عالية ممدوح تبعث أطياف الوطن من المهجر

صلاح فضل
عالية ممدوح إحدى رائدات الإبداع الأنثوى الفائق فى الرواية العربية المعاصرة، حيث تشكل مع إنعام كاجه جى ثنائياً يسجل من باريس طفرة حقيقية فى السرد العراقى توازى ما أحدثه البياتى وسعدى فى الشعر منذ عدة عقود من مهاجرهما أيضاً، ولأن النسق الإبداعى فى الخارج يختلف جذرياً عنه فى الداخل فإننا لا ندهش عندما نرى الطابع الغالب عليه لابد أن يكون طليعياً مجدداً، يبتكر تقنياته ويطور جمالياته، يعمل بطريقة مزودجة، ممن يعيش فى المنفى مجبراً أو باختياره، يتحدث بلسان ويفكر بلسان آخر، والتفكير فى الأدب يعنى التخييل والتصوير، فهو لا يحمل وطنه فى جواز سفره بل فى ثنايا قلبه وذبذبات مشاعره، ومن ثم فلا يستقر له يقين فى شىء، غريب منشق على ذاته، قد يتصالح فى الظاهر لكنه ممزق الباطن.
الشيزوفرينيا قدر محتوم عليه، يجعله أكثر ثراء فى فكره ووجدانه، أما كاتبتنا عالية ممدوح فقد استقرت فى مهجرها منذ عقود حتى نشرت مؤخراً روايتها التاسعة وهى فى السبعينيات من عمرها اختارت لها عنواناً عراقياً يلتبس على القارئ العربى هو «التانكى» اسم شارع شهير فى بغداد وبخاصة منذ تأسيس كلية بغداد فيه وإقامة عدد من كبار العائلات والمسؤولين فيه وقريباً منه على شاطئ دجلة، فهو حسب وصفها «كائن فى وسط حى الصليخ الجوانى.. اسمه وسكانه وقصوره وجنرالاته وموتاه وعاهراته.. وهو الشارع المؤدى للكلية النازل من الكورنيش، حيث نصادف دار حكمت سليمان رئيس الوزراء فى الثلاثينيات، وبيت رشيد عالى الكيلانى فى الجهة الجنوبية، وفيه سكن الفاذرية الذى صار سكنًا للراهبات، لكن أهم ما جرى فيه هو قيام الآباء اليسوعيين بتأسيس كلية بغداد فيه ابتغاء تطوير العراق بسرعة كبيرة وإنجاز ما قطعته أوروبا فى التقدم فى قرن كامل خلال عشر سنوات فحسب، تم أولاً استئجار بيت للكلية على الطراز العربى ثم أقيم صرح الكلية التى أصبحت كلية الفنون الجميلة، وهنا نلاحظ الدقة الشديدة التى يلتزم بها الرواة فى تحديد المواقع والتواريخ والأهداف بالرجوع إلى المصادر الطوبوغرافية حيث يصبح المكان أيقونة دالة، وبداية الزمان هى نقطة الانطلاق، لكننا لا نلبث أن نقع بعد ذلك فى لجة الإبهام واللبس، فالرواة يختلط علينا أمرهم بشدة مع أن أسماءهم يمكن أن تحضر فى عناوين الفصول، السطور السابقة مثلًا يحكيها من يسمى «الأستاذ صميم مجهول النسب» ولا يربطه بالرواية- مثل غيره- سوى علاقته بالحاضرة الغائبة فى معظم الحالات وهى المهاجرة عفاف، الجميع يتحدثون عنها دون أن يستطيع القارئ عقد شبكة علاقاتهم بها سوى فى نهاية المطاف، فاختلاط الرواة يمثل الإشكالية التجريبية الأولى فى الرواية مع تعددهم واختلاف منظورهم باستثناء بؤرة الجذب التى تشدهم جميعاً وهى «عفاف» المفقودة وطبيبها الفرنسى المعالج، يظل القارئ نتيجة لذلك مشتتاً مرتبكاً لا يعرف من الذى يروى ولا يقدر على تحديد الروابط والعلاقات، فيصبح ذلك من دلائل الحداثة التى يضيق بها البعض ويتمثلها آخرون باعتبارها أقنعة جديدة للراوى العليم الذى هجرته الرواية منذ زمن بعيد، فإذا أضيف إلى ذلك ما يحدث بعد نقطة البداية من مزج الأزمنة وتبادل الأمكنة تضاعف شعور القارئ غير المحترف بالضياع، ومع أن بوسعنا اعتبار هذا الملمح خاصية مائزة لرواية المهجر الجديدة فإن السمة الأبرز هى احتلال الماضى بأشباحه وأصدائه وشخوصه لذاكرة مبدعيه المشبعة دائماً بحدة الوعى بتفاصيله والحضور الدائم لملامحه، فكأنهم يسيرون إلى الخلف وينظرون عند الكتابة إلى الماضى فأعينهم تبدو وهى تنظر إلى ما حولها مشدودة إلى اتجاه آخر، فهل تجسد «عفاف» بخاصية الحول الذى تعانيه هذه النزعة بطريقة مادية مقصودة؟ أم أن علينا أن ننتظر معايشتها الحميمة فى الفصول الأخيرة من الرواية حتى ندرك رمزية حولها وتفسيره لمسيرة حياتها، لكن يظل الرواة الملتبسون يلاعبون القراء وهم يطلون عليهم من خلف الأقنعة، ويظل الزمن المعكوس بحركته اللولبية مع كل راوٍ منهم مصدراً آخر للإبهام، حتى تتعمد الكاتبة الإفلات من قبضة الرواة ومحاكمتهم قائلة مثلاً بعنوان «تقطيع»: «أنت الآن يا سيد صميم من يترجم سيرة تلك الآنسة، تدونها ولست متأكدًا من حدث اختفائها البطىء الصعب الذى شرع بالإخبار عن غيابنا نحن..

فى العمق هذه واحدة من إزعاجات تأليف الكتب والمخطوطات.. التأليف لم يبق تحت إمرتى ولا أحتفل بعزلتى.. صار التأليف عدوًّا يقف على حدود دماغى» ولأننا لا ينبغى أن ننسب هذا الكلام للمؤلفة الفعلية، بل لما نسميه فى النقد الحديث «المؤلف الضمنى» فعلينا أن نعتبره من مناورات الكتابة المراوغة، بل سرعان ما ندرك أن هذا المؤلف الضمنى قد استعان ببعض معارف وأصدقاء المؤلفة الحقيقيين- كما يبدو ذلك فى الشكر- ليجعل منهم شخوصًا تخيليين بدورهم مثل المهندس معاذ الألوسى الذى تسند إليه مهمة تخطيط «المكعب» الرمزى، الذى يعد أحد محاور العمل فى الكلية وفى قسم العمارة على وجه الخصوص، نقابله وهو يتحدث عما يسميه «تراكيب الجمال» لكى تكون بغداد فى طموح أبنائها وبناتها من هذا الجيل الرائد «عاصمة التشكيل والفن والمحبين والعمارة والفنانين والمجانين، الشعراء الذين يكدون ويعترضون ويبقون فى الظل ويعيشون وحدهم، فتجلب إليهم وإلينا العنب والتمر والخمرة واللغة المحكية البيضاء، وحبر الرسامين العراقيين وحمولة الليل الطويل وتراكيب النحل»، ومع أن الرواة الذين يتناوبون القص خلسة يحيط بهم ضباب كثيف فإنهم لا يكفون عن ذكر عفاف التى تكاد تصبح رمزاً للعراق فى غيابه وضياعه، وذلك على الرغم من تجسدهم عند التأمل فى شخوص عائلتها وأصدقائها، لكنهم سرعان ما يكشفون أسرار ذواتهم الجماعية وهم يمثلون طبيعة الشخصية العراقية التى تسرف على نفسها عادة فى الشراب والشهوات والغناء الشجى قبل أن تطفو العمائم الزائفة على سطح الحياة فيها، العم مختار مثلًا يترنم بأغنية سيد درويش وهو لا يكاد يفيق من السكر أو الولع ببنات الهوى المحترفات «أهو دا اللى صار واللى كان/ ما لكش حق تلوم علىّ/ تلوم علىّ إزاى يا سيدنا/ وخير بلادنا موش بإيدنا/ قل لى عن أشياء تفيدنا/ وبعدها تلوم علىّ» وهو يصف نفسه بصراحة موجعة قائلاً: «تريد الصدق؟ أنا أحب العاهرات، فهن لا يبحن بالأسرار، ولا يحرمن أى شىء ولسن ذوات مزاج متقلب، فهن على شاكلتى بل أحسن منى فأنا أشتكى وأتوجع، لأننى أخاف، معاذ يرانى أكرع الكأس بسرعة، وهذا صحيح، هكذا أريد أن يخلص القدح لكى أبدأ بالثانى والرابع لكى تخلص الساعة واليوم والشهر والعام» من اللافت أن الكاتبة توجز بكثافة وصراحة طابع كثير من الشخصيات العراقية فى هذه السطور اليسيرة، فهى ليست من المولعات بالقضايا النسوية، بل تعرف كيف تمسك بخبايا الرجال والنساء معاً، وتكشف بلفتات ذكية أسرارهم عندما تنبه الزوجة رجلها بأنه نسى إغلاق سوستة بنطاله فيتعمد تركها دون حياء. تجسد الكاتبة هذه الطوابع الرجالية الصريحة مثلما جسد شاعر العراق الأول بدر شاكر السياب، مشاعر «المومس العمياء» فى مرحلته الرومانسية الشفيفة، ولا أعرف كيف يتنكر السادة من أصحاب العمائم اليوم لهذه الخواص الحميمة الغائرة فى أعماق المجتمع العراقى الأصيل، يكتب هلال- شقيق عفاف- إلى الدكتور الفرنسى أيضاً ليبوح له بظاهرة شبّ على المعاناة منها وهى التبول اللاإرادى محللًا أسبابها بوضوح مدهش قائلاً: «نحتاج إلى أمر آخر إلى جانب التبول الليلى وقد بدا لى أنا هلال أيوب وأنا أشاهد حمولة الراجمات والصواريخ الأمريكية أن أقر وأعترف بأن ما أسقط فى الحرب الأولى علينا التى استمرت 42 يوماً بلغ 88.500 طن من الدخائر، ما يعادل سبع قنابل ذرية من حجم هيروشيما، أى بمعدل قنبلة ذرية كل أسبوع، إنه ليس هناك ما يوازى ذلك فى الحروب العالمية، فالدمار الذى أنزل بالعراق سميناه إبادة المجتمع أو تدمير طريقة حياة بكاملها.. ألا تعتقد يا دكتور أن تبولى الليلى هو تفصيل أساسى ومهم نتيجة لما جرى علينا من صعوبات وأهوال؟»، على أن الاعتراف بهذه الآثار الفاجعة بتلك البساطة الإنسانية أفدح إدانة للوحشية الاستعمارية من الأوصاف المرضية وبخاصة لما تقتضيه من شجاعة أدبية فى البوح الجماعى، كما أن الكاتبة تبرز أيضاً فى مشاهد أليمة المهانة الطائفية التى أخذ العراقيون يتعرضون لها من كمائن الميليشيات التى تقتل على الهوية، والتى لا يصبح بوسع الشخص العادى أن ينجو منها دون أن يغرق فى غيبوبة السكر وفقدان الوعى، وهنا نجد الرواية تعتمد فى سردها على التحليل النفسى الاجتماعى، لكنها تولى أهمية خاصة للجوانب الفنية، حيث يذكر يونس النحاس الذى شغل عواطف عفاف قبل هجرتها «أنها كانت تتشاجر مع ما تراه قبيحاً فى المكان قائلة: إننا نستنسخ البشاعة، فالجمال ليس ضرورياً، وهذا ما نراه صباح مساء، فنجارى الأوروبيين وفنون الحضارة الغربية، وبسبب غيابنا هذا نكتفى بالاستحواذ على رؤاهم الجاهزة، ونقلدهم بطريقة تدعو للرثاء، والحقيقة أن الإنسان فى بلدنا لا رغبة فعلية لديه فى كثير مما يقتنى ويعاشر، فغياب الجانب الجمالى يؤدى إلى الضجر.. القبح ليس نقيض الجمال، إنما الألم، والعين غير المتدربة على الجمال لا ترى ولا تحس به سواء حضر أو غاب»، هذا الوعى العميق بضرورة التمرس والتدريب على ثقافة الجمال المؤسسة لكل الفنون اللغوية والبصرية والسمعية هو فى جوهره التحرير الحقيقى للطاقة الإنسانية، وهو ما يمثل جوهر الحضارة التى لا تنتمى إلى مكان واحد بل هى ملك للجميع وإذا كان الطابع الغالب على الرواية هو رؤية الذات الجماعية فإن ذلك يتم عبر مصفاة الذوات الفردية كما لاحظنا من خلال النماذج الموزعة بإيقاع منسجم على الفصول المتتالية، فإذا ما برزت عفاف ذاتها فى الفصول الأخيرة تجلت لنا بطريقة فلسفية وفنية أبعاد هذه المآسى الفردية كما تتكثف فى الوجدان الإنسانى فيقترن الإبداع بالجنون.

تحكى عفاف عن حبيبها الفرنسى «كيوم» الذى ساعدها فى الاشتراك فى معرض تشكيلى جماعى أقيم فى أحد قصور باريس، ثم خاضت معه أعنف تجربة عشق نزعتها من عذرية الشرقيات المعهودة، حيث يتم التنازل بالتدريج عن الإحساس بالإيلام والعناء وتشرح علاقتها باللغة والحب بشكل باهر قائلة: «تهجرنا اللغة الأولى فلا يقف على طرف اللسان إلا تأرجح الوالدين ككائنات مأزومة لغويًّا، كنت هكذا وأنت تلتقى بى فأكف عن مخاطبة ومناداة بلدى وأسجل جملى للاسم المجهول (كيوم فيليب) لتصبح أنت أيها الرجل الحسن الاستنساخ والتنفيذ غريم بلدى فىّ فأوقع بك ما يلزم من شطحات الابتهاج وأدعك وحدك تستنتج المعنى.. كنا أكثر من اثنين، من الآن وصاعداً، وفى أحسن الأحوال نردد: ما الفائدة؟ فلا يمكن أن نكتب اسم بلدينا دون أن يضحى أحدنا بخياله وبلغته، ودونما تكرار منى لم أتخبط فى هجرك، ولا أنفقت عليك سقمى كله».

قضت عفاف لحظات الانصهار الوجدانى الذى تتوحد فيه أنفاس العشاق فى نفس واحد مكثف وعنيد يقاوم الازدواج، وتنشد فى سرها متعلقة بأهداب لغتها أبياتًا من الشعر التى تعمر ذاكرتها كعراقية أصيلة، «أى سر فيك لست أدرى كل ما فيك من الأسرار يغرى/ خطر ينساب من مفتر ثغر/ فتنة تعصف من لفتة نحر»، مستحضرة شعر ناجى وصوت عبدالوهاب لتغازل به حبيبها الفرنسى الذى كان أولى به أن يتغزل بها، لولا أنها تعبر بصدق عما فى نفسها هى أكثر مما تتمثله، ثم تتساءل عن جدوى كل ذلك وعن أهمية سرد التجارب وكتابة الروايات لتنتهى إلى أنه «بفضل هذه الروايات تعرفت وتفهمت عمى وأبى وأخى وأفراد أسرتى جميعاً، صحيح أن الروايات لا تحسن المعيشة ولا تجنب التفاهة ولا المهانة، لكنها تجعل لحياتنا بعض المعنى» ومع أن الكاتبة مزجت الإبداع بالجنون، لكن ما شفّت عنه هذه الرواية من نهج طليعى أثير، وما حفلت به تقنياتها من شعرية بالغة التأثير، وما ظفرت به من تقدير لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية فوضعتها فى القائمة القصيرة، كل ذلك يجعل أى جهد يبذله القارئ ليتلقى شحنتها الجمالية الدافقة ودلالتها الوطنية الصادقة ورسالتها الإنسانية العميقة وعدًا بمزيد من المعرفة والمتعة والإبحار فى عوالم الإبداع المهجرى الخصيب.

https://www.almasryalyoum.com/news/details/2032588