غرام برغماتي

فوزية شويش السالم
September 2011

 رواية غرام برغماتي للصديقة العزيزة عالية ممدوح هي أكثر من رواية، فهي في رأيي قاموس للعشاق والمحبين الملوعين والمكتوين بنار العشق والولع والشغف الناطف من كل شقوق وثقوب البدن المتلهب والمتلهف للقاء مترجى من حبيب، وفي الواقع هي قاموس للعشاق الناضجين في العمر الذين يخافون من كهولة متربصة، زاحفة، تخاتل الوقت لتنقض على حب ربما يكون عمره قصيرا، وعلى الأرجح كما تقول المؤلفة إنك الأخير، آخر رجل أغرم به، لذا نجد أن المشاعر هنا ناضجة، واعية واضحة ومدركة لكل أحابيل وأسرار خفايا الغرام

وألاعيبه، ففي هذا العمر يكون المرء قد مر بتجارب عديدة اكتسب منها الصلابة والفطنة القادرة على أن تدير علاقة الحب كيفما يراد منها، فهناك استراتيجية لدى الطرفين اللاعبين في شطرنج المناورة والكر والفر والانتباه الكامل المتربص بمخططات الطرف الآخر وألاعيبه، فالحب في هذا العمر فيه ذكاء وفطنة وطول بال وآهة غير مميتة، فالخوف من التورط والأذى وارد ومحسوب ومرصود، فهو حب يخلو من الاندفاع الشديد وذلك للمحافظة على ما تبقى من طاقة القلب والبدن.
من يريد أن يتعلم مخططات المحبين وأسرارهم وما يدور في دواخلهم من تفسير وتحليل وتعليل كل كلمة، وكل حركة وكل اقتراب وابتعاد ورسم وتدبير، وشكوك وغيرة، وكل علل المحبين سيجدها في هذا القاموس.
فهذه الرواية هي بحث في أعماق النفس البشرية، وفضح لكل المشاعر الداخلية، «ستربتيز» لكل ما هو مطمور في الأعماق السرية يتعرى قطعة وراء قطعة.
تعرٍّ كامل لكل ما يعتمل في النفس تجاه الحبيب وعلاقة الحب معه وتقشيرها على الآخر، من بدايتها وتطورها وأحاسيس العاشقين فيها وحتى نهايتها.
الرواية هي علاقة حب بين مصور فوتوغرافي من أب عراقي وأم ألمانية يعيش بين مدينة برايتون حيث يرقد في مصحتها النفسية والده، ومدينة بازل حيث توجد فيها أمه، وما بين منشدة عراقية مقيمة في باريس.
الحكاية كلها تشرح طبيعة هذه العلاقة الدائرة في ما بينهما والتي ينطوي فيها ذاكرة الأهل والوطن الغائر في بعده، والأمكنة والملابس والرائحة، وسيرة العشاق السابقين والمنسيين بشكل مضحك في الدواليب.
إنها سيرة حياة مسجلة كيوميات في مذكرات متبادلة حملت وعيا رائعا بكل التفاصيل والجزئيات الحياتية الهامشية التي تسقط من وعي الآخرين لعاديتها، لكنها لا تستطيع الهروب من شبكة وعي الأديب الماهر الذي يصطادها في شكل سردي جميل منثال في تقاطعات السيرة الذاتية، مع ثقافة الكاتبة ووعيها الكامل باللعب الفني والأدبي الذي مكنها من تشكيل مشاهد النص وأحداثه ولغته ومن ثمة «شربكته» في نسيج روائي رائع.
الرواية من الروايات التي تكشف عن عوالم المهاجرين والمغتربين المقيمين في الدول لأجنبية، لذا نجد الكتابة فيها تنتمي إلى عوالم مهجنة مختلفة في طبيعة أحداثها، فهي مختلطة ولها هموم وأجواء مختلفة عن الروايات العربية المكتوبة في بلادها.
والظريف في الرواية هو النظرة الساخرة تجاه الأحداث مثل حين قامت المنشدة بأعمال تجديد وصيانة لشقتها لاستقبال الحبيب القادم لزيارتها، وبما أني أعرف هذه الشقة «الكشتبان» فقد جعلتني أعيش معها كل تفاصيل الصباغة والتعديلات والتجديدات فيها بشكل ساخر مضحك، وهذه هي طبيعة عالية وقدرتها على الكتابة بهذه الطريقة الساخرة المضحكة.
نضج الكاتب الفني وعمق فلسفته ورؤيته المتأملة للأمور هي التي تمنح النص القيمة والمستوى الكتابي المطلوب، وهذه إضافة ضرورية ومهمة إلى الموهبة التي هي المطلوبة في الأساس، فالموهبة من دون عمق ورؤية خاصة متفردة بذاتها لا تمنح كتابة ذات مستوى وجودة عالية وحقيقية.
وأخيرا هذه رواية للناضجين فهي تطرح قضايا وهموم وتجارب خريف العمر في سرد أحيانا يشوبه التطويل، لكنه محتاج إلى قارئ يفهم هذه النوعية من التفاصيل بالرغم من أن عالية بطبيعتها بخيلة في الكلام الذي يبدو أنها توفره جميعه في حصالة الرواية، وويلي من أين يأتي كل هذا الكلام، هذا السرد المنهمر بتفاصيل التفاصيل التي لا تنتهي؟
وتبقى عالية من الروائيات العربيات المتميزات، فهي متمكنة من لغتها التي هي لغة مميزة يستطيع القارئ أن يكتشفها من بين عشرات الكتابات العربية.