مبدعون في العزلة الـ «كورونيّة»: لو يصمت العالم... قليلاً!

عالية ممدوح *
أريد أن يجدني جالسة ومسترخية بدون غضب ولا بغض فيما لو حضر. سمعت نفسي تنتحب بدون صوت، لكن بعد لحظات كان النشيج قد بدأ يتصاعد بالتدريج، فقهرت صوتي لكي لا يصل إلى الطوابق العليا من العمارة التي أشغلها منذ عقود في الحي الخامس عشر في باريس. هنا في هذه العاصمة، عليك أن تقيم حدوداً بينك وبين الدموع المباحة. لا بأس عيناك ممتلئتان مترعتان وهما ماضيتان في اللاتوقف. شعرت أن على الحزن والانتحاب أن يبقيا بين شقوق الجدران مثل نمل شره، على الأحزان أن ترتدي أحذية رياضية لكي لا تثير الجلبة. ما هذا الجو المذلّ؟ ها هي السيدة المريضة جالسة تكتب، ليس وصايا للمحبوب، تكتب كما لو كانت تريد إطلاق النار على أفعال الصراخ فيما لو ارتفع قليلاً عن المألوف بسبب المرض، مرضي. كنت أذهب إلى الجانب الآخر من العالم، بلدي العراق ونحن نغرف من حوض لم يتوقف يوماً عن الامتلاء بالدموع، وكنا نستمتع بحرية تامة في بسط أكفّنا وأذرعنا ونحن نمسح أو نلتقط دموع أهلنا وإخوتنا. كانت لدينا الأوقات كلها لكي نضفي وظيفة مدعمة بجميع السلالات التي مررنا بها. الدموع هي التشبّث بحرمة البيوت والمساكن التي حافظنا عليها من عوادي الاندثار فمهرت بالشخصية والثقافة والإرث العراقي. هناك لا أحد يبكي بمفرده فيحضرون لكي يكون الانتحاب هو قول الحقيقة.
‎عشت تحت مظلة احتضار بدأ يتضاعف وأنا أريد أن يكون صوتي مرتفعاً في إعلان ذلك وأمام حالي، أضعه في عنقي وأربطه بظلفة الشباك الذي فتحته إلى الأخير، وأنا أنتظر ختام النزهة. على السيدة التي ستموت وهي مقطوعة الأنفاس والأصوات أن تبدو رابطة الجأش، لا يجوز أن تكون القوانين الفرنسية بهذه القسوة فيما لو صرخت عالياً، هكذا تراءى الأمر لي. حسناً، أريد أن أنادي على ابني بالدموع، أغمره بصوتي المبحوح العليل. كان لديّ اسطول تام من عدة الألم، وما عليّ إلا أن أجد مكاناً له في هذه اليوميات (مقطع من «كتاب النقص» المعد للنشر).
* روائية عراقية

السبت 21 آذار 2020

https://al-akhbar.com/Literature_Arts/285999