طــاعون العصر: سيرورة الكورونا.. صيرورة الإنسان !

بقلم إشراق كرونة

( من مُؤلّف جماعيّ صدر حديثا تحت إشراف « رشأ التونسي » بعنوان: العالم بعد كوفيد 19 : رؤى تونسيّة حول الكورونا )

هـل نصدّقُ بخار الخرافة المتصاعد على تخوم الحروف التي شهقت: لكل عصر طاعونُه؟

سننتبه منذ هذا الوباء فصاعدا إلى حروفِ العلّة أكثر. وسنحرص على أن تكون بدايات الأشياء فلسفة وأسماء لأنَّ الأفعال لا تأخذ في زمن الأوبئة إلاّ شكلا واحدا من الخشب المصقول بالعبادة المترجّلة.

كم مرّة سنحتاج إلى حرف استفهام لينفض عنّا غبش هذا الوضوح الجارح؟ الموت على عتبة الباطنِ!

لقد كسرت أوبئة سابقة صلصال الإنسان، ولكنّ طين البعث كان إنسانا مختلفا ووعيا مختلفا وحضارة مختلفة وأدبا مختلفا في كلّ مرّة. فما الذي يجعل الفخّار كلسا؟

يبدو أنّ هذا الزمن/ الوباء فصل جديد في لعبة الخفاء التي تحبكها سرديّات متناثرة في أجساد هويّة تعيد رسم سفوح المحسوس.

فهل يلزمنا حرف استفهام متوثّب دائما لكلمة عرفان محسوسة أمام خليّة فيروسية مجرّدة؟ نعم. لقد جعلنا هذا المجرّد الذي لا يُرى نَعي أنَّ للبراري مرادفات شتّى من بينها الإنسان. وصار ممكنا الآن أن نقول بثقة بعيدا عن مجاهر السلطة: إنّنا أحرار تماما في تصوّرنا لكوكب لم يسجد ليوسف وأن أمصارا أخرى ستفحّ فراعين لا تشقّها عصا.

وأعادنا.. أعادنا هذا الفيروس الصغير إلى مرآة النرجس لندرك أن خلايا جديدة قد نفخت في مرايا التكوين حدودا للجسد لم نألفها. لقد سقطت عنّا أمارات النبوءة فلم نعد سوى مساحات تطبع على ورق سقط الثمر عنه في رسم هندسي، مساحات وجدت لتعبر كتفصيل بليد في كتاب تاريخ، لا إله لنا ولا مقدّس يقينا من أسئلة تحرقنا ولا تبعثنا.

تجرّني شهيّة رشأ في الكتابةِ عن عالم ما بعد الكورونا إلى سؤال الكتابةِ عن تصوّرها لمضمونها بعد الكورونا. فقد قضمت أوراق كثيرة حول أثر الوباء على كلّ شيء فاستنفذت أنانيّة البقاء لغات عديدة بحّت من الصراخ المرّ. أمّا هذه الورقة فثغاء ترسله اللغة إلى اللغة. فمن نِعم الوباء علينا أنَّ اللغاتِ تواسي بعضها البعض ومن نعمه أن الإنسان انتبه إلى أنّ اللغة فطرت على المرض.

كيف يُتَصَوَّرُ عالم بلغة منهكة؟ وهل خطر لحظة للمخابر على ضروبها الكثيرة أنّه لولا اللغة لما تفجّرت نبوءة ولمّا انتبهت الأشياء للأشياء ولهذا اللامرئي الصغير الذي جاء يعبث بحتميّة الاطمئنانِ إلى قصور الاحتمال؟

آن هنا والآن للغة أن تنذر بياضها إلى نشجيها في زمن تكالب عليها وعلى معجمها المصطلح الوافد والمرض الحاقد والإنسان الجاحد. إنّ اللغة تعيدنا إلى أصلنا: خلايا نحن كنبتة بريّة ألفت العطش وكحيوانٍ فرّ من وحي المدينة الفاضلة إنسانا ناطقا.

لماذا هذا الجزيء؟

لأنّني أكتب ولأنّني لا أتقن شيئا سواها– وقديما قيل لا ديَة ليد لا تكتب – ولأنَّ خلايا هذا الفيروس دعتني إلى ضرورة الانتباه إلى خلايا تسري داخلي اسمها خلايا الحروف.

مناعة اللغة.. صناعة الإنسان

يفِرّ الحرف من أمّه وأبيهِ. لن يبقى أيّ شيء على حاله. تُكَمُّ مخارج الحروف فلا تعضُّ ولا تأكلُ تجلّيها في صورة قديمة تُكمُّ فيها القوافل في دروب السراب القانطة. لا مهرب للغة من هذه الصاخة المحمومة. ولا أحد يميط عن الحرف الأسير داخل الحلق لثام أبوّة الخليل له. يسيل الكلّ من الكلِّ جريا لا يعرف صاحبه ولا بنيه. وتشنق اللغة فجيعتها على مدخل المشافي: أيّ انس يبكي دلالة الإنسانِ فيه بلغة أصابتها عدوى ناطقها ببكتيريا البقاء؟ كم كلمة وكم مصطلحا حقنت به اللغة في زمن ضيّق أجهز على معجمها كما تجهز آلة تنفّس صناعيّة على القلب الحيّ؟

لقد ولدت لغات عديدة من مخاض الأوبئة والحروب وأنشأت جيشا لمعانيها يحميها من قاموس الموت. فهل حصّنت اللغة العربيّة ثغورها من الحروف الدخيلة على صباحها؟

لم يكن لروما الفارابي ليجعل للحروف كتابا[1].

جبلت اللغة على الحذر. إنّها تخشى العلو الشاهق في كل شيء: في المجاز وفي الاستعارة وفي علم البديع ولذا جعلت الضدّ ندًّا لترجمتها وجعلت الحرف مصدرا لتجددّها. ولا تخشى العلّو إلاّ لأنّها تخاف أن يكون النهاية. فتحمّله نذورا لئلا تجّف الأحرف وتندى. ولذا كذلك، روضّت اللغة الإنسان على قبول فكرة مرضها وحاجتها إلى تشبيب وتجديد وجعلته يقبل – مكرها- فكرة موتها أحيانا.

غير أنَّ اللغة لا تكتسب مناعتها من أضدادها وحسب، إنّـها تُروّضُ نظامها على فكرة المرض. وتمضي في عملية تلاقح دؤوبة مع البكتيريا الحميدة التي من شأنها أن تطّورها وتطّور تبعا لذلك منجزها اللغوي.

وإنّ مناعة اللغة تكمن في وعيها بالزمن الموازي الذي جئنا فيه. زمن فطمنا على مساواة فطرية في استعدادنا لمقارعة موت يقتلنا في الدرجة الصفر لحما ومجازا ولغة. يحرقنا ليبعث من جديد أشدّ فتكا متربصّا بالغد وبحريّة الفردِ في الموتِ بعيدا عن أجهزةِ التكنولوجيا الحديثة التي تراقب جنينا لم يصل بعد وتعاقب كهلا صدّق شيطان الشعر.

نعم. لقد دربّت اللغة العربيّة خلايا حروفها على المرض. فأفردت في لسانها العربيّ[2] تعريفا لملفوظ الوباء الذي يعني فيما يعني أنّه يلفظ أنفاس الإنس والجنّ على حدّ السواء وجعلت نظامها اللغوّي قابلا كل صورة للفعل والاسم معا بعيدا عن مزايدات النحاة حول أفضلية أحدهما على الأخر، فلا وقت في حروب الأوبئة للمفاضلات وللموازنات. تخضع أفعالها كما أسماؤها إلى الانتخاب الطبيعيّ، فواحد معتّل في فائه وآخر في عينه وواحد شنفرى لامه للعرب على علّتها! وحروف ثلاثة تصرخ بالعللِ أنّ ترحل عن المللِ! وأسماء منقوصة تعزّي صندوقا من النحو على خسارة متمّم فتك به وباء شبه إسنادي لا يعمل ولا يعرّف ولا يصرف ولكنّه ينوّنّ رويّ خنساء كُمِّمَت فكُلِمَت. وأفعال صحيحة تمنح الحمام حريّة الهديل على أسوار المقابر. تتهيّب اللغة الوباء وتتهيّأ فتحمّل دلالة اللفظ معنى الحذرتلك فتنة البديع الذي يجعل الهروب لزجا وطازجا من كلم إلى كلمٍ.

عدد ومعدود.. هذه آية الموت، كرّ وفرّ بين لغة من دم ودم من لغة في لحظة لم تختر فيها اللغة ناطقيها قربانا.

ليست النواسخ وحدها من تضرب على القلوب أفعالا. تلك مناعة القطيع اللغويّ التي تفرّ من أحاسيسها إلى أفعال الشروع في بناء سماء نقيّة من شوائب الغياب المغيّم على ملهاة الشعر فتستنبط كتابة ترحل بالمعاني من السمع إلى الفكر.

لقد خاض الإنسان العربيّ حروبا كثيرة للدفاعِ عن لغته فكان التمدّن أوّل الأوبئة: آفة دفعت الفصاحة الفطرية إلى جمعِ الألفاظِ من سكّانِ البراري [3]. ثمّ خيّم الإغراب اللفظيّ على فتح الطائيّ فصاح حنينه إلى أوّل منزلِ!

وحلّ المصنوع والمطبوع ضيفيْن على عيار[4] النقد وعمده[5]. إنّ مناعة اللغة مطبوع شُقّ من ضلعها إنسان مصنوع. ليست المناعة مناعة في أصلها، إنّها تجديد في المنجز اللغوي وإدراك لضرورة تشبيب هذا المنجز وتفعيله وهو كذلك تجديد في العقل البشري. ألم يقل أهل التقليد إنّ العقل آلة النظر؟

وإنَّ النظر مناعة اللغة التي تفخر بمنجزها فيها.

لعبة الظروف: قبلٌ وبعدٌ

لا تعود اللغة إلى نصابها. لن يعود الإنسان إلى إنسانيته بالمعنى المألوف. لن يعود مألوف ولن يضحك مأسور ولن تبكي طليقة. سنحتاج إلى نقاهة لغويّة نضخ بعدها شعريّة لم تطعّمها تفاحة حوّاء لغز الخطيئة. وسنحتاج إلى متخيّل شعري قادر على ترجمة الحجر الذي فرض على اللغاتِ قاطبة ثلاثة أشهر. هل وعينا أنّ لغاتنا حبست معنا في جحورنا وأوصدت أمامها أبواب السفر والحقّ في التقاط سرديّات اليوميّ؟

لن تحيل « لن » بالضرورة على الزمخشري ولن تكون حركة الغجر صورة عن القلق أو الرقص أو الهجرة الوعرة. ولن تفيد صورة النحيب على أندلس بكاه عبد الله كالنساء لأنّه لم يحفظه كالرجال![6]

هاهنا تكمن مناعة اللغة وسيرورتها. يستمر عوّاء الفجر. يمضي الإنسان لغة في خطّ متوازٍ مع الوباء: واحد يسير وآخر يصير.

إنّنا بحاجة إلى الاعتراف إلى حاجتنا إلى نبيّ يصعد وحيه من الأرض ولا ينزل. نبيّ يبشّر بقيامة لغة جديدة ستصمد بعد هذا الصمت الطويل الذي لم يقطعه سوى تصفيق الناجين المؤقتين من حرب الكلب الثانية[7] حيث الكلمات تطير في هواء منتهك ووهج أقلّ يصعب التقاط النفس فيه.

هل سبقنا إبراهيم الروائي إلى الظفر بقارئة تستشرف المستقبل الملوّث فأثنينا طويلا على خياله الأخّاذ دون أن ننتبه إلى أنّنا نحن شخوص الزمن القادم التي قرأنها في أمس ليس بعيد؟

للغة أمراضها وعلّلها وحقّها الشرعيّ في السقوط من هوّة تشبيه مرسل إلى سرديّة جسد مريض. وللهويّةحقّ علينا في إعفاء فلسفتها من الانتماء إلى مقابر البشر. ستمضي اللغة إلى ولادة جديدة قد تأخذ أميالا زمنيّة وسرديّة قبل أن ترى النور. نور لن يشبه معجزة صبيّ في المهد. إنّه النور الصاعد من وحشيّة الإنسان المصروع على حرفِ اللغة. الإنسان الذي فتك بلغته وبجماليّات الإنشاء وقطف لبطون أمواله الجشعة رؤوسا لم تونع. لن تنسى البشرية جمعاء مشهد القوافل المرتبّة صفا صفّا في روما، مشهد موت اللغة المرعب.

موت اللغة.. بداية صيرورة الحرف نحو الأمام.

والأمام لا يلتفت[8]

إشراق كرونة

باحثة بجامعة السّوربون / باريس

هوامش

[1]للفارابي كتاب عنوانه « كتاب الحروف »

[2]« وبأ المتاع » عبّأهُ وهَيّأَه

[3]أدونيس، الثابت والمتحوّل، جزء 03 ص. 146.

[4]ابن طباطبا

[5]ابن رشيق

[6]قيل إنّ والدة عبدالله الثاني عشر قالت لابنها بعد سقوط المدينة « ابك كالنساء ملكا لم تحفظه كالرجال »

[7]رواية إبراهيم نصرالله التي تنبأ فيها بمستقبل مجنون في زمن لن يعود الإنسان قادرا فيه على التمييز ما اذا كان الإنسان الذي يقف مقابله شبيهه أم قاتله، صدرت في 2018 وحاصلة على جائزة البوكر.

[8]ابن عربيّ

http://www.astrolabetv.net/ar/