"كنا نلتقي بنا ، بأنفسنا ونحن نحاول العودة إلى هنا ثانية" ص/21 التانكي

سارة سليم
استمعت كثيرا بقراءة رواية التانكي للأديبة العراقية الكبيرة عالية ممدوح ، طبعا الإستمتاع كان بقدر الجهد الذي أخذته مني في فهمها ،بحد ذاته يعد تحديا بالنسبة لي ،لأن الرواية بالأخير هي تجربة إنسانية وتذكرة سفر إلى مكان لم نكن نعرف عنه سوى الأشياء العامة التي يعرفها من لم يعش بالعراق، فمابلك الحديث عن ماضي أمكنة تركت أثرها في ذاكرة عفاف بطلة الرواية .

رأيت بهذه الرواية العراق بعيون عفاف التي عادت إلى بلدها بعد أربعة عقود من الزمن ، لتزور الأمكنة التي مرت عليها الكثير من الحروب والأوجاع ..
قبل التحدث عن الرواية أود أن أشير إلى العنوان التانكي هو شارع بالعراق كانت تسكنه النخبة آنذاك ، أما معناه هو خزان المياه ،كلمة مقترضة من اللغة الإنجليزية .
يحمل العنوان الكثير من القراءات والتساؤلات .. لماذا اختارت الروائية التانكي وماذا تقصد به ، فنحن أمام كاتبة تعرف جيدا ما تكتبه وما تريد إيصاله .
لربما التانكي هو ماضي العراق الذي أعادت تأثيث سردياته انطلاقا من الحاضر .
تندرج الرواية ضمن ما يسمى بأدب المنفى، لكنها مختلفة برأيي ، لأنها رواية تجريبية استخدمت فيها الكاتبة أسلوب
البولوفونيك بدءا ، بالرسائل التي ترسل إلى الطبيب وصولا إلى عفاف وحديثها عن الغربة .
حقيقة موضوعها مكرر لكن ما جعله مميزا أن الذي كتب العمل لا يعيش بالعراق ، أي أن المنفى من رسم خطوطه .
تحكي فيه أوجاع العراق من خلال العودة إليه ومحاولة استنطاق الأمكنة الضاجة بالألم و الحزن.
تدور شخوص الرواية في التانكي المكعب الذي استعارته من المهندس المعماري العراقي معاد الآلوسي لكي يكون فضاء رحبا يسع شخوص رواياتها .
أعتبرها رواية المتاهة كل تائه يبحث عما ضاع منه، خاصة الحب الذي هو أساس السعادة .
تقول الروائية :عراق الوجع والحزن اللامتناهي كما صورته ، أبدعت أيضا حين استحضرت العراق بكل أوجاعه وكأنها لم تغب عنه ولا مرة ، وهي التي تعيش بعيدا عنه منذ 37 سنة .
العراق الذي حاولت عالية ممدوح أن توثق لتاريخه .
العراق الذي قال عنه ديفيد بن جوريون أول رئيس وزاء لكيان إسرائيل:
" لتحقيق حلم إسرائيل التاريخي في دولة أرضها من النيل إلى الفرات لا تكمن قوة إسرائيل في إنتاجها لقنبلة ذرية و لا في تسليح جيشها بأقوى الأسلحة العصر بل تكمن قوتها في القضاء على ثلاث دول عربية هي : العراق ، سوريا ، مصر "
استطاعت الروائية عالية ممدوح من خلال التانكي أن تضعنا في صورة ما حدث و يحدث في العراق دون محاولة تزييف أو تجميل للحقائق .
الحقيقة رواية رائعة وما فيها تجاوز حدود صفحاتها .
تحدثت الرواية عن العراق والاحتلال الأمريكي ، تطرقت إلى ماضيه الذي كان التسامح مبدأ شعبه .تحدثت أيضا عن الوطن والمنفى ، الطائفية والعراق المتعدد والمتنور ، الحروب .
تشعر من خلال عملها وهي المغتربة أن العراق حاضر وبقوة في مخيلتها ووجدانها ، هذا ما انعكس على كتابتها .
إنه الوجع الذي يسافر مع صاحبه ولا يمكن أن يفارقه ،وحدها الكتابة من تخفف عنه وطأة الألم .
أشياء كثيرة لم تستطع ذاكرتي القرائية رصدها ،فليس كل ما نقرأه ويؤثر فينا يمكن أن نكتب عنه !
الرواية عبارة عن لغز متعب ،لن يكتمل ذلك اللغز إلا بقراءة الرواية للنهاية وفهمها كما تقول السيدة عالية :" الروايات كائنات بشرية يجب علينا أن نفهمها ونأخذها كما هي "
فالتانكي بحسب رأيي لن أقول ليست في متناول القارئ ولكن يجب أن تجتهد كي تفهمها .
يقول ميشال فوكو : " لتحلم لايجب أن تغلق عينيك بل يجب أن تقرأ "
هذه الرواية جعلتني أحلم بعراق أجمل وأكثر تقدما كما تمنته"
أتمنى لهذه الرواية صدقا الوصول للقصيرة لأنها بالفعل تستحق.
أحببت من الرواية هذه العبارة :
"ربما المرأة لا تحقق السعادة لكنها تبتكر طرقا شتى في الوصول إليها "
ص/55

https://m.facebook.com/photo.php?fbid=2453064814955842&set=a.1651272955135036&type=3&theater