عالية ممدوح في روايتها (غرام براغماتي) تستعيد أسئلة المنفى

مجلة الرواية
 علي حسن الفواز- تحمل الروائية العراقية عالية ممدوح الذاكرة العراقية مثل جرح ممض، يوخزها كلما مست اصابعه الدامية، هذا الجرح القديم، هو جرح الجسد والمكان والجندر والهوية، وربما هو سؤالها اللجوج المفتوح على الاحتمالات التي لا تنتهي..

في روايتها الجديدة (غرام براغماتي) الصادرة عن دار الساقي/ بيروت/2010 تتوهج الذاكرة، وتتسع لفضاءات سردية اكثر استعادة للامكنة الغائبة، ولكينونة شخصياتها المستلبة ولذكريات مازالت (تنط) مثل طفل مشاغب. في هذه الرواية تتجاوز الكاتبة نمط النوستاليجا التي دأبت على استعادتها عالية ممدوح في كتابتها الروائية، اذ تقدم في هذه الرواية عملا روائيا مسكونا بفكرة المنفى وضجيج عوالمه الخبيئة، لكنه محتقن بفوبيا الذاكرة التي يستلبها دائما الحنين، والذي تستعيد اصواته هذه المرة بنوع من الانصات المقابل، وكأنها تحاول ان تبتكر لهذه الاصوات طاقة سرية لها مناطق وشفرات تتعالق فيها المخيلة مع سيولة السرد، وبما يجعل لعبة الكتابة اكثر استغراقا في الانصات الى اصوات عوالمها القصية، تلك التي تستعيدها الرواية بنوع من التراسل المتواري خلف هواجس اللذة الغائبة بين شخصيات عراقية تعيش قلق المنفى وكآبة المدن الكبرى، والتي تنزع من خلالها الى توظيف ما هو تعويضي عبر استعارة طاقة التخيل السردي بوصفه تماهيا للحكي المجبول على الاصوات مع حميمية غائبة، او مع تخيلات لاستعادة امكنة لم تزل رائحتها تثير شهية الفرجة والاستمناء الروحي..

المنفى في هذه الرواية هو البطل المكاني الواقعي، لكنه المتواري ايضا خلف المكان الاخر المتخيل والذي يتمثل الى لعبة استذكار تستفزها لعبة الاصوات، المقابلة لصور الامكنة الثاوية في اعماقها، والحاملة لشفرات حنينها. واذ تضع الروائية نص المنفى باعتباره نصا ايهاميا، فانها بالمقابل تصطنع نصا ظلا، تمنحه شحنات عالية من التذكر الخفي، تتبدى فيها توهجات اللغة وانثيالاتها الصوتية، مثلما تتبدى فيها الانا المرآوية وهي تكتشف قوتها الداخلية بالضد من شيخوخة الزمن حولها..
 
في رواية (غرام براغماتي) تستعيد الكاتبة الزمن الشخصي، الزمن الذي ينمو لصق حميمية جسدها وذكرياتها، عبر استعادة لحظات وعيها (الشقي) بهذا الزمن، اذ تبدو بغداد التي تخصها بعيدة والمنفى الذي لا يخصها حاضراً، وهذه الثنائية الصراعية تستعير من العنوان دالته المفارقة، فالحب الموحي بالحنين والاستعادة واللذة، مقابل خلافي لما علق به من (براغماتية) مضللة بمعنى استعاري شاحب هارب، تبتكر له الروائية اشارات وصوراً واصواتاً واستذكارات هي اقرب لتوليفة سردية مقترحة منه الى معاينة واقعية لا تملك الاّ هواجس نصها الاستعادي القديم بكل محمولاته الراكزة، وشفرات اسمائه وتفاصيل عوالمه المسكونة بايهامها الزمني والنفسي. وهذا ما يمنح روايتها الجديدة خصوصية استثنائية تتجاوز ماعلق بكتاباتها السابقة المشغولة باستعادة مباشرة لثيمة الحنين الباذج (جنسيا وسسيولوجيا) والتي تجد في اشتغالاتها السردية (تركيب الاحداث/ بناء الشخصيات / ضبط مسارات الزمن السردي) مقاربة لاستعادة تعويضية تستعيد من خلالها رمزية ذاتها العراقية الشائهة في الامكنة وعند عزلة الشخصيات، عبر استعادة الكثير من العوالم الخفية في الزمن العراقي المديني بكل ضجيجه وقلقه واسئلته.
 
عالية ممدوح وضعت في روايتها ثنائية المرأة والرجل في سياق تقنية سردية غير مألوفة في رواياتها، واستعاضت عنها بلعبة الاصوات، فصوت المرأة العراقية (راوية) الباذخة في رغباتها كمغنية وصوت الرجل العراقي (بحر) المصور الفوتوغرافي نصف المثقف ونصف العاشق كما تصفه عالية ممدوح، وبما يماثل استعارة كبرى لمركب دلالي توحي به الاسماء بالكثير من التفجرات اللازمة في العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة، فالمرأة / الشخصية الروائية المسكونة بالحب لا تجد مفرا الاّ بالهروب الى المزيد من الحب، اذ يتحول الحب الى تعويض واشباع والى محاولة للايهام باستعادة التفاصيل السرية للامكنة بمواجهة التفاصيل الفاضحة التي تهددها كالخواء والوحدة والعزلة والتكرار وفجيعة الذات. هذا الهروب هو الباعث على مساكنة التوصيف البراغماتي للحب حين يتحول هذا الحب الى لعبة اغواء، وتزييف للبهجة، والذي تكون ذرائعيته دافعا للتورط في المزيد من الانصات / الايهام، ايهام الذات المغوية باستنبات لذتها عبر استعادة صوتية لشفرة الغائب الجسدي، والحاضر في الضفة الاخرى، والذي تمثل رمزيته استعادة صورة الرجل العالق في الذاكرة والعابر الى سرائر الجسد، مثلما هي استعادة للامكنة القديمة التي لم يستطع المنفى رغم سطوعه وسطوته وحضوره الطاغي من ان يستلب رائحة تلك الامكنة التي كثيرا ما تتسلل الى روح الكاتبة عبر لذتها الصوتية.. واذا كانت عالية ممدوح كما الفناها في رواياتها السابقة (حبات النفثالين، التشهي، الغلامة، محبوبات) تملك القدرة على الكتابة الحسية، فانها عبر لعبة الاستعادة تواصل هذه اللعبة، لكن بشراهة اكثر وضوحا، اذ تبدو حميمية البيت الصغير، وكأنها محاولة لاختزال وعيها بالعالم الذي يحوطها، او هو اختزال قريب لما اشار اليه الظاهراتيون في استعادتها للتفاصيل والهواجس التي تخصها في الكتابة والرسم والكلام والاعتراف، وهذه ترسيمة لبيت المنفى الذي لا ينقذها من وحدتها المريبة والقاحلة والموحشة.
 
في هذه الرواية التي تشاكس فيها عالية ممدوح الزمن الشخصي الضاج بالرغبات، والذي يتبدى ايقاعه عبر ما تستدعيه من اشارات وعلاقات ويوميات تعبّر عما تستحضره فيها من تفاصيل موحية (لذة الكلام، القلق، الحميمية) وهي تعويضات لغوية لاستمراء فعل المشاكسة، فضلا عن كونها تفاصيل لعوالم سرية ينكشف فيها ايقاع العلاقة بين الحبيب والحبيبة والتي تمثل الجوهر الثيمي للرواية التي تقول عنها عالية ممدوح في النهاية بانها (رواية عن العلاقات الخفية للحدوس والمشاعر، للانخطافات والتلاطم ما بين الجسد، جسد المحبوب والمحبوبة، بين الثياب والأبدان، بدءا من أعلى زر في القميص إلى حرير البطانة، فنسمع أصوات العشاق وأصوات خلاياهم وهي تتكسر وتتجعد بين راحة اليد وهبوب الرغبة).
 
استعادة هذه التفاصيل هي استعادة لاستيهامات ذاتوية غائرة والتي تستدعيها الروائية عبر استدعاء صوت المحبوب، وهو الصوت الايروسي، والصوت التعويضي، والصوت الاشباعي وبما يحيلها الى استحضار الفعل القرين باللذة (صوتك كالمورفين لا يعالجني الاّ بالتكرار) حيث تبدو هذه اللذة التعويضية مقابلا لما يشبه المازوخية اللذوية الارتكاسية كما يسميها فرويد، والتي تمارس عرضها الروائية عبر شفرة توليدية تتمثل لفعل الاستعادة من خلال الة التسجيل، وكأنها تمارس استمناء داخليا مع هذا الصوت العالق بالرجل / المحبوب البعيد، والذي لا يأتي اليها من بعيد حيث بغداد /نص اللذة الغائب، بل من باريس/ نص اللذة العابر، والذي يمارس شكلا من الاستعراض الجنسي والاستعراض السردي، رغم ان فكرة الصوت العذب هي فكرة تجريدية احيانا، الا انها تتحول ايضا في لحظات انكسار او حنين الى لحظة انسية غارقة بالنداء والاعتراف.

رواية (غرام براغماتي) هي لعبة غوص استعاري تضعه عالية ممدوح بمستوى الانصات الى صوت الذات الخفي الغاطس كثيرا في المسكوت عنه، العالق باحباطات ابطال يتمثلون الذاكرة العراقية عبر فجائع المنفى، اذ لا يلوذون الاّ بالحب واسرار العلاقات الحسية، تلك التي تقترح لهم متخيلات سردية غير مصممة على قياس معين، او غاطسة في عالم مهزوز بالتذكر الذي لا تستحضر كينونته الاّ عبر الجسد، باعتباره الحاضر، وباعتباره النص التعويضي الذي تسكنه تلك المتخيلات السردية ليكون هو المجال الوحيد المفتوح على تلمس ما هو عميق في العلاقات الانسية، والرغبة في تركيبها على وفق ما يجعله جزءا من حياة مشوبة بالقلق والخذلان احيانا، يعيش ابطالها استلابهم الوجودي والانساني في الداخل وفي المنافي، وينزعون الى الاستعانة بشهوة اللغة التي تصطنع لهم الكثير من براغماتيات الغرام والتعويض واللذة.. جريدة العالم.
 
2011-05-18