رواية منتصف العمر، والوقت الضائع

صلاح حسن
تعالج عالية ممدوح في «غرام براغماتي» مشكلة متوسط العمر بنوع من الاعتراف ونقد الذات، عبر إحصاء الخيبات والنبش في الأخطاء الصغيرة والكبيرة. كأنها تريد من «راوية» بطلة الرواية، وأيضاً من «بحر» البطل الآخر، أن يتطهرا من تلك الذنوب التي ارتكباها بعد هذا المشوار من عمر يوشك على الجفاف. تبدأ الحكاية عندما تكتشف راوية صدعاً صغيراً في أحد جدران المنزل، سيقودها إلى اكتشاف التصدعات الأخرى المنسية.

وهي معالجة رمزية لتصدع الذات واكتشاف التصدعات المدفونة في اللاوعي. بينما تقرر فيها راوية تصليح المنزل، تكون قد التقت ببحر ونشأت بينهما علاقة مشوشة لن يكتب لها النجاح. يمكننا هنا أن نربط بين عملية تصليح المنزل، ونشوء العلاقة الغرامية في محاولة لترميم الذات عبر ترميم المنزل.
لغة شعرية متوترة، ومعالجة رمزية لتصدّع الذات نتعرف إلى بطلي الرواية من خلال الخطابات التي يتبادلانها، وهما يرويان تاريخ حياتهما بطريقة عابثة ومنهكة، لا تخلو من ضجر وملل هو ملل الشخصيات نفسها بعد بلوغ منتصف العمر. لكن المرأة «راوية» لا تقف عند الروي وحده، بل تتجاوزه إلى نقد ذاتي مدمر تبدأه من طفولتها التي لا تخلو من تعاسة. «بحر» الرجل يكتفي بذكر خصاله السيئة الكثيرة، ولا يفصح بسهولة عن حبه. المفارقة أن الكاتبة تحمّل الشخصية النسائية أعباءً لا طاقة لها عليها، بينما يبقى الرجل متخففاً من كل شيء، عدا الضجر البورجوازي الذي يشعر به طوال الوقت.
راوية وبحر شخصيتان نكوصيتان، راوية نصف فرنسية ونصف عراقية، وبحر نصف ألماني ونصف عراقي. يعني ذلك أنّ المزاج العراقي حاضر بقوة في هاتين الشخصيتين. إلامَ يقودنا ذلك إن لم يقدنا إلى العراق وما حصل فيه طوال السنوات الأربعين الماضية؟ لا تذكر الكاتبة أي شيء عن المأساة العراقية باستثناء بعض التلميحات القليلة. لكننا نعرف أنّها تشير إلى ذلك المكان الذي بدأ يتحطم باكراً، وإلى تلك الهوية التي بدأت تتمزق بسبب عدم الانتماء إلى أي من هاتين الثقافتين سواء من جانب راوية أو من جانب بحر.
تنتمي الشخصيتان إلى جيل عراقي تغرب وطالت غربته، بسبب الديكتاتورية البغيضة، ولم تنته هذه الغربة حتى بعد زوال الديكتاتورية بسبب الاحتلال. لا تبدو القضية هنا مسألة غياب، بل فقْد تتعدد مصادره بتعدد مصائر الشخصيات، وأماكن وجودها، وطريقة عيشها.
موضوع الرواية والطريقة التي كتبت بها ليسا جديدين، لكن المعالجة الرمزية واللغة الشعرية السلسة والمتوترة أحياناً، أنقذت الرواية من التكرار. الشيء الآخر الذي لا يقل أهمية عن كل هذه التفاصيل، هو طريقة الاعتراف التي استخدمتها الكاتبة في الإمساك بتلابيب القارئ، إذ بدت كما لو أنها تكشف أسراراً يحب أي شخص معرفتها.