خالد الناصري: تكلمت بالقتلى بدل الكلمات عن المأساة السورية

ديوان "صدّقت كل شيء" أكثر ارتباطاً بحياتي... وفيلم "أنا مع العروسة" توثيق لهجرات اللاجئين


القاهرة – آية ياسر:
مثقل بهموم وقضايا الأمة العربية حتى النخاع، لاسيما القضية الفلسطينية والمأساة السورية التي عاصرها بنفسه وعاش أحداثها، كما تلقي تنقلاته الكثيرة بين الدول وغربته عن وطنه، بظلالها على أشعاره، وتحضر الحرب وقضايا الهجرة كثيمة محورية في أعماله.

صدر له حديثاً مجموعته الشعرية الثانية “بلاد الثلاثاء” بعد 11 عامًا على صدور مجموعته الأولى “صدّقت كل شيء”، كما أخرج أفلاما وثائقية قصيرة منها، “أنا مع العروسة” الحائز أكثر من 130 جائزة دولية، ومنحه رئيس بلدية “باليرمو” الجنسية الإيطالية الفخرية في العام 2015.
حول مشواره الأدبي وإبداعاته الشعرية، وأفلامه التي أخرجها، أكد الشاعر والمخرج الفلسطيني السوري خالد الناصري في لقاء مع “السياسة” أن مأساة الحرب في سورية أشعرتنيي بالعجز فلم أجد لغة في العالم يمكنها أن توازي ما حدث، فذهبت للتقطيع والمونتاج وتكلمت بالقتلى بدل الكلمات، لافتا إلى أن مجموعته “يوم الثلاثاء” مرتبطة بذكريات مؤلمة في حياته لاسيما الحرب، وفيما يلي التفاصيل:
كيف تنظر إلى حياتك في سورية؟
أنا فلسطيني لكنني ابن سورية أيضا، ولدت هناك وكبرت فيها لاجئا، كان لدينا الكثير من الوقت لنحملق في تفاصيل سورية تماماً مثل الذي ينظر إلى عشبة تنمو على الجدار دون أن يحيد نظره عنها ولو للحظة واحدة، ينظر وينظر والوقت يمر بطيئا، حين تكون العشبة نمت فالحقيقة أن الرجل لم ير حركة نمو العشبة “الحركة التي يمكن أن تقدمها لنا كاميرا فيديو بتسريع الصور”، هو لم يرها هكذا أبداً.
كيف قدّمت الفاجعة السورية بعيون فلسطينية في مجموعتك الشعرية “بلاد الثلاثاء”؟
بعد مرور وقت حين يعلم أن أحدهم اقتلع العشبة سيفجع لذلك وحين يتذكرها ستخرج عليه من الذاكرة كما لو أنها في فيديو، ستنبثق من اللاشيء وبسرعة مثل طعنة سكين في الهواء سرعان ما تصيب القلب، بالطريقة نفسها كنا في سورية نتأمل الفاجعة تنمو إلى أن طعنتنا بغتة في القلب.
ولأنني فلسطيني أؤكد أن لدينا خبرة أطول في تأمل الفاجعة، بل نحن حتى نجيد فن تأمل الفاجعة، مما يجعلني أبرر وقوف فلسطينيين كثيرين في صف القاتل، إذ إن تأمل الفاجعة يصيب البصيرة بالعمى، ويفقأ عيونها.
لماذا بدت المجموعة الشعرية أقرب إلى التراجيدية أو الوثائقية؟
المشكلة فيما حدث في سورية، ثم عندي، أنه إذا أردت أن اكتب عن حدث تراجيدي ما، فعلي كشاعر أن اكتب ما هو أكثر تراجيدية من الحدث نفسه، وإذا عجزت عن ذلك فهذا يعني الفشل.
ما شعورك بما حدث في سورية؟
أشعرني بالعجز ولوقت طويل لم أتمكن من كتابة ذلك النص عنها فلجأت إلى كتابة مشاهدات تصويرية وتوثيقية ومشاهد متخيلة، وجدت نفسي أثناء كتابة أية مشاهدة أمام سكين تنبثق من الفراغ وتطعني، هكذا اكتشفت اللعبة، فبدأت أكتب لكل مشاهدة سكينا، أقصد سيرة نمو طعنة السكين التي حركتها المشاهدة، ومع الوقت صار عندي مشاهدات كثيرة وسير طعنات كثيرة، حين اكتشفت أنه لا توجد لغة في العالم يمكنها أن توازي ما حدث في سورية ذهبت للتقطيع والمونتاج وتكلمت بالقتلى بدل الكلمات.
لماذا استخدمت ضمير الجماعة عند الحديث عن الذات والآخرين؟
لا يمكنني أن أكون فردا في حين أن ما يحدث، يحدث للجماعة، أنا أمقت كل شعر يذهب إلى الفردية في لحظة مثل اللحظة السورية، بحجة أن الشعر غير معني بالسياسة، وماذا فعلت السياسة في سورية سوى الحرب، وماذا فعلت الحرب، قتلت الناس جماعات وفرادى وشردتهم، أفقرتهم، وخربت أرواحهم، هل هذا سياسة أيضا؟
هل ترى العكس؟
إن تلك الحجة هي سياسة الشاعر الذي جبن وخاف، كيف يمكن لشاعر أن يشم وردة تفوح وحواليه قوية رائحة شواء الجلد البشري، جلد أخوته وأخواته، جلد أحد ما لابد أنه في يوم من الأيام وهو يمشي في سوق الحميدية كانت قد احتكت ذراعه بذراعه، كم مرة احتكت أذرعنا بأذرع الناس، وارتطمت أكتافنا بعضها ببعض، أين هم الآن، هل هي رائحة شواء جلدهم التي تفوح في سورية ؟.
ألهذا استخدمت الحرب ثيمة رئيسية ومحوراً للمجموعة؟
لأن الحرب حضرت كحقيقة في كل تفاصيل حياتنا، أما لماذا بنيت صورة استعارية لها، فلأن في الحرب تكثر الاستعارات بسبب طبيعتها القاتلة، فالحرب تكون بين طرفين، أحدهما يقتل الآخر، الاستعارة تشبيه يستند على حذف أحد طرفيه، المشبه والمشبه به، والحرب تقتل دائما أحد طرفي هذا التشبيه وتحوله إلى استعارة، الأم والشجرة، الأب والنهر، الأخ والصخرة، الأخت والحنية، الجار والنار، الشامي والدهاء، الحلبي والحربقة، الحمصي والضحك، الديري والكرم، العلوي والجبل، الدرزي والنخوة، الإسماعيلي والعود، المسيحي والانفتاحى، الكردي والعناد، إلى ما لا نهاية من هذه التشبيهات التي ستقتل الحرب أحد طرفيها وتتحول إلى استعارات لا تنتهي.

 

يوم الحرب
ما سبب تسمية المجموعة بـ”بلاد الثلاثاء”؟
يوم الثلاثاء هو يوم الحرب في الكثير من الثقافات والحضارات القديمة، مثلا، بالايطالية يوم الثلاثاء Martedi مشتقا من اسم إله الحرب في الديانة الرومانية Marte المعروف عربيا بمارس و في الإغريقية Hemera areos يوم إله الحرب أريوس، ومنه اشتق اسم يوم الثلاثاء في الكثير من اللغات الأخرى، بينما تذهب دراسات إلى أنها كلها تسميات مشتقة من اسم كوكب المريخ ذي اللون الأحمر الدموي، كما سمى العرب قديما يوم الثلاثاء بالجُبَار أي الفناء، أما على الصعيد الشخصي فقد ارتبط يوم الثلاثاء صدفة بالكثير من الأحداث المهمة في حياتي منها يوم مولدي ويوم مغادرتي سورية وانتبهت إلى أن أغلب نصوص المجموعة كتبت يوم الثلاثاء، في لحظة ما اكتشفت هذه الصدفة فسميت المجموعة بيوم الثلاثاء.
ماذا عن ديوانك الأول “صدّقت كل شيء”؟
كان أكثر ارتباطاَ بحياتي الاجتماعية، لنقل، الأب، العائلة، المدرسة، الدين، الحب، لكن حتى الآن لا أفهم لماذا كان فيه الكثير من الجثث، كان سوداوياً جداً، استخدمه الآن لأصبر نفسي في اللحظات الصعبة، أقرؤه وأقول لنفسي انظر يا خالد لهذا الشاعر المسكين أي حياة تعيسة كان يعيشها.
ما سبب انقطاعك عن نشر أعمالك لمدة 11 عاماً ؟
ربما لأنني مقل في الكتابة أساساً، لكنه أيضا من المؤكد أنه بسبب السنين التي عشتها بعد خروجي من سورية وانتقالي للعيش في إيطاليا، كان عليّ أن أهدم كل اليأس الذي تربى في داخلي لثلاثين سنة، جنباً لجنب، أن أبني علاقة جديدة مع المكان أو العالم الجديد الذي انتقلت له، ولكن أن تهدم وتبني في الوقت نفسه هو أمر منهك جدا، لاسيما حين تكون أداتي الوحيدة هي يداي.
كيف ترى واقع قصيدة النثر العربية في الوقت الراهن؟
بالنسبة لي، فإن التركيب “قصيدة نثر” ما هو إلا تسمية لأحد أشكال كتابة الشعر، الذي أراه يمر بأزمة كبيرة، عادة إذا كان الشعر مأزوماً فإن أشكال كتابته لابد أن تكون مأزومة أيضاً، أعتقد أن أكثر كتاب أدب العالم العربي هم من الشعراء.

تقاليد أدبية
ماذا عن تجربتك كناشر ومؤسس لدار نشر؟
بدأت تجربتي كناشر في إيطاليا، عام 2012 بتأسيس جمعية “منشورات المتوسط” للتبادل الثقافي بين إيطاليا والعالم العربي، في عام 2015 قررنا إطلاق مشروع جديد خاص بالجمعية، كانت أول تجربـــــة تأسيسنا لأول دار نشر غير هادفة للربح في الوطن العربي والشرق الأوسط.
ما مدى نجاحها؟
كانت تجربة ناجحة للغاية استمرت عامين، إذ شاركت دار النشر، في معرض الشارقة الدولي للكتاب، وحققت انتشاراً كبيراً، ولحسن الحظ فقد لاقت منشوراتها انتباها ممتازا بالأوساط الأدبية والثقافية في العالم العربي، استقطبت الكتاب الأهم بالوطن العربي وبعض أدباء العالم الغربي، لأنها نجحت في جعل النشر حالة قائمة بذاتها، لا أن يقتصر الأمر على دفع الكاتب للناشر لينشر له كتابه، بل فعلنا تقاليد أدبية وأخلاقية للنشر كادت أن تختفي تماماً.
هل نجحت في الاستمرار؟
كان من الصعب أن تستمر الدار في العمل كمؤسسة غير هادفة للربح؛ لذا اضطررنا في عام 2017 إلى تحويلها لمشروع تجاري، لكنها استمرت في عملها كدار نشر تنتهج السياسات نفسها.
ما أوجه التعاون بين الدار وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة؟
نتعاون مع مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية ومع وزارات الثقافة، أطلقنا ملتقى الترجمة، بالتعاون مع دار نشر إماراتية، صاحبة مؤسسة آفاق، لصاحبها “أحمد جاسم السويدي”،المسؤولة عن جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.
ماذا عن السلسلة الأدبية “الأدب أقوى” التي أطلقتها الدار؟
هذه السلسلة مرتبطة بتجربة شخصية حدثت معي، حين شاركت للمرة الأولى في معرض الكتاب بفلسطين، عام 2016، لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي منعت كتبنا من الدخول إلى جناحنا بالمعرض طول فترة إقامة المعرض المستمر لعشرة أيام، كاد حقنا في المشاركة يضيع بسبب تعنتهم البغيض، إذ سمح لنا بإدخال إصداراتنا فقط في آخر ساعتين بالمعرض.
كيف كان رد الفعل؟
شهدت الدار تضامنا من الجميع، حتى أن وزير الثقافة الفلسطيني قام بعمل المستحيل لحل مشكلتنا، كان اليأس تملكني حين اتصل بي الوزير وطلب مني المشاركة بالمعرض وإخراج الكتب من الصناديق ووضعها على الأرفف بجناحنا، ولو بشكل رمزي، وولكن عكس توقعاتنا بعنا نحو 70 في المئة من الكتب، خلال هاتين الساعتين, وتحول ما جرى معنا لقضية نضال وجدت تضامناً واسعاً، حتى إن وزارة الثقافة الفلسطينية أعفتنا من دفع تكاليف حجز الجناح.
ما موقفك من الأعمال الأدبية المقاومة لسلطات الاحتلال؟
تحولت واقعة منع سلطات الاحتلال لدخول كتبنا بالمعرض، إلى بوصلة لحياتي؛ فكرت فيما إذا كانت إسرائيل قادرة على منع دخول الكتب من الوطن العربي إلى فلسطين المحتلة؛ فإننا قادرون على طباعة الكتب داخل فلسطين, فأطلقنا سلسلة “الأدب أقوى… فلسطين تحاصركم”، ووجدنا موزع بالداخل ونجح المشروع بالتعاون مع دار نشر رقمية ووزارة الثقافة الفلسطينية.

تهريب المهاجرين
لماذا شاركت في إنتاج وإخراج الفيلم الوثائقي “أنا مع العروسة”؟
كان المشروع الثقافي قبل تأسيس دار النشر، إذ شاركت فيه بالفترة من عام 2012 إلى 2013، إي ذروة وصول اللاجئين الفلسطينيين والسوريين على وجه الخصوص، للسواحل الإيطالية، هرباً من الحرب والموت، وكنت أحد المتطوعين لمساعدة الأسر المهاجرة بشكل غير شرعي، تعرفت على أسرة من خمسة أشخاص سوريين كانوا بحاجة إلى الوصول إلى السويد، قمت أنا ومجموعة من الإيطاليين والسوريين بنوع من ممارسة العصيان المدني, إذ خالفنا القانون وساعدنا اللاجئين الخمسة غير الشرعيين، وهو أمر قد تصل عقوبته إلى السجن لمدة 15 سنة، اتفقنا على تصوير وتسجيل الأحداث والاعتراف بما فعلناه.
ما الجوائز التي فاز بها؟
نجح الفيلم، بتمويل جماعي؛ اذ تطلب إنتاجه نحو120 ألف يورو من التبرعات أو الدفع المقدم، دخل الفيلم في الذاكرة الأوروبية لأهميته، حصد 130جائزة، منها، حقوق الإنسان وقناة الجزيرة الوثائقية.
ما جديدك؟
في الوقت الراهن أبحث عن تمويل لفيلم وثائقي لي، يتناول علاقة العرب بالقضية الفلسطينية عبر خمس قصص اجتماعية، هو فيلم كورالي وكوميديا سوداء، تتناول نتائج “ثورات” الربيع العربي، قضايا الهجرة غير الشرعية، جماعات الإسلام السياسي المسلحة، لكن من ناحية اجتماعية وليس سياسية.

http://www.seyassah.com/