«درس كونديرا»… في أولوية المثقف على السياسي

 سعيد خطيبي
استعاد ميلان كونديرا الجنسية التشيكية، التي سحبت منه قبل أربعين عاماً، واعتذرت منه حكومة بلده، التي أقرت أخيراً بفضل الرجل، وأحقيته في التاريخ الأدبي، بل إنها انصاعت إلى رغبته بأن يتم ذلك الحدث في بيته، وفرض عليهم أن يطرقوا بابه في منفاه الباريسي، لا أن يذهب إليهم، ولا أن يُقام الحدث في محفل رسمي أمام الكاميرات، كما أرادوا، لقد كسب الكاتب حرباً نفسية، ومحا ظلماً رافقه أربعة عقود بعدما نشر مقاطع أولى من «كتاب الضحك والنسيان» (1979)، ورد الاعتبار الذي ناله، هو رد اعتبار لكتاب آخرين من مواطنيه أساءت لهم السلطة، في سنوات الشيوعية التي طغت فيها البلطجة على العقل.
إن ما حققه كونديرا ـ وقد تجاوز التسعين من العمر ـ من إقرار السلطة بمثقف وانحنائها له، ليس حدثاً معزولاً، بل درساً يستحق أن نعود إليه باستمرار، في أولوية المثقف على السياسي، في ضرورة أن نتعلم مما حدث، ونعمم الدرس، لاسيما في الجزائر، فهناك كثير من الكتاب لم تسقط عنهم الجنسية، لكن سحبت منهم حقوق أخرى لا تقل أهمية، فهل تتعلم السلطة الجزائرية وتتنازل عن تعنتها وتفعل مثلما فعلت نظيرتها التشيكية؟
توفي محمد ديب (1920-2003) في باريس، ثلاثة أشهر بعدما أصدر آخر أعماله «سيمورغ»، وقد أسقطت عنه قبل ذلك التاريخ حقوق كثيرة، استبعد من الخريطة الثقافية، بل إن وزارة الثقافة امتنعت، أكثر من مرة، عن تلبية رغبته في إعادة طبع أعمال له، أراد أن يكسب منها مالاً قليلاً يدفع به تكاليف الدواء ومصاريف العيش، لم تشفع له ثلاثيته «الدار الكبيرة، الحريق والنول» ولا ماضيه في أن ينال إقراراً ولو بسيطاً، مات لا يملك بيتاً بل كان مستأجراً، وحين أعلن عن رحيله، تسارعت الأحداث بإنشاء مؤسسة مكرسة لأعماله، وتأسيس جائزة أدبية تحمل اسمه، فقد أغمض عينيه نهائياً بدون أن يرى نور أمل من وطنه، وكان يجب أن ينتقل إلى الحياة الأخرى كي يستشعروا الألم الذي سببوه له، فقد أصرت السلطة في الجزائر على موقفها، على عدم مدّ حبل يعيده إلى أرضه، وهو الكاتب الذي تربت أجيال على القراءة له، وعلى مشاهدة مسلسل مقتبس من رواية له، لقد مات حياً، حين تنكر له الوطن الذي ولد فيه والذي كتب لأجله، واعتقدنا أن ما حل بمحمد ديب سيكون خاتمة سلسلة من النكران، لكن بعد سنوات قليلة تكرر سيناريو مماثل مع المفكر محمد أركون (1928- 2010)، الذي لفظ أنفاسه أيضاً في منفى.
طال منفى آسيا جبار أكثر من ثلاثين سنة، ولم تستقبل في بلدها من طرف المسؤولين سوى في كفن، شتاء 2015، كما لو أنه لم يبلغهم نبأها سوى بعد رحيلها، حرصوا على الظهور ببدلاتهم الرسمية في جنازاتها، وأن يتناوب على تأبينها أمام القنوات التلفزيونية
وعلى غرار محمد ديب، عاقب أركون السلطة التي أدارت له ظهرها، ودفعته للطواف خارج بلده، بأن أوصى أن يدفن في المغرب لا في الجزائر، فقد انتظر أركون سنوات طوال أن تراجع الحكومة موقفها منه، وهو الذي خرج من الجزائر قسراً، بعد أن تكالب عليه متطرفون ينعمون بحماية السلطة، كرس حياته في البحث والتدريس والتأليف، بدون أن ينفصل اسم الجزائر عن اسمه، وبدون أن يلتفت إليه واحد من المسؤولين الرسميين، وفي سنواته الأخيرة زاد شعوره بالقهر الذي ألحق به، وهو الذي خدم الجزائر أكثر مما خدمها أصحاب القرار فيها، لكن كرامة النفس منعت عنه أن يستجدي نظرة منهم، ولم ينتبه إليه أحد من الجالسين في قصور الحكم ومكاتبها الفسيحة، سوى عندما أعلن عن موته، سارعوا لحظتها في استدراج جثمان الفقيد، لكن الوقت كان قد فات، فقد حسم أمره، وقرر عدم العودة إلى بلد تحالف في تكفيره وتجاهله.
طال منفى آسيا جبار أكثر من ثلاثين سنة، ولم تستقبل في بلدها من طرف المسؤولين سوى في كفن، شتاء 2015، كما لو أنه لم يبلغهم نبأها سوى بعد رحيلها، حرصوا على الظهور ببدلاتهم الرسمية في جنازاتها، وأن يتناوب على تأبينها أمام القنوات التلفزيونية، على الرغم من أن لا أحد منهم ذكر شيئاً من أعمالها، وأغلب الظن أنهم لم يقرؤوا لها، وكي يطمروا جحودهم وتناسيهم المقصود لصاحبة «ما أوسع السجن» قرروا على عجل استحداث جائزة باسمها، في مشهد يذكرنا بما حصل بعد وفاة محمد ديب، ثم اكتفوا بإطلاق اسمها على مكتبة صغيرة قريبة من مسقط رأسها، وعادت آسيا جبار إلى النسيان تماماً كما جاءت، ففي منظورهم لا يليق أن نرفع اسمها على جامعة مثلاً، فالجامعات في الجزائر حجزت تسمياتها لعسكريين وسياسيين، والأدباء لا حظ لهم سوى في الاصطفاف في الطابور خلفهم. لا يرد اسم بوعلام صنصال (1949) بدون أن يُلحق ـ في أغلب الحالات ـ بعبارات مسيئة، وفي محاولة لشيطنة الكاتب والنيل منه، بل هناك من سيفرحه لو أن الجنسية الجزائرية سحبت منه، قبل أشهر هللت جريدة محلية بأن الرجل يقترب من نهايته، بعد أن أورد مراسل لها خبراً يفيد بجدولة محاكمة بوعلام صنصال، وانطلقت الجريدة ذاتها في التغريد والتعليق، وفي الوعيد بأن الكاتب المثير للجدل سوف يُساق إلى زنزانة، قبل أن يتبين أن الأمر يتعلق بتشابه أسماء مع شخص آخر، فكتمت صوتها، في خيبة، تلفها أمنية بأن يلحق أذى بصاحب «قسم البرابرة»، فما يتعرض له بوعلام صنصال من حملات تشويه في الجزائر يتجاوز العقل في أحيان كثيرة، ويميل المتحاملون عليه إلى نفي نتاجه الأدبي، بالمقابل لم يغير صنصال من مواقفه الصارمة إزاء السلطة السياسية، فهل تترفع عن تهجمها على الكاتب، وتمد له يد مصالحة مثلما فعل التشيكيون مع كونديرا؟ أم أنهم لم يستوعبوا الدرس؟
إن قائمة الكتاب الذين سحبت منهم حقوق معنوية في الجزائر طويلة، منذ جان موهوب عمروش وجان سيناك إلى مولود معمري، الذي لم يلق اعترافاً إلا بعد وفاته، وتشمل أيضاً الروائية نينا بوراوي، التي بالكاد تذكر أصولها الجزائرية، بسبب إعلانها مثليتها، وتضم القائمة ممثلين مثل محمد فلاق، وعلى الرغم من تغير رأس الحكم السياسي، فلا شيء ينبئ بانفراج، ولا شيء يوحي بأن «درس كونديرا» قد وصل إلى الجزائر.

٭ كاتب من الجزائر

https://www.alquds.co.uk/%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D9%83%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84/