غرام عالية ممدوح البراغماتي حب مضروب بالقنابل

قراءة: زهير الهيتي
جديد رواية الكاتبة العراقية عالية ممدوح هو فرادة لغتها وفكرتها علي الادب العربي، فهي ككاتبة تؤسس منذ سنين لاعمال روائية خاصة تحمل بصمتها المميزة جدا.. ونجدها دائما مصرة علي الوصول الي قاع المشاعر وابراز جمالياتها او قبحها! بدون زيف او مبالغة، فكلمات مثل الحب او الصداقة او الكره او الغرام لا تصلح الا ان تكون مجردة من كل الاقنعة، لهذا نراها مهمومة في حك كل الترسبات المتراكمة علي هذه المعاني لابراز وجهها الحقيقي كنحات بارع.

عالية ممدوح هجرت بغداد نحو العديد من مدن المنفي الي حين استقرارها النهائي في باريس منذ زمن بعيد وبالتحديد منذ ان بدأت دوامات العنف تزداد جنونا في هذا البلد..في هذه المدينة..لكنها وكاغلب المنفيين لم تستطع ان تهرب من ترددات ذاك العنف المجاني الذي ضرب ولازال يضرب بلدها ومدينتها التي تحب ويزلزل ناسها حيثما كانوا!..وبرغم المسافة الزمنية الكبيرة التي تفصلها عن بغداد، لكنها تبقي حاضرة بصورة مدهشة كما يرويها لنا بطلا العمل (راوية وبحر)..وعلي الرغم من انهما يحملان في عروقهما جينات اخري فراوية هي نصف عراقية نصف فرنسية وهو نصف عراقي نصف بريطاني، الا ان الجانب العراقي هو الاكثر طغيانا والاعلي صوتا والاكثر استمتاعا بلعبة العنف الافتراضية التي اوقعتهما فيها الكاتبة.
العراق في عملها هو الحاضر الغائب، البعيد لكن المؤثر..لم تشأ ان تدخلنا في اشكالية وجود هذا البلد والخوض في تفاصيله المؤلمة، لكنها ابقت عليه كخلفية لا يمكن تجاهلها ابدا، حتي لو ارادت هي!..فراوية وبحر مثل الدوائر الجهنمية، كلما تقدم بهما العمر، كلما اقتربا اكثر من الاصل، ذاك البلد البعيد الغارق بالعنف بمزاج مازوخي هائل!
غرام براغماتي هو غرام افتراضي، جديد، لكنه ممكن..السنا في الحقيقة نعيش في عوالم افتراضية جاء بها الينا عصر العولمة والانترنيت والهواتف النقالة....الخ!
تبدا ب (الينا)..كلمة الاهداء التي تقذفها بوجوهنا في صفحة كبيرة بيضاء فيها هذه الكلمة الوحيدة..! مدوية ومؤثرة، ان لم اقل صادمة..فمن هم هؤلاء ال (الينا)؟..بطلا العمل، راوية وبحر، ام هي اوسع واشمل واكثر كثافة لتتمدد حتي تشمل القارئ وكل ابناء الوطن المسحوق، ام هم المنفيون، فاقدي الهوية..ام كل الحالمين بغرام براغماتي!..يبقي كل ذلك سرا فعالية ممدوح لم تعتد ان تفكك كل الغازها امامنا..بل هي تلجأ احيانا الي رسم شخصية درامية نستمتع بوجودها في العمل، لكنها في الحقيقة رسائل مشفرة الي اشخاص تعرفهم جيدا !
تسلط عالية ممدوح الضوء اولا علي امرأة مشوشة تقترب بسرعة ضوئية من اعتاب الكبر..روتين حياتها الذي يلامس الضجر والحيرة، احلام خائفة لم تعد تملك القدرة علي تقرير المصير، وربما..لم يعد بالامكان تحقيقها، فهي ببساطة مرعبة..احلام اصبحت متاخرة!..تقول راوية بعد ان فقدت عادتها الشهرية.. (حين دخلت انا واعضائي في مرتبة الافول ص 22)..عند المرأة يعتبر هذا الاكتشاف كبيرا وموجعا، ففقدان العادة الشهرية يعتبر انذارا مبكرا لتحول المرأة الي متحف!..نهاية افتراضية كونها قبل هذا الاكتشاف كانت فاعلة ومؤثرة بل ومنتجة! من جانب آخر هناك الحرية التي تنعدم فيها فكرة الانجاب غير المخطط له..لكنها حرية منقوصة مصحوبة بالياس واليباب!
بطلة العمل (راوية) هي منشدة تعيش في باريس، لم تشأ الكاتبة ان تمنحها لقب المغنية، فالانشاد هو غير الغناء الاكثر مرحا وغنجا وتواصلا مباشرا مع الجمهور بالصوت والمظهر والجسد، في حين ان الانشاد يحتوي علي بعد ديني، حزن، ترانيم صوفية، يكون فيه الصوت هو الرابط الحقيق مع الجمهور. تتعرف راوية علي بحر المهندس المعماري والمتحدر من اسرة ارستقراطية وهاوي التصوير الفوتوغرافي..متعالي يشعر بالامان لامتداد جذوره الي بيئة مستقرة، لكن نصفه العراقي يدفع به بجنون نحو راوية المنشدة المقيمة في باريس والتي يستجيب نصفها العراقي لجاذبية نصفه العراقي، فتحدث بينهما هذه العلاقة الغريبة او اللعوب..بحر لا يستقر علي حب امرأة فيقول.. (كنت انام مع معظمهما واشعر باني رجل مستورد من الشرق، عنواني مؤقت، حقيقتي مزركشة.كلا لم احس يوما بالدونية، لكنني لم اتمتع يوما بالوصول الي المرتبة الاولي.ص 49)..تنشئ بين الاثنين علاقة هي اشبه بمعجزة صغيرة كلاهما لا يملك القدرة علي تحمل مسؤوليتها لوحده..علاقة تحمل منذ بدئها طعم الفقدان المر علي ما فيها من حلاوة!
يتفقان علي تبادل الشفرات، هو يضع صوته علي شريط تسجيل هاتفها الذي لا ترفعه وهو علي كتاب مذكراته..رسائل مشفرة تحمل الكثير من البوح، وما بين السطور يقرأ اكثر بكثير مما هو مكتوب او مسجل..بين رجل وامرأة..اعترافات جوانية تقترب من التحليل النفسي، واستطاعت الكاتبة ان تغوص ببراعة وبدون ان تفقد البوصلة في هذه اللعبة الروائية الي اعماق بطلي العمل، والتي هي صدي لاعماقنا نحن!..فالحدث هنا جانبي، ومن نهاية الحدث تبدأ الرواية مع جمالية السرد والاستبطان وتفصيص المشاعر. عمل نادر ينبش في المشاعر، يفككها، يعيد ترتيبها، يمنحها لونا وطعما اخرين علي ما اعتدنا ان نقرأه. لم تتحول العلاقة الغرامية بين راوية وبحر الي فعل جنسي يسقط بالعمل الروائي الي خانة الايروتك بل هي علاقة تدوينية اذا جاز لنا ان نسميها كذلك، افتراضية، فهي تكتفي بسماع صوته المتكرر الملحاح للقاءها وتستريح لهذه المسافة التي هي اشبه بشعرة معاوية. وفي وصف هذه اللعبة الافتراضية تقول.. (آه، هل كانت الخطة، خطتنا بالكتابة عنا محسوبة العواقب، لجأنا اليها، انا التي اقترحتها في معرض اللعب والتهريج، لكن ذلك كان يصب في المصلحة، مصلحتنا معا..لم لا؟.ص 188)..وهو بالانصات الي خطوات الغرام الذي حاصره من كل جانب.. احيانا نصنع لعبة من المشاعر ونتورط بها، لكن من غير المؤكد ابدا من ينهي هذه اللعبة او متي او كيف!
استطاعت الكاتبة ان تتوحد مع شخصية بحر بشكل رائع، ان تنقل الينا مشاعره واحلامه ورغباته حتي تنسينا بانها انثي قابعة في اعماق رجل!..فعالية ممدوح كانت تنتقل ما بين الرجل والمرأة بسرعة مارثونية تقطع الانفاس، لكنها لم تفقد السيطرة ابدا..ولكي لا تدعنا نغوص في الرومانسية، تختار لنا الكاتبة بعض الكلمات التي هي اقرب الي العامية الصادمة الاقرب الي واقعنا الذي نحاول ان نهرب منه الي الكلام المنمق المخادع!
لماذ الغرام؟..هل لانه المخرج الوحيد من رتابة الحياة ومللها..لماذا لم يكن النجاح او الايمان او حتي الموت!..لماذا الغرام؟..ان هذا السؤال لا يمكن ان يجيب عليه سوي من جرب لوعات الغرام وعاش افراحه واتراحه..الغرام في هذا العمل قيمة يجب الاحتفاء بها، قيمة يمكن ان تكون الطريق الي الخلاص..لقد اعاد هذا العمل الاعتبار للغرام، اعاد اكتشافه بعد ان كبرت الفوضي في حياتنا..فهل يكون الغرام (خارطة طريق) نحو الخلاص!
مازق آخر تضع الكاتبة اصبعها عليه وتضغط..انه مازق الهوية الذي نعيشه منذ بدايات القرن المنصرم..من نحن؟
فاختيارها لبطلي روايتها (نصف عراقي ونصف اجنبي) لم يكن اعتباطيا بل هو تاكيد علي ضياع الهوية، والسؤال المهم الذي تطرحه علينا مواربة..لماذا ينجذب راوية وبحر الي نصفهما العراقي ولا يبدوان مستقران في النصف الاجنبي الذي من المفروض انه يسهل عليهما الاقامة الحياة في باريس وبرايتون!..لماذا هذا الحنين الميلانكولي الجارف نحو نصف عاصف، غامض، بعيد وموجع!..فبعد الهجرة، التي نعتقد بانها الخلاص، ياتي فقدان الهوية ومساحة كبيرة من الخراب بين نقطتين لا تلتلقيان، فما احلي من ان نخزن الذكريات، ارقام الهواتف، واشياء كثيرة اخري تربطنا بحدث او واقعة او مرحلة معينة، كنا نعتقدها سعيدة او حزينة، لتزيد عليه راوية صوت حبيبها بحر..فعندما تقوم راوية بترتيب دولاب ملابسها، تقوم في الحقيقة باعادة ترتيب ذكرياتها، نفض غبار الزمن عنها تعيدها ولو لحظيا الي الحياة، فنحن نقوم بشراء وجمع وتكديس الاشياء والملابس والكتب والاسطوانات لنتسلح بها ضد الزمن القادم، لنحفظ الذكريات عبرها، والتي هي في النهاية حياتنا ومن خلالها نكتب سيرتنا بين سطور الزمن بوعي او بدونه..سيان!
تقول راوية.. (فاشم تلك الرائحة المذهلة، رائحة الليمون الحامض والنارنج المر، فاستطيع ضخ دموعي وهي تسيل، نصفها علي الرقبة وبعضها علي الصدر، تحصل كثيرا هذ الامور يا بحر لكنني اضعها في المراتب الدنيا، فاعاود لثمها وشمها، الرائحة تلك علي بعد الف مليون ميل، الذخيرة الباقية القابعة خلف الحواس جميعا لا تحفظ في قنينة او حقيبة. ص 15).. علاقة مبهمة ، كالتي ولدت بين راوية وبحر، لا يمكن ان تنتهي نهاية سعيدة كما في الافلام الرومانسية الرخيصة..كان لا بد لها ان تترك اثرا من الاسي في نفس المتلقي.. ان تلقيه في نفس الحيرة التي ابتدأت بها وبنفس القدرة من الالتباس..اسي يترك وراءه خيطا من الحزن الدافئ، حسرة، برهة تامل عميقة.. راوية اختارت ان تنشد الي النهاية او تندب، هو اختار العودة المنكسرة الي حضن الصمت!
عالية ممدوح انحازت للعمق الشديد، لتدخل نفسها والقارئ في امتحان صعب مع مشاعره التي يخشي الافصاح عنها، ولتجعلنا ننظر بدهشة لما يعتمل في اعماقنا!.