.