الصور السردية المُتّشظية في النصّ المتّجمع.. التانكي لعالية ممدوح نموذجاً

أسامة غانم
تشتغل رواية “التانكي”* للعراقية عالية ممدوح ، في عدة امكنة متداخلة في آن واحد، أي أن الرواية تتكون من عدة نصوص / طوابق، وهذه النصوص تنقسم الى قسمين اثنين، نص / مكشوف / مقروء ، ونص / مختفي / لا مقروء، فالنص / المكشوف / المقروء يكون مفضوحاً في اعلانه بانه يستمد من النص الثاني / المختفي خطاباته وآلياته وتحولاته، واعتماده عليه في فك رموزه وتحولاته .

إن المختفي، هو ليس مناقضاً للمكشوف أبداً، بل هو المتن الذي يمنح المكشوف / المقروء قوة، واستمرارية، وديمومة، وانطلاقة في الفضاء الروائي، وهذا يمنحه الدخول في التجربة الرمزية، التي تعمل على ترميز مختلف الظواهر السوسيولوجية – التاريخية – السياسية – الفكرية المنحدرة من ما وراء النص، ومن هنا تبدأ الصور السردية بالتشظي، لكي تعمل على ارغام القارئ على أن يستعين بكل ثقافته وتراكماته المعرفية، وقراءته المتنوعة، للاستفادة منها، وجعلها نقطة شروع في الحفر والتفكيك، عندما يقوم بتجميع الأجزاء الممزقة المبعثرة، واعادتها لتشكيل الصور الحقيقية التي كانت قبل التشظي، من خلال دمج الصور السردية المتشظية وتجميعها في بؤرة واحدة .

إن العامل المشترك في النص – المختفي هو ( خلق متخيل والتعليق على عملية خلق هذا المتخيل في ذات الوقت . وتجتمع السيرورتان معاً في توتر شكلي يقوض التميّزات بين ” الابداع ” و ” النقد ” وتدمجهما في مفهومي ” التأويل ” و “التفكيك ” ) 1، المتخيل هنا وسيلة لتفسير الواقع الذي يتميز عنه .

وبما أن النص الرمزي تكون طبيعته منفتحة على التأويل، لهذا يقوم بالمطالبة بممارسة التأويل، لأنه يحتوي على معانٍ غير مباشرة ينبغي البحث عنها، والتأويل هو الذي يقوم بهذه المهمة، وكما يسميها تودوروف ” الاستجابة التأويلية ” التي تدعو المتلقي الى النهوض بتلك القراءة – التأويلية أي المشاركة في الحفر .

إن الاستراتيجية الأساسية للرواية هي جعل النهايات للشخصيات الرئيسة مفتوحة، او مجهولة، او غير مكتملة، بمعنى أن عدم اكتمال الصورة للشخصية، يضع المتلقي في حالة التشويق، أي أن يكون متطلعاً لمعرفة المزيد عن كل شخصية ومعرفة نهاياتها التي ستكون ما بين الثابت والمتحول، عليه يكون عدم الاكتمال موازياً للتشويق، وهذا ما نطلّع عليه منذ البداية، حيث تبدأ الرواية بوصف عملية التقاط صورة للعائلة على لسان الوالد ايوب ال ” كما في صور الألبومات العتيقة، فكّرنا جميعاً : نحن الموقّعين أدناه، عائلة أيوب ال الذين سيظهرون بالتدريج معنا، بجوارنا، بعدنا بقليل، أمامنا، أو أبعد قليلاً . من المفيد أن ندع الوالدة مكّيّة جالسة على كرسي، فهي غير قادرة على الوقوف طويلاً حتّى لو أن الأمر لأجل التقاط صورة، بجوارها الخالة فتحية، بعدها الخالة الأصغر سنية . الوالدة بيبي فاطم مكانها غير موجود بيننا، بقيت في الطابق الأعلى . حسناً، من المفضّل ولأجل الهيبة أن نقف وراهم، نحن الرجال . أنا الوالد أيوب، وبجواري أخي مختار . هنا يستحسن أن نترك مكاناً لهلال، ولدنا البكر، ولها، ابنتنا عفاف التي أوكلنا شؤون قضيتها إلى الأستاذ صميم – ص 13 الرواية “، عندها يعلم المتلقي بان هنالك شخصيتين غائبتين اختفتا هما : االابن هلال و الابنة عفاف، ومن خلال الالبوم العتيق الذي يعتبر تاريخ الذاكرة لدي العائلة نستدل على الذاكرة المثلومة والصور الغائبة، ليس ذلك فحسب بل عمدت الروائية عالية ممدوح الى اللجوء الى تشكيل صورة سردية سحرية عندما جعلت الاب ايوب آل يطلب من اخيه مختار طلباً فانتازياً : ” هيّا، يا أخي، خذ عنّي المهمّة، ودعني أعود إلى مكاني في الألبوم – ص 13 الرواية “، هذه الصورة السحرية تذكرني برواية فيلم ” القلب المحبر ” للكاتبة الالمانية كورنيليا فونكه، عندما تكون الشخصية الرئيسة مورتيمر ذات مهنة غير عادية للغاية بالنسبة ليومنا، فهو ( طبيب كتب)، ولديه ابنة صغيرة ماجي تبلغ من العمر 12 عاماً، تحب قراءة الكتب مثل والدها، لكنهما يمتلكان ميزة واحدة، وهي ،عندما يقرأون بصوت عال، تخرج الشخصيات من الصفحات الى العالم الواقعي، بينما شخصيات رواية التانكي، عندما يكتبون تعود الشخصيات من العالم الحقيقي الى العالم الافتراضي، وعليه فاننا ” نضطر من ثم الى تذكر أن عالمنا الواقعي لا يمكن أن يكون العالم الواقعي أبداً للرواية . ولذا، ففي الوقت الذي يبدو فيه أن كسّرِ الإطار يجسر الفجوةَ بين المتخيل والواقع، فإنه يعمل على تعريته ” 2 .

قسمت الرواية الى سبعة فصول، متفاوتة الطول، وكل فصل على لسان شخصية، الفصل الأوّل : كلاكيت أوّل مَرَة / المتكلم صميم – كاتب، الفصل الثاني / المتكلم معاذ الالوسي – مهندس معمار، الفصل الثالث :استشارات قانونية / المتكلم العم مختار – محامي، الفصل الرابع : هلال أيوب ال / المتكلم هلال – مقيم في لندن، الفصل الخامس : نعم، المرض موجود / المتكلم الدكتور كارل فالينو، الفصل السادس : النّحّات يونس الهادي / المتكلم يونس – نحات، الفصل السابع : كلاكيت آخر مّرَة / المتكلم السارد عن عفاف – رسامة، بالإضافة الى عناوين فرعية كثيرة داخل كل فصل، وهي محاولة من قبل الروائية عالية ممدوح للتخفيف من وطأة شدة التشظي الجاثم على خناق السرد، من اجل تمكين المتلقي من العثور على المنصات الرئيسة للنص، من خلال : ” القُصاصَات والصور والألبومات والشرائط والآلات والخمرة – ص 28 الرواية “، وشارع التانكي والمكعب، والفن ويوتوبيا المخيلة، والجنون المساوي للعقل، والشهوة المؤجلة، والرغبة الهاربة، والموت الجاثم والحياة المُنسَلّة ، من الوطن المُرِعب والمنفى الكابوس، والتفاهة المْتّسْيدة .

ومع رواة الفصول السبعة، هنالك شخصيات ثانوية، وجميعهم الرواة والشخصيات الثانوية تظهر وتغيب في فصول الرواية، المتداخلة، حسب سرد الراوي، وبعض الشخصيات (حيثياتها تتمظهر بالإشارة فقط )، وهم : الجدة بيبي فاطم ” ام أيوب ال “، الجدة عفيفة ” ام مكية زوجة أيوب ” ، الخالة فتحية – الخالة سنية، طرب زوجة صميم / نحاتة ، ياسين / الشيوعي والعشيق الاول لعفاف، كيوم فيليب / ناقد ورسام فرنسي وعشيق عفاف، والخال سامي / طالب كلية بغداد – منتحر .

لقد اخترقت عالية ممدوح قاعدة البناء الكلاسيكي للرواية، عندما تجاوزت التسلسل المتبع في كتابة الرواية من بداية ووسط ونهاية، حيث جعلت القاريء هنا، يبدأ بالقراءة من إي فصل يشاء، الفصل الاخير او الاول او الاوسط، ذلك نتيجة السرد المتشظي المتعدد، لكن دون الاخلال بالمضمون العام للرواية، لأن كل فصل مستقل بذاته، مترابط مع الآخر جذرياً، مؤدياً الغاية الملقاة عليه، واتسم السرد بان المعلومة الواحدة متوزعة بين عدة فصول، تعمل على حث القارئ لملاحقتها والعثور عليها لكي يتم توحيدها، والا يتشتت القارئ، وتكون رؤيته معتمة مشوّهة، ويتيه بين الاسطر ،وتتشابك عليه الصور السردية .

هناك سؤال يمكن أن يطرح : لماذا هذا العنوان ” التانكي “، الذي لا يكاد يربطه بالحبكة الروائية سوى انه اصبح اسماً لشارع كان ” مازال “** اسمه الاخطل، ” هذا الشارع الذي لم نطلق عليه هذا الاسم أبداً، إنما بقينا جميعاً، و يا للغرابة ! نردّد أسمه الذي يملك سلطانه على أفراد العائلة جميعهم، فانتقل إلى الاصدقاء، وأصحاب المحلاّت والأراضي والوقفيات وسائقي خط التكسيّات : شارع تانكي الماي – ص 25 الرواية “، الواقع وسط منطقة الصليخ الجوّانيّ، في منطقة الاعظمية، وتانكي الماي المعدني ” كان لونه فضِيَاً مُغبراً ورابضاً في بداية الشارع كمركبة فضائية – ص 103 الرواية “، تقع بالقرب منه ثانوية كلية بغداد، والمجاور لسَكن القاذرية الامريكان، انتقلت اليه العائلة من حَيّ السفينة، وهو شارع الأنتلجنسيا العراقية من ” المهندسين والمعماريّين والفنّانين ورؤساء الوزارات السابقين والعلماء – ص 71 الرواية ” والاطباء وقادة من الحزب الحاكم والفاذرية، يعج بالقصور والفيلات الضخمة والبيوت الفخمة، تفوح من حدائق بيوته روائح الرارنج والقداح والريحان والشبوى الليلي والرازقي، انه شارع تتمثل فيه اساطير الف ليلة وليلة، وحلم جنة عدن، ولكن كانت هنالك مفارقة في غلاف الرواية عندما نرى حنفية الماء تقذف ” تنزف ” أحذية، بدلا من خروج الماء منها، رغم أن الروائية قد وصفت تانكي الماء في احد مقابلاتها الصحفية مع محمد ناصر الدين في جريدة الأخبار 10-اب – 2019، أن التانكي با لإضافة الى اختزانه للماء هو ” يشكل مجموعة من الطبقات والمعارف والأفكار “، وما بين الاستدلال من غاية التانكي عملياً ووصفه مجازياً، نقول لا وجود هنالك للتأويلات المتطابقة للنص نفسه، عليه سوف تتعدد التأويلات، وتختلف الرؤى، وتتشعب التحليلات، وعند المقاربة والبحث في الرواية، نستبطن دلالة تساقط الأحذية، بانها تمثل المراحل التاريخية التي مر بها العراق من عام 1958 للأنظمة الدكتاتورية القمعية بدعم و مباركة بريطانية امريكية، أن كل من بريطانيا والولايات المتحدة وضعت استراتيجية شاملة لسرقة ونهب ثروات العراق الى اجل غير مسمى، ومن ثم قيامهم بعد عام 2003 بتسليم حكم العراق الى الاحزاب الدينية / الاسلامية، شيعية كانت ام سنية، والتي تمثل عقلية القرون الوسطى التي تقدس الغيبيات والضلالات والدجل، وما فعلته بالبلد من دمار وخراب وقتل وحروب طائفية، ومجاعة، وانتشار لظاهرة ” تحت مستوى خط الفقر “، والعمل على تعميم وترسيخ الخرافات والشعوذة لتحل محل الثقافة والعلم، مما ادى الى تفشي الفساد بأبشع صوره، ودمير البنى العراقية التحتية كلها، لذلك ينبغي على القاريء كي يطور البنى السردية أن يستخدم الاستدلال ليعرف نتيجة هذه البنى، وإن ” الوقائع المدلول عليها تُفهم : وكل ما نحتاج إليه هو معرفة اللغة التي يُكتب بها النص . والوقائع المُرمَزة تؤوَل، وتختلف التأويلات من شخص لآخر ” 3، اذ أن شارع التانكي اصابه ما اصاب العراق كله، فأن اغلب سكانه انتشروا في المنافي، او تشردوا بسبب الحروب العبثية .

لقد اشارت عالية ممدوح الى ذلك في استقراء ملفت للنظر – يمثل الاستشعار بالكارثة قبل وقوعها، ومدى عمقها وحجمها إن وقعت – في مجلة فصول المصرية، ” برج بابل ينهار و بعنف أمامنا، وهذا ما يثير قلقا معماريا وجماليا لدى غير المتحضر، لكن ما لا يثير الرعب أن المعاول ما زالت تلاحق عظام الموتى . إنهم ينقبون عن الجماجم لوضعها تحت تصرف الدبلوماسيين والجنرالات، فهم يغرسون إبر الفولاذ في ابدان الصغار لكي يتوقف النمو، وداخل أرحام النساء لتعقيم السلالة . هذه عاداتهم وبرامجهم القديمة والحديثة ” 4 .

رغم هذا الخراب والدمار والمستقبل المظلم، لا زال لدى الروائية تفاؤل وامل كبيرين با لأنسان العراقي، من خلال مشروع المعماري معاذ الالوسي، الذي هو المكعب، هو المشروع العجائبي، المدهش، الذي يؤمن بالجمال والمحبة والسلام، ليكون سكناً للعراقيين جميعهم ومن ضمنهم الانتلجنسيا العراقية، اي الخروج من يوتوبيا المخيلة والسكنى في واقع الجمال المنتظر . ولقد اختارته الروائية ايضا، ” كجنس معماري يصلح روائياً لتعدد الأجناس في الرواية ما بين السينما والمسرح وكتابة الخطابات وتعدد الرواة ” 5، و اختارته بشغف ايضاً ” مصباحاً ككاتبه يضيء وجوه من نغرم بهم، أو من بقي لنا ممن نحبهم في تلك البلاد، مأوى سرياً في تشكيله الهندسي ” 6، وهذا انعكس على معمار الرواية التي شكلت فصولها طبقات ثلاثة، لدرجة تجعل كل شخصية في الرواية تعتقد اعتقاداً جازماً بأن المكعب هو مصباحه السحري، والعارف بأسراره وخفاياه، لأن كل واحد منهم له أسم وقصة ومكعب، ويظل التساؤل قائم، هل هو يمثل سفينة نوح للنجاة من الهلاك ؟ أم هو العراق المنتظر ؟ أم هو الأنسان العراقي الجديد؟ يبقى ذلك خاضعاً وتبعاً لتأويلات القراءات المتعددة المختلفة للقراء:

” عثرْنا جميعاً على بقعة الأرض، وهي كانت معنا في تلك المنطقة القريبة من شارع التانكي، كانت فضلة من أرض الأحلام، قطعة من حديقة مُطلّة على الماء ‘ وغير مُستغَلَة على الوجه الأكمل، فتمّ التفاوض مع صاحبها، وبالتالي حصل المراد . تلك هي الأطياف الأولى لما اطلقنا عليه بـ ” المكعب ” – ص 45 الرواية ” .

وبما أن النص منفتح ومُشرع على المعرفة، بالقدر الذي تتحقق فيه الدلالات، لا يمكن اقصاء الاشارات التي يطرحها النص، كما انه يصعب استبعاد العناصر السياقية التي تندرج في افق تلقي النص : ” أنا المكعّب، معاذ الألوسي – ص 44 الرواية “، صرخة يطلقها المهندس المعماري، زير النساء والمحب لليسار العالمي، صرخة تبين مدى الحاجة للمكعب، ودعوة للمغرمين والعشاق والشعراء والرسامين، لهذا تكون عفاف اول المدعوين، واول الإتين : ” سنصمّم – المكعب – معاً، وندعو مَنْ نغرم بهم إليه – ص 14 الرواية ” .

كما قلنا ان الرواية تتألف من سبعة فصول، كل فصل يكون على شكل رسالة مرسلة الى الدكتور كارل فالينو في باريس، الطبيب المعالج لـ عفاف ايوب ال، باستثناء الفصل الخامس الذي يكون على لسان الدكتور فالينو، موجه الى المرسلين له والى عفاف ايضا، والفصل السابع يكون مسرود من قبل سارد عن احاسيس وتحولات ومتغيرات وتبدلات وهواجس وعلاقات عفاف بذاتها وبالأخرين وبالعالم .

الملاحظ أن كل اصحاب الرسائل، تكون عفاف محور رسائلهم، بالإضافة الى تشريح انفسهم على شكل اعترافات شخصية للدكتور، اي أن عفاف كانت لهم الحجة الواهية او الدافع اللاوعي للبحث عن ذواتهم والكشف عنها امام الذات وامام الآخر، فقد ” كنّا نفضّل بقاء الأسرار خفية فيما بيننا، أمّا اليوم، فسنجد مشقّة وبعض الخطر، كلّ من جهته، ونحن نضعها بين يديك وأيدينا، أثارنا هي، كلنا، فكرنا نحن المشرفين على الغرق، بحفظ بعض الأسرار ،وإفشاء البعض الآخر – ص 15 الرواية ” ، وهذا ينطبق على العائلة ايضا، التي في اعتقادها أنها تؤدي واجب البحث عن الابنة الغائبة المريضة او المفقودة، ولكن البحث في الحقيقة هو البحث عن ذوات انفسهم، للعثور عليها عارية امام مرآة كل واحد منهم .

عفاف أيوب ال، بطلة الرواية والشخصية الرئيسة، صاحبة الصوت الحزين الشجي، لم نسمع صوتها الا عبر الآخرين، أو عبر السارد، هي مزروعة ومبثوثة في كل الفصول، ولكن من المستحيل التوصل الى معرفة نهايتها ؟! هربت او هاجرت الى باريس بعد أن انهت دراستها للرسم في أكاديمية الفنون الجميلة عام 1979 وهي في الثالثة والعشرين، بحثاً عن غدٍ افضل من حاضر العراق، وخوفاً من أن تصبح كالبقية عيونهم مفتوحة ولكنهم عميان : ” أريد تنظيف حواسّي جميعها، فلو بقيتُ هنا، لعميتُ، واختفيتُ ! – ص 24 الرواية “، ولكنها بعد سنوات، كانت اخبارها التي كانت تصلهم عن طريق طرب، تنقطع، ولا احد يدري ماذا حل بها ؟ وتتسع التساؤلات بمرور الوقت من قبل الجميع :

لماذا اختفت عفاف واين ؟

متى ستعود ؟

هل هناك أي أمل بعودتها ؟

هذه الأسئلة كانت تدور في العراق عندما انقطعت اخبارها وهي في باريس، أما الأسئلة التي كانت توجه اليها وهي في باريس قبل اختفائها و تجعلها تتضايق منها جدا فهي :

“هل أنتِ مهاجرة ؟ أم لاجئة ؟ أم منفيَة ؟ – ص 129 الرواية ” .

حتى الدكتور كارل فالينو الذي يُسئّل من قبل الآخرين، يبدأ في الاشتراك باللعبة مع البقية، عندما يبدأ بطرح الاسئلة على نفسه وعليهم : ” ترى هل مازالت عفاف عراقية ؟ هل بمقدورنا سؤال السفارة العراقية في باريس ؟ لمَ لا ؟ ألم تقم بتجديد جواز سفرها العراقي ؟ هل حصل ذلك الأمر ؟ ومتى كان ؟ هل توفّيت واُعيدت إلى بلدها دون علمكم ؟ هل قضت و دُفنت هنا في مدافن المسلمين ؟ هل قضت بالسكتة القلبية ؟ أم بمرض غامض ؟ – ص 149، 150 الرواية “، وفي الآخر يتوقف الجميع عن البحث عنها .

لأنها هي التي عزمت على الإختفاء . وقبل هذا عزمت على أن تطرح الكثير من الأسئلة المحرجة، غير المتوقعة، لأنها بالأساس كانت تمتلك شهوة مخيفة للتساؤل الذي يؤدي بها الى الجنون، وعلى ضوء ذلك باستطاعتنا أن نستعير قول الفيلسوف باسكال المدون في مقدمة الرواية، والذي اعتبره أنا مفتاحاً مهماً في فهم مقروئية النص كله ” إن الكائنات حمقى بالضرورة، لدرجة أنه سيكون المرء مجنوناً، لو لم يكن مجنوناً ” :

” هل نحن أسباب المرض ؟ كلا، كلا، لا أريد الحكم الآن – ص 21 الرواية ” .

” الجنون موجود، دكتور، أنه ضروري كالعقل – ص 128 الرواية ” .

” هل أنا على وشك الجنون، دكتورة ؟ – ص 147 الرواية ” .

وللآخر تبقى عفاف امرأة واحدة ووحيدة، تبقى فريسة التيه والجنون، حتى وهي مع عشيقها فيليب كيوم، وهي متجلية في اصفى لحظاتها الوجودية، تناديه بضمير الغائب، ولكنها تمحوه من الواقع لتثبته في لوحة عابرة، لأنه بالنسبة اليها صورة مُجْمعة من مخيلة الكُتُب :

” يا كيوم، خذ، خذ بقوّة ما لا يمكن تخيّله، ومن دون عودة للمعاجم، فأنا أريد أن أشتقّ لك اللعنات والملذّات، وأدعك تستغلّني، ولا تختزلني . لا تعترضني، أرجوك فيما إذا أصابني الهلع ممّا أشتاقه فيك، والذي لا أقدر الوصول اليه، وما لم تُبلّغني إيّاه وأنا في حضنك، ما لم أحصل عليه حتّى وأنت تُنهِكني وتستخدمني كما لو كنت غريمك . هل تعلم أنني لم أكسب منك شيئاً، لا نطفة تبذرها، فتعتريني أعراض الأم الباسلة، ولا حاولت أن أحقّق صيتاً طيَبا من لوحاتي التي أنزلتْ بها المصائب، فساعدتني أيّها الرجل المقتبس من الكُتُب وخيالي . صحيح أنت مفقود في الواقع، وثابت في اللوحة – ص 197 الرواية ” .

ما الفائدة ؟ هكذا ترددّ، حينما تلتقي بـ فيليب كيوم يكونان اكثر من اثنين، لكن لا يمكن المجاهرة بالحنين أو الشوق الى الوطن العراق، دون أن يضحّي أحدهما بلغته، وبخياله . وليصبح ألآخر ” غريم بلدي فيّ ” – ص199 الرواية ” .

بقدر ما كانت رقيقة، وشفافة، كان الآلم يحاصرها، ينبعث من مسامات جلدها، يتلاعب بها، لذا علمها هذا على رؤية الأشياء، و رؤية اعمق اعماقها، وبالأخص التي تتميز بالجمال :

” فالقبح ليس نقيض الجمال، إنما الألم، والعين غير المتدرّبة على الجمال لا ترى ولا تحسّ به، حضر أو غاب – ص 166 الرواية ” .

لماذا اتسم الفصل السابع، فصل عفاف أيوب ال، بأن يكون المتكلم سارد وليست عفاف، مع العلم أن جميع الفصول الستة الباقية تروى على لسان الشخصيات الرئيسة، أي الراوي – الفاعل ” راو يكون شخصية في المواقف والاحداث، ويمتلك تأثيراً ملموساً على هذه المواقف و الأحداث ” 7، ولماذا التجأت الروائية عالية ممدوح الى هذه الصيغة في السرد، ولم تجعلها هي التي تروي، اقول، ليس من الممكن أن يروى الفصل على لسان عفاف، لأن عفاف بالأساس ( مختفية) ، غير موجودة، غائبة، ولذا كان الفصل يسرد بضمير الغائب، المبني للمجهول :

” هذا مطار أورلي، وهي تشعر أنها تمتّ بصلة قرابة إلى هذه الأقوام – ص 207 الرواية ” .

” في الأصل هي لم تكتب لأيّ أحد هناك – ص 232 الرواية ” .

” ظلّتْ تنشد له أغنيات – ص 252 الرواية ” .

أن الروائية عالية ممدوح قد حققت ذاتها وحققت وجهة نظرها ليس فقط داخل السارد، ودخل خطابه ولغته ” وإنما كذلك داخل موضوع المحكي، ومن وجهة نظر تختلف عن وجهة نظر السارد . نقرأ محكياً ثانياً : هو محكي الكاتب الذي يسرد نفسه ما يحكيه السارد، والذي، بالإضافة إلى ذلك، يرجع الى السارد نفسه ” 8 .

من حق المتلقي، أن يقوم بالتعرف على الشخصيات الروائية، التي كان صوتها مسموع وفعلها موجود، داخل رواية التانكي، فإن صميم راوي الفصل الأول، يُعرّف نفسه هكذا : ” أنا صميم، كاتب سرَيُ أشتغل باسم حَركيّ . هو الرجل ذاته الذي قدم معها في العام 1986 الى عيادتك الخاصة – ص 13 الرواية “، ويبقى الاسم الحركي غير معلوم الى النهاية -والنحاتة طرب زوجته خريجة أكاديمية الفنون الجميلة، وصديقة عفاف وزميلتها في الأكاديمية – أوكل النحات معاذ الألوسي اليه تدوين المخطوطة، أي مجموعة الرسائل المرسلة الى الدكتور، لأن الحروف التي يرسمها تامة التكوين، جميلة، ويكتب عن لسان الخالة فتحية، كيف كانت عفاف ترتحل وتغيب عنهم وهي في وسطهم، فالأمكنة عندها مقيمة داخلها ومتجذرة فيها، حتى لو ارتحلت عنها بعيداً، فـ مدينة بغداد، مدينة الف ليلة وليلة، مدينة الحلم الاسطوري، أماكنها محفورة و جاثمة بمخالب مغروسة داخل عفاف، وهكذا حي السفينة وشارع التانكي وكلية بغداد، وكل الأمكنة، مرتبطة بعلاقة صوفية تتجلى بانبعاثات حسية دلالية تُترجْم على شكل غناء أو رسم أو صمت، وبالذات مع وطنها المسمى العراق، الملتحم على اضلاعها الناعمة، والنائم في حدقات عيونها : ” كانت ترتحل أبعد ممّا سبق، وتبتعد عنّا جميعاً، وهي بيننا – ص 20 الرواية ” . واستمر صميم يٌعدَل ويمحو ويضيف في المخطوطة على عناد سرد الثعالب مزوري التاريخ، ورغم أنه كاتب غير جدّيّ، يقول عن تجربته مع رواة الفصول : ” فالاسم الفعلي للشخص ونحن ندعه يتبوّأ مرتبة في وظيفة السَرْد والإخبار، يحمل مع الراوي المجهود الجسدي والعصبي، التعب وبهجة النزهات القصيرة مع الشَخصيات – ص 27 الرواية ” .

هذه العملية الكتابية منحته القدرة على دخول عوالم الرواة الممنوعة، والمحظورة، وبالعمل على القيام بنزع ” الأقنعة، وكاشفاً عن البعض الآخر ما يخيفني شخصياً – ص 36 الرواية ” ، وفي خضم هذا التوتر والقلق تتوازى بشاعة المشهد الجاري في العراق، منذ اعوام الثمانينيات وهو الذي لم يغادر مدينة الدنيا بغداد، ليظل ما خوذاً ” بالحدود القصوى لقدرة الكائن البشري على تحمّل الابتذال والسفاهة – ص 36 الرواية “، ابتذال الرفاق، وسفاهة الحكومة، وتفاهة الوضع، تفاهة الذي اصبح العراق عليه، وتفاهة الموقف الدولي تجاه العراق، تفاهة … تفاهة .. ” هذه اللاّزمة دكتور التي بقيت الآنسة تردّدها أمامنا، فنسمعها منها وهي تنفجر بالضحك، وتشرب الخمرة، أو ترشف فنجان القهوة المرَة من يد طرب – ص 33 الرواية “، وتتردد كلمة ” تفاهة ” بكثرة على لسان عفاف وبقية شخصيات رواية التانكي، فالتفاهة تعني الخُلو من الاهمية والشان، العْقْم وعدم الجدوى، وايضا، النقص في الأصالة أو الأبداع أو القيمة، هذا المعنى الذي قصدته عفاف / السارد / الروائية ، وهو المعنى الذي يمر به العراق، وما يعانيه المُشرّدون في المنافي، والذي تمر به انتلجنسيا العراق، ولكن المقصود بالذات هو من يحكم العراق، منذ الانتداب البريطاني والارساليات التبشيرية بمختلف مسمياتها، الى دخول دبابات المارينز عام2003 ، وتسليم البلد الى العمائم المغسولة بالدم والظلام والتخلف والنهب والسرقة والقتل المجاني، هذه اللازمة تعكس حال من يحملون الوطن اينما ارتحلوا في المنافي، وحال المغتربين داخل البلد، حيث ” كان الهوان يتجمّع ويتكاثر ويلتئم في اليقظة، كانوا يُسمّونه تدمير العراق، وقالوا محوه، لكي لا يهتدي إليه أيّ أحد من أبنائه، ولا حتى العميان، فالدمار الذي اُنزل بالعراق سمّيناه ” إبادة المجتمع ” أو تدمير طريقة حياة كاملة – ص 119 الرواية “.

وعليه تقول الروائية ” كان عنوان الرواية في الأصل ” تفاهة “، وتلك لا تزال متروكة في الدرج، ولم تصدر حتى الآن ” 9 .

وعند النبش بين سطور الرواية، تتوضح لدينا الصورة، ولماذا أخذت تردد عفاف كلمة ” تفاهة ” ،فالتافه كان في البداية ياسين، كان شيوعيَاً بدوام كامل، منتفخاً بالأيديولوجيا، شبيهّاً بالضفدعة في قصة البقرة والضفدعة في القراءة الخلدونية للصف الأول ابتدائي، عندما تحاول الضفدعة أن تكون بحجم البقرة، فتنفخ نفسها الى أن تنفجر، فكان ياسين اختيارها المشوه : ” أن ياسين كان أوّل سوط ضُربت به في كل مكان من الجسد والقلب، تماماً، ربمّا من هناك أستلهمت تلك اللاّزمة : تفاهة في مقابل ياسين – ص 145 الرواية “، ولكنه يبقى المسرة القاتلة، والعشيق الأول لها وهي ابنة الرابعة عشرة، الذي كان يمنحها اللذة في غرفته في الطابق العلوي في حي السفينة، المطلة على النهر، فكان هاوية بالنسبة اليها، لم تنج منها الا بسفره الى روسيا .

وبسخرية مشوبة بالحزن و الألم تستعرض حال الجبهة الوطنية المعقودة بين حزب البعث والحزب الشيوعي، وما آلت اليه الاوضاع ” الحزبان ثملان، وينتظران الانتقام ريثما يستوعبان البغض حتّى الثمالة، فنراه معروضاً أمامنا، وهما مستعدّان لرمي أحدهما ألآخر تحت الدَبَابات، ونحن نسخر في مجالسنا، ونردّد : أحد الحزبين توقّف حيضه، والثاني تعرّض للخِصاء – ص 215 الرواية “، ونعثر في الفصول على الكثير من سفاهة وانحطاط وابتذال الاحزاب الحاكمة ورموزها المتعفنة، مبثوثة على شكل شظايا بين السطور .

ويحظى الوجود الأمريكي واحتلاله للعراق، بتفصيل تاريخي، رابط بين الفترتين، القديم / ثقافة وتعليم، عندما أسس الفاذرية اليسوعيْون الأمريكان” الرهبان الاربعة – الروم الكاثوليك ” ثانوية كلية بغداد في 26/ سبتمبر / 1932، والجديد / الاحتلال في 2003، وتعبّر مشاهد الرواية عن ذلك، بصور مباشرة وواضحة، اضعها امام المتلقي للمقارنة :

” أذكر بعد ذلك ما حصل في صيف العام 1968 . اقتضى الحال تغطية رؤوس الفاذرية اليسوعيين بغية إهانتهم . بدأت التظاهرات تتوافد إلى كلية بغداد، تطالب بتعريقها وطرد الآباء، مما سبب بعض الإرباك للطلبة وأولياء امورهم حول مستقبل تلك المدرسة العريقة، في نهاية العام الدراسي وفي صيف 1969 صدر قرار بتعريق الكلية، وتم طرد الأساتذة الامريكان، والذين سبق أن دفن أربعة منهم داخل حدائقها، ما سبب صدمة لهم، قابلها العديد بالبكاء ثم الرحيل الى بيروت – ص 65، 66 الرواية ” .

” وصل المارينز . حفظتُ صوراً كثيرة، ومزّقتُ كلاماً به بلاغة تافهة، ونسيتُ كلاماً جديراً بالنقل فعلاً، إلا تلك الواقعة التي نقلت في لقطة واحدة، ولم تتكرّر قطّ : ” نشرت في فيلم يصوّر، ما يشبه المعركة، تضمّ كائنات بشرية . جنّ جنون المراقبين العسكريّيْن الأمريكان عندما سمح أحد القادة الميدانّيين للمراسلين بمشاهدة فيديو رشّاش إحدى طائرات الأباشي، وقد سجّل سرَاً في إحدى القرى العراقية، وكان على ما أذكر في نهاية 2003 . وبدا في الشريط مراهقون – كانوا بعمري يوم تركتُ البلد – وهم يهربون في كل الاتجاهات وقد استبدّ بهم الرعب، فيما تشطر رصاصات الهيليكوبتر , التي لا تمُكنهم رؤيتها، كل جسد من أجسادهم نصفّيْن – ص 108 الرواية ” .

الملاحظ أن الانتداب البريطاني، منح الاستقلال للعراق في تشرين الاول / 1932، بينما تم تأسيس كلية بغداد من قبل الامريكان في 26 / ايلول / 1932، عملية استلام وتسليم .

طرب زوجة صميم، نحاتة، خريجة أكاديمية الفنون الجميلة، قسم النحت، متحفظة على البوح با لأسرار كلها، طوال ثمانية أعوام بقيت تسافر اليها في باريس، وحين تعود لا توكّد ولا تنفي، وهي تقول :

من الجائز، هي تعتقد أننا تركناها تضيع من بين أيدينا ،فنحن أيضاً توقّفنا عن الشوق اليها والبحث عنها . هكذا عناداً، حَنَقّاً منها، وعليها . ص 21 الرواية ” . ثم تبدأ، بالتساؤل بفزع وخوف ” هل نحن أسباب المرض ؟ كلا، كلا، لا أريد الحكم الأن ” .

ومنحوتاتها الجدارية جميعها مغوية، شبقية، فيها مقاطع اباحية من نشيد الانشاد للنبي سليمان، وابيات من ديك الجن وأبي نواس، بهذا كله تطلق العنان لمخيلتها، مما يؤدي بصميم بالحاق بها، لكنه لا يرتوي منها رغم فارق السن بينهما، فهي ملتهبة دائماً .

أما العم مختار فهو ” محام، سكّير، ضجر، مُسنّ غير هيّاب – ص 63 الرواية ” ، فهو يمتلك الشقاء كموهبة ربانية مع ابنة اخيه عفاف، ويرجع أسباب هذا الشقاء الى ” تأتأة لساني المزمنة، واهتزاز كفّي اليسرى، وحَوَلُ عيني اليمنى الذي كان يستهوي عفاف كثيراً، فهي ورثت بعضه – ص 66 الرواية ” . وهو الشاهد الحي على التحولات السوسيولوجية التي تصيب مدينة بغداد من : دخولها في موجة الطائفية المقيتة، وانتشار الامية والتخلف، ونشوء طبقة من امراء الحروب، والنهب والسلب، وترسيخ الخرافة واعتمادها كدليل للمواطن في علاقاته الاجتماعية، وما يصيب عائلته من انسحاق وتشتيت، كل ذك يجعله يؤمن بحكمة نحن أحياء وأموات معاً .

رغم انه من زبائن الكلجية المزمنين، الا انه كان يشتهي الخالة فتحية كلما يرها جالسة على كرسيّها الخاصّ، فهي ” أكثر امرأة اشتهيتها – ص 87 الرواية “، لكنها كانت أقوى منه، فتركها، أما انتقامه من المارينز، فكان يعتبره هو البقاء، أي استمراريته بالحياة ” وجودي وحده هو انتقامي الضعيف من المارينز – ص 88 الرواية ” . وفي هذا الخطاب ، وخطاب الروائية يشخص ” ويضمّن خطاب الآخر، ويخلق له منظوراً، ويوزع ظلاله وأضواءه، ويصنع وضعيته وجميع الشروط اللازمة لإسماع رنينه . وأخيراً فإنه بنفاذه إليه من الداخل يدخل فيه نبراته وتعبيراته، يخلق له خلفية حوارية ” 10 .

أما هلال فلا أود أن اطيل، وهذه الاسطر الاتية سوف تبين وضعه وحالته التي يعيشها في لندن، التي وصلها عام 1969، لم يستطيع أن يجعل نفسه في وضع احسن من وضعه الذي كانه في العراق، فاصبح في اسفل درجات الحياة :

” زواجي من سيّدة شبه خرفة وثرية، أجمع لها كلابها الأربعة للقيام بنزهتها يوميّاً، وصون حياتها، والعناية بصحّتها، واستحمامها اليومي، وتنظيفها من البول اليابس، ورفع غائطها من الشوارع، على شرط أن لا يُسمع لي صوت – ص 124 الرواية ” .

ويختصر الدكتور كارل فالينو، وضع عفاف أيوب بعمق، ورؤية ثاقبة، من حيث وضعها الوجودي والصحي، ومدى عمق علاقتها ببغداد وبباريس، أي بالمدن التي تبدأ بالباء، بين بغداد الفاسقة وباريس المستبدة :

” لم تكن سعيدة في المنفى، ولم تحنق على بلدها، فكانت وحيدة في المكانّين – ص 131 الرواية ” .

إما يونس المشوش والمرتبك، فقد أنشات الخالة سنية علاقة جنسية معه، وكانا يلتقيان في شقته، ” سأتوقّف أمامها، وهي مضطجعة على سريري في شقّتي، وأنا أرى طيف عفاف في بهاء لحم ومسام وبطن وظهر سنية . تستلقي ولا تتحدث – ص 175 الرواية ” . علاقة غير طبيعية، غير متوازنة، محكوم عليها بالفشل مسبقاً، وهو ” العوازة ” كما اطلق عليه من قبل عفاف وطرب . علاقة تعمل على أطفاء حرائق الأثنين، وخالية من الحب .

وسنية قامرت بكل ما تملك، حتى جسدها قامرت به، بالأضافة الى تزويرها لتواقيع أختيها في بيع الوقفيات، واصبحت سنية ” تشبه المدينة المكلّلة بالخديعة – ص 177 الرواية “، وعلى اثر ذلك تختفي سنية ايضاً، هل غادرت خارج البلد ؟ هل قُتلت ؟ هل انتحرت ؟ لا أحد يدري، فقط لا وجود لها . عائلة ملعونة، لعنت بالموت ما بين الانتحار / الخال سامي ، والخطف / الاب أيوب ال، والاختفاء / عفاف – سنية، والفرار / هلال، والبقية كانوا أحياءّ وأمواتاً معاً، كالوطن الذي استباحه الفاذرية الجدد ليفعلوا به ما يفعلون .

في مقابلة في تلفزيون فرانس 24، تقول عالية ممدوح : ” الكتابة هي الذهاب الى أقصى المغامرة ” . أو الذهاب الى الأسطورة، لأسقاطها على الواقع، من هنا يتبين لنا لماذا طرحت عفاف أهم سؤال، الذي هو : هل ارتحلت إيثاكا ؟ رغم انها تعرف مقدماً، بان ” إيثاكا شخصية سَرْديَة مُهلكة لمَنْ ينتظر الوصول إليها ، والمدينة على بُعد إصبع منه، فلا يصلها – ص131 الرواية ” ، ففي الأسطورة يلعن اوديسيوس ملك إيثاكا وبحارته بألتيه في البحر، لمدة عشرة سنوات، وتبقى زوجته بينيلوبي تنتظره، وهنا يصبح من حق المتلقي أن يتساءل، هل المدن الحقيقية أو الأسطورية انصرفت عنا بعيداً ؟ والانتظار أصبح كانتظار جودو الذي لا يأتي أبداً، وهل الأمل اصبح وهماً ؟ أم شطبت كلمة الأمل في جميع المعاجم ؟ وتشعر الروائية بجاذبية ” نحو كل ما هو غير منجز . وقد يظهر داخل مجال التصور لدى أي شخص من شخوص المؤلف، وقد يصور لحظات حقيقية في حياته أو أنه يلمّح إليها فقط، وقد يشارك أبطاله الحديث، فيكون الكلام الذي يتصوره المؤلف على نفس مستوى الكلام المتصوَر ( بالفتح ) للبطل، وقد تنشأ بينهما علائق حوارية وعلائق هجينة ” 11 .

واخيراً، هل نردد ما قالته الروائية بأن الرواية هي ” رواية الخسرانين المتلعثمين في لسانهم الأصلي وعبر ألسنتهم الهروبية أيضاً ” 12 .

الهوامش والاحالات

*عالية ممدوح – التانكي ” رواية “، منشورات المتوسط ، ميلانو / ايطاليا، 2019 .

** اعيد استعمال الاسم من قبل الجيل الجديد، بُعيدّ الاحتلال، لأن جثث المغدورين – في الاقتتال الطائفي – عام 2006 وما تلاها كانت تلقى فيه .

1- باتريشيا وُوه، الميتافكشن : المتخيل السردي الواعي بذاته النظرية والممارسة، ت : السيد إمام، ص 13، دار شهريار، البصرة – العراق ، 2018 .

2- م . ن . ص 45 .

3- تزفيتان تودوروف – القراءةُ بناءً، القاريء في النص : مقالات في الجمهور والتأويل ، تحرير : سوزان روبين سليمان – إنجي كروسمان، ترجمة : د. حسن ناظم و علي حاكم صالح، ص 94، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، 2007 .

4 – عالية ممدوح – جدلية العنف في المسكوت عنه في الرواية العربية، مجلة فصول، العدد1 في 1/ يوليو / 1998، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة .

5- عالية ممدوح – حوار مع محمد ناصر الدين، جريدة الاخبار العدد 3830 في 10/ 8 / 2019، بيروت – لبنان .

6- م . ن .

7- جيرالد برنس – قاموس السرديات، ترجمة : السيد إمام، ص 135، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة 2003 .

8 – ميخائيل باختين – الخِطَابُ الرّوائيّ، ترجمة : د . محمد بّرادة، ص 149 ،رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2009 .

9 – عالية ممدوح – حوار مع محمد ناصر الدين، جريدة الاخبار، العدد 3830 في 10/ 8 / 2019، بيروت – لبنان .

10 – ميخائيل باختين – الخطاب الروائي، ص 221 .

11 – ميخائيل باختين – الملحمة والرواية، ترجمة : د . جمال شحيد، ص 50، معهد الانماء العربي، بيروت – لبنان، 1982 .

12- جريدة الاخبار ،العدد 3830 في 10 / 8 / 2019 .

https://alriwaya.net/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b1%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8f%d8%aa%d9%91%d8%b4%d8%b8%d9%92%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d9%92-%d8%a7%d9%84/?fbclid=IwAR0I9Ppy62bKyDAUm3mePpeof_nwGg0Jss0PybaFS0Poz4-RTxz0pPq0bEE