لغات الحب الكثيرة في رواية المحبوبات لـ عالية ممدوح

مفيد نجم
العدد 98 ...موقع شرفات
تذهب صاحبة رواية (الدلع) «عاليه ممدوح» في روايتها (المحبوبات) نحو مناطق غائرة في تاريخ الذات العراقية المثقلة بانكساراتها وأوجاعها ومنافيها لتروي سيرة ذلك العذاب والبحث عن المعنى والوجود خارج حالة الخراب والموت والقهر التي تعيشها شخصيات روايتها بين منفى وآخر .. ووطن ومنفى . ومنذ جملة الاستهلال يكثّف القول الذي ينقله السارد عن «سهيلة» بطلة الرواية مضمون تلك التجربة في أبعادها الإنسانية والوجودية( في المطارات نولد وفي المطارات نعود) حيث تشكل هذه الجملة البؤرة والمحور الذي تدور حوله أحداث الرواية، وتتفرع منه خطوط السرد الأخرى التي تتحرك في أزمنة وأمكنة مختلفة، يتيحها استخدام الكاتبة لأسلوب التداعي والمونولوج أو الحوار الداخلي في رواية تيار الوعي.

وإذا كان الكاتب غالباً ما يضع العنوان بعد الانتهاء من كتابة عمله، بحيث يشكل هذا العنوان جماع الوحدة الدلالية للعمل على الرغم مما يتمتع به من استقلال بحكم موقعه الأولي في العمل وفي عملية التلقي. وكما يحيل العنوان في بنيته الدلالية على مرجعية خارجية متمثلة بمرجعية اللسان الاجتماعي العراقي، حيث يقيم تناصَّه معه، فإنه بحكم شعريته يقيم تناصه أيضاً مع العمل الذي يحيل عليه، كما يحيل عالم الرواية عليه، الأمر الذي يجعل معرفة دلالته تتطلَّب قراءة العمل، إذ إن «سهيلة» الشخصية المركزية في الرواية هي التي تطلق هذه الصفة على صديقاتها. وتلعب عتبات الرواية ( العنوان والإهداء) دوراً مهماً في تهيئة القارئ وتوجيهه والكشف عن إستراتيجية الكتابة، إذ يتألف العنوان الذي يأتي بصيغة الجمع ومعرَّفاً بأل التعريف على المستوى النحوي من صفة لاسم محذوف هو كلمة النساء ما يدلُّ على خاصيَّة الحذف التي يتَّسم بها العنوان بهدف خلق نوع من الغموض من حيث الدلالة، وهو ما يتطلب تفسيره في ضوء العمل الذي يُتوِّجُهُ. تهدي الكاتبة الرواية إلى «هيلين سيكسو» إحدى أهم النساء الغربيات وبذلك يشكِّل هذا الإهداء مع بنية العنوان الدلالية التي تمثل صفة للنساء بعداً مهماً في الكشف عن الوعي الجمالي والفكري الذي يحكم بنية العمل السردي ويوجهه. ويمثل الحضور المكثف للشخصيات النسائية في هذا العمل تأكيداً آخر على انشغال الكاتبة بتجربة المرأة، على الرغم من تولي ابنها «نادر» مهمة السرد في أغلب أجزاء الرواية.
صورة المرأة ووعي الذات
وكما تمثل «سهيلة» الأم في هذه الرواية محور السرد الحكائي، فإنها تمثل نموذج الشخصية المحورية بالنسبة إلى جميع الشخصيات الأخرى في الرواية، فهي التي تصف نفسها بأنها ليست سوى( مجرد والدة تقرِّب المسافات بين الجميع) الأمر الذي يجعل منها نموذجاً للشخصية الجاذبة التي تتحكم في البنية الحكائية للرواية أو محوراً مركزياً لأحداث الرواية، ترتبط تطور الأحداث بما يحدث لها من تحوُّل وتغيُّر على مستوى الذات والصفات والعلاقات التي تربطها بغيرها من الشخصيات الأخرى، ولذلك لا يمكن الفصل بين تلك الشخصية وعناصر السرد الأخرى في الرواية، وإن كان ابنها «نادر» يشاركها في هذا الدور الذي تتحوَّل وظيفته في الرواية إلى سارد لحكاية «سهيلة» وناقل لأقوالها أيضاً. إن دمج الخاص بالعام داخل بنية الشخصية يجعل سيرة «سهيلة ونادر» في هذه الرواية، هي سيرة الكثيرين الذين توزعوا على منافي جهات الأرض الأربعة، بحثاً عن الأمان والحرية، حيث تتداخل المصائر والوجوه والأقدار على المستوى العام، في حين تقدم الرواية على المستوى الأنثوي صورة مؤلمة وجارحة لمعاناة المرأة القاسية مع الزوج المستبد الذي يحاول أن يعوض على شعوره بالضعف والعجز والهزيمة بسلوكه العنيف مع الزوجة، ما يجعلهنَّ يتحوَّلن إلى وسيلة لتفريغ تلك المشاعر، وبذلك تشكل تلك الشخصيات نموذجاً للشخصية ذات الكثافة النفسية التي تتميز بالتناقض وافتقادها للتوازن، وعلى الرغم من ذلك تبدو المرأة كما تتحدث بطلة الرواية أكثر تسامحاً ورأفة (كان استياؤنا صادراً عن رأفة بهم ليس إلا، الشيء المذهل أننا كنسوة نبدو وكأننا صفحنا عن كل شيء، الألم الشديد ، الرفسات في القفا والهراوات العسكرية، كان المسدس في بعض الأوقات يخرج من الدرج ويصوَّب علينا خلال ثوان، فيشعرون بلذة طاغية حين يشاهدوننا نستعدُّ للفرار من أمامهم، نقصُّ ذلك لبعضنا البعض، نتضاحك وتعود الصور لتبهرنا أكثر، كيف لم نهرب، كيف عدنا إليهم ثانية نتضاحك وتعود الصور لتبهرنا أكثر) لكن «سهيلة» أخذت ابنها واجتازت الحدود بكثير من الخوف ليصبح المنفى عالمها الجديد الذي تحاول فيه أن تطلق شخصياتها، وأن تحقق انسجامها مع ذاتها دون أن تتخلى عن شعورها بالمسؤولية تجاه وطنها وحتى زوجها الذي تظل تحاول أن تعرف مصيره بعد أن فقد أثناء حرب الخليج الثانية. تعمل «سهيلة» ممثلة مسرحية ورثت حب المسرح من والدها المخرج وهي تعشق الرقص الذي يجعل جسدها يستيقظ ويتمرد على وضعه القديم وعلى ماضيها الذي تحاول أن تنتفم منه، من خلال إطلاق مكبوته وتفجير طاقاته الخفية وتصعيدها إلى حدوده القصوى من خلال الرقص الإيمائي الذي تقوم به مع رفيقها في الرقص «فاو». وإذا كانت الغربة تمثل الحاضنة الإنسانية لشخصياتها التي تنتمي إلى بلاد عربية مختلفة وهويات وثقافات متعددة، فإن إصابة «سهيلة» بجلطة دماغية تنجو منها بإعجوبة يمثل الحدث المركزي في الرواية الذي تتفرع عنه أحداث الرواية الأخرى، حيث تتجلى فيه ومن خلاله حالات الترابط الوجداني العميق الذي يجمع بين تلك المحبوبات ، ما يكشف عن الرؤية التي تنطلق منها الكاتبة في تجسيد شخصياتها وما تحمله من قيمة وجدانية وعاطفية طيبة وجميلة تلعب دوراً مهماً في جعل عالم المنفى الإجباري أو الاختياري لتلك الشخصيات أكثر ألفة ودفئاً وأقل وحشة وألماً.

رواية السيرة والراوي البطل
على الرغم من انشغال الرواية بقضايا المرأة التي تمثل شخصية «سهيلة» محورها، ويسندها حضور الشخصيات النسائية فيها بصورة كثيفة وذات دلالة، فإن الكاتبة توكل مهمة السرد إلى شخصية ذكورية هي شخصية «نادر» ابن «سهيلة» الوحيد الذي فرَّت وإياه من العراق. ولاشك أن هذا التوزيع للأدوار ينطوي على دلالة ما على الأقل من وجهة نظر القراءة النقدية، خاصة وأن الكاتبة قدَّمتها على أنها شخصية فاعلة في أحداث الرواية وتمثل جزءاً منها، بل تتعدى وظيفتها سرد أحداث الرواية التي كان شاهداً عليها إلى تقديم سيرة والدته «سهيلة» من خلال الأقوال والتدوينات التي نجده ينسبها إليها باستمرار، وهنا تظهر أهمية وجهة النظر التي يقدمها الراوي من حيث الموقع الذي يحتله في السرد الحكائي وعلاقته المباشرة بأحداث الرواية . لقد ساهمت تقنيات السرد لرواية تيار الوعي التي حطَّمت وحدة الزمان والمكان، في جعل السارد ينتقل بحرية بين أزمنة وأمكنة مختلفة سواء من خلال التداعيات أو المونولوجات الداخلية والخارجية أو استخدام أسلوب بالرسالة أو الأقوال أو السرد الذاتي الذي تقدمه «سهيلة» في المقتطفات التي ينقلها «نادر» من سيرتها الذاتية، ومما يدعم هذا الموقع الذي يحتله «نادر» بالنسبة إلى أمه، أنه منذ طفولته كان يمتلك ميولاً ورغبات وأراء تخالف آراء وميول والده الذي كان يمثل شخصية عسكرية تغالي في مظاهرها وأفكارها ومواقفها. تنوس شخصيات الرواية بين التمرد والضعف ... الحنين إلى الوطن والحرية التي كان يمنحها لها المنفى ، بين الانخراط في الواقع الغريب الذي تتداخل فيه الوجوه واللغات والهويات، ويغدو الرحيل بين مكان وآخر هو السمة المميزة للحياة الجديدة، وبين الارتباط بقضايا الوطن ومعاناتهم أثناء الحصار الجائر الذي كان مفروضاً على شعب العراق. تتوزع الأمكنة التي تجري فيها الرواية بين بغداد وباريس وكندا وتغدو عين السارد في وصف الأمكنة أشبه بكاميرا متحركة تتوغل في عمق الصورة، لتبرز تفاصيلها الصغيرة. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى شخصيات الرواية حيث يركِّز الراوي على نقل تفاصيلها الدقيقة والمعبرة بما يجعل الملامح تعبر عن حقيقة تلك الشخصية أو الحالة التي تعيشها (هي ليست عابسة لكنها مكتئبة قليلاً. جميلة هي سمراء بعينين عسليتين كبيرتين جميلتين ولامعتين، جبين عريض وأنف معتدل، وشفتان مضمومتان شبه ناشفتين، بدن رقيق جداً أخاف أن يتفتت بين ذراعيّ. خطواتها بطيئة كما لو كانت امرأة مسنَّة وهي ما زالت في الثلاثين) ص 28 . تتميز لغة الرواية بشعريتها وتكثيفها المركَّز، ما يسهم إلى جانب جملها القصيرة في منح السرد تنامياً وإيقاعاً سريعاً.