الحقيقة في سترها وسفورها

عبد السلام بنعبد العالي
«يدل النص على الثوب. إلا أننا، حتى الآن قد حمَلنا الثوب محمل المنتوج، محمل الحجاب الجاهز الذي يتخفى من ورائه المعنى (والحقيقة). أما الآن، فإننا أصبحنا نحبذ في الثوب الفكرة التكوينية التي ترى أن النص يبني نفسه ويعمل فيها من خلال تشابك لا يتوقف. إن الذات وهي تتيه في هذا الثوب ـ هذا النسيج ـ فإنها تتحلل فيه مثل عنكبوت تذيب نفسها في الإفرازات التي تكوّن شبكتها. إذا أحببنا استعمال الألفاظ المستحدثة، فإن باستطاعتنا

أن نحدد نظرية النص كما لو كانت هيفولوجيا (من الهيفوس الإغريقي الذي يدل على الثوب كما يدل على شبكة العنكبوت)» رولان بارت، لذة النص.
«تروي الحكاية أن الحقيقة والكذب التقيا ذات يوم. بعد تبادل التّحايا، لاحظ الكذب: يومٌ جميل. تأكّدت الحقيقة من صدق ذلك، فردّت موافقة: إنه بالفعل يوم جميل. النهر أجمل، أضاف الكذب مبتسماً. وجّهت الحقيقة نظرها نحو النهر، فتبيّنت أن الكذب قال صدقاً، فحرّكت رأسها موافقة. سارع الكذب نحو الماء، فصاح: الماء جيّد ودافئ، هيا نسبح. لامست الحقيقة الماء للتأكد من دفئه وجودته، فوضعت ثقتها في الكذب. خلع الاثنان ثيابهما وأخذا يسبحان بكل اطمئنان.
بعد مضيّ قليل من الوقت خرج الكذب متسرّعاً فلبس لباس الحقيقة وانصرف. أما الحقيقة، التي عجَزت عن ارتداء ملابس الكذب، فقد أخذت تمشي عارية من غير ملابس. ابتعد عنها الجميع عندما رأوها عارية. من شدة حزنها وشعورها بأنها مهجورة، لاذت بقعر بئر كي تتستر... ومن يومها أخذ الناس يفضّلون تقبّل الكذب المقنَّع بلباس الحقيقة على الحقيقة العارية».
مسألة مظهر؟
ماذا تقول هذه الحكاية؟ يبدو لأول وهلة أنها تقول إن مسألة الحقيقة، على خطورتها، تؤول في النهاية إلى قضية لباس ومسألة مظهر، وإن العرْي ينزع عن الحقيقة هيبتها، بل ويجعلها منبوذة مهجورة. كأن الحقيقة العارية ليست حقيقة، كأنها خداع، فهل العري بالفعل خداع ماكر؟
هذا ما يظهر أن بعض اللغات تؤكده. ففي كتابها الشائق: «بلباس حواء» تُبيّن دلفين هورفيلر أن الكلمة التي تعني «العُرْي» في الكتاب المقدس، تدل في الوقت ذاته على المكر والخداع. نقرأ في ص 58: «كلمة واحدة هي ذاتها تعني العري والمكر، وهما مفهومان يبدوان متضادين، شفافية اللباس ضد عتامة النوايا».
إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة ولا الوضوح. ففي الصفحة ذاتها تعود الكاتبة لتشير بأن اللباس كذلك يحيل إلى المفهوم عينه الذي يشير إليه العري، فهي تنبّهنا أن اللفظ بيغيد begued في العبرية يعني في الوقت ذاته اللباس والخيانة: «اللباس هو ما يخفي الحقيقة، إنه كذب ملبوس». في هذا المعنى تحيل الكلمة العبرية التي تدل على المعطف ميعيل me’il على الخيانة الزوجية. وفي اللسان نقرأ معنى مماثلاً عندما يقارب بين اللباس والخلط: «واللَّبس واللِّبس اختلاط الأمر. لبَس عليه الأمرَ يلبِسه لبسا إذا خلطه عليه حتى لا يعرفَ جهته».
لا يحمل اللباس إذاً دلالة بعينها تمكّننا من التمييز بين حقيقة متحجِبة وكذب تزيَّن بلباسها. لذا تتساءل صاحبة «بلباس حواء» في النهاية: «إذا كان العري مرادفاً للخداع، وإذا كان اللباس يعني الكذب فبماذا (ونضيف نحن: لماذا) تتلحف الحقيقة؟»
ربما ينبغي للإجابة عن هذا السؤال أن نميّز بين لباس ولباس: لباس ينضاف إلى الجسد ويُرمى فوقه، لباس يكسو الجسد، وآخرَ، كما يقول نيتشه: «لا يُخفي شيئاً سوى ذاته». مفهومان إذن عن الكائن وعن الحقيقة وعن اللباس: مفهوم يقول بالتستر، ويؤمن بوجود البواطن والأقنعة، بوجود سطح غير شفاف يحجب حقيقة الأشياء. إلاّ أن هذا السطح في نظره يغلّف ما هو أهمّ منه، إنه يخفي الأعماق التي لا يمكن أن تظهر إلا بإلغائه. أما المفهوم المضاد فيقيم سطحاً لا عمق له، وظاهراً لا باطن له. «فإذا كان هناك لباس كما يقول نيتشه، فلا شيء من ورائه، إنه سطح لا يُخفي شيئاً سوى ذاته». لذا يتساءل صاحب «أفول الأصنام»: «ما هو الظاهر عندي؟» فيجيب: «من المؤكد أنه ليس عكس الوجود. فما عسى يمكنني أن أقول عن الوجود مهما كان اللهم إلاّ صفاتِ ظاهرة! إن الظاهر ليس عندي قناعا لا حياة فيه، الظاهر عندي هو الحياة والفعالية ذاتها. إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني بأن لا وجود إلا للمظاهر». فبينما يعتبر المفهوم الأول أن السطح يخفي من ورائه الأعماق، فإن الأعماق هنا لن تعود إلا نتيجة للوهم الذي يبعثه فينا السطح الذي يمنعنا من أن ننظر إليه كسطح، ولكنه ليس السطح الشفاف، إنه سطح ثري.
تمجيد الحياء
كتب نيتشه في تمهيده لكتاب «العلم المرح»: «إننا لم نعد نعتقد أن الحقيقة تظل حقيقة من غير لباسها. لقد عمّرنا ما يكفي لكي نؤمن بذلك. أصبحنا نعتبر أنّ من باب الحشمة والحياء ألا يرغب المرء في أن يرى كل شيء في عرائه... علينا أن نمجّد أكبر التمجيد الحياء الذي تتحلى به الطبيعة، والذي يجعلها تتستر وراء الألغاز وعدم اليقين. ربما كانت الحقيقة امرأة تعرف لماذا لا تفصح عن أسبابها ومبرراتها؟... عجبا لهؤلاء الإغريق! لكَم كانوا يعرفون أسباب العيش. إن ذلك يتطلب البقاء عند السطح، عند ثنايا الثوب، عند القشرة والبَشَرة، إنه يقتضي عبادة المظهر، والإيمان بالشكل، والأصوات والكلمات، الإيمان بأولمب المظهر. لكم كان الإغريق سطحيين.. من شدّة عمقهم».
هذا الربط بين الحقيقة والمرأة واللباس نلفيه في «اللسان»: «والعرب تسمّي المرأة لباسا وإزارا. قال الجعدي يصف المرأة: «إذا ما الضجيع ثنَّى عِطفها تثنّت، فكانت عليه لباسا».
في كتابه «في ماهية الحقيقة»، ذلك الكتاب الذي كان ينبغي، كما يقول هيبوليت، أن يُسمّى «في ماهية الخطأ»، يلحّ هايدغر على ترجمة الكلمة الإغريقية أليتييا باللاتحجب. وهو ينبّهنا أنه عندما يستعمل اللاتحجب ترجمةً لتلك الكلمة عوض لفظ الحقيقة، فذلك ليس حرصا منه على الحرفية في الترجمة فحسب، وإنما إشارة إلى ضرورة إعادة النظر في المفهوم المتداول للحقيقة. فكأنما يريد أن ينقلنا من إشكالية إلى أخرى، أو، إن أردنا أن نستعمل لغته هو، من عصر إلى آخر، وبالضبط إنه يريد أن يرجع بنا إلى الأصول الإغريقية للكلمة، إلى يونان، وإلى هيراقليط على الخصوص، الذي كان يقول: «ما يميّز الظهور هو الاختفاء». الإخفاء إظهار: لا يعني هذا فحسب أن التحجب هو كيفية من كيفيات الظهور، وإنما أن كل تحجب هو إبراز وكشف وإظهار. نقرأ في اللسان في بابي السرّ والإخفاء:«أسر الشيء: كتمه وأظهره... سررته : كتمته، وسررته : أعلنته». «خفا البرق خفوا : لمع. خفا الشيءُ خفوا: ظهر... خفيَ الشيءُ، أخفيته:كتمته، وخفَيته أيضا: أظهرته وهو من الأضداد»
كتب هايدغر في مقالات ومحاضرات: «ما من شك في أن كل ما يتحجب على هذا النحو يبتعد عنا، إلا أنه يعمل بذلك على أن يأخذنا معه ويجرنا نحوه على طريقته. ما يتحجب يبدو غائبا غيابا تاما. إلا أن هذا مظهر خادع. فما ينسحب لهو حاضر بحيث يجذبنا سواء تبينا ذلك حينه أو فيما بعد، أم لم نتبيّنه البتة. ما يجذبنا يكون قد سمح لنا بأن نبلغ نقطة الوصول. حينما نبلغ حركة الانسحاب نكون قد اتخذنا طريقنا نحو ما يجذبنا عند انسحابه».
الواقع الخام
قوة ظهور الأشياء، وهي ما أطلق عليه الإغريق اسم الوجود، تختفي لتفوّض أمرها، و«ترسل» ممثلا عنها يمثلها بجميع معاني الكلمة بما فيها القدرة على التشبّه simulation التي تجعل الأمور تتشابه فتوقع المدرك ضحية شُبهات. ما يظهر ويضيء يتخفى ويكتِم حقيقته فيتيه بالموجود، ويقيم عالما من الضلال. لذا فإن كل حصول تاريخي لا يكشف نفسه في العراء. وهكذا يتستر الوجود بكيفيات مختلفة ليفسح المجال لانكشاف يُفَكّر في الحضور من خلاله.
نفي «عري» الكائن هو نفي الواقع الخام، نفي الإحالة. يقول نيتشه: «ليس هناك حادث في ذاته. فكل ما يحصل ويتمّ ليس إلا مجموعة من الظواهر التي انتقاها واختارها كائن مؤول». ذلك أن القول بالواقع الخام هو قول بالشفافية وحضور المعنى، ونفي لخبث العلامة ومكرها. في حين أن العلامة لا تحيل إلاّ إلى علامة أخرى. في هذا الصدد يقول زرادوشترا نيتشه «إن جميع أسماء الخير والشر ليست إلا مجموعة من الرموز. إنها لم تعد تعبر exprimer، وإنما هي تدل وتعني وتحيل signifier».
اهتمام نيتشه بالاشتقاق اللغوي يتنافر وكل تاريخ وقائعي. الاهتمام باللغة وإعطاؤها هذه المكانة، ليس عند نيتشه وحده وإنما في ما أعقب فلسفته وتمخّض عنها، هو نفي الإحالة. لذا يؤكد نيتشه: «إن ما يهمنا هو معرفة الكيفية التي تُسمى بها الأشياء، لا معرفة ماهيتها، فما يشتهر به شيء ما، إن اسمه ومظهره وقيمته وقياسه ووزنه، كل هاته الأمور التي تنضاف إلى الشيء بمحض الصدفة والخطأ، تصبح، من شدة إيماننا بها، يشجعنا على ذلك تناقلها من جيل لآخر، تصبح بالتدريج، لحمة الشيء، ويتحول ما كان مظهرا في البداية إلى جوهر substance، ثم يأخذ في العمل كماهية».
هذه«المسرحة» التي تسدل الستار حتى إن رفعته، وتَضَع اللثام حتى إن أماطته، وتلبس الحجاب حتى إن نزعته، تطال الكائن في جميع أبعاده، وهي التي تتحكم في إنتاج المعاني وتحديد الدلالات. ليس اللباس، والحالة هذه، غطاء يوضع «فوق» ما يستره، بل هو انثناء ما يظهر. إنه فعل الطيّ ذاته pli. على هذا النحو يتخذ فن التستر بعدا أنطلوجيا، ولا تعود السرية معانيَ تحتجب، وأقوالا تُكتم، وإنما تشير إلى جدلية الظهور والاختفاء. لكن الأهمّ من ذلك أنها تجعل التحجّب بنية للكائن وليس كتمانا للأسرار، وصونا للجواهر، وحفاظا على الألباب، كما تجعل الحياء، قبل أن يغدو حالة سيكلوجية أو وظيفة اجتماعية أو أخلاقية، تجعله خاصية الكائن، وبنية الوجود. لأن الوجود يتحلى بالحياء، فذاك ما يجعله، كما قال نيتشه، يتستر وراء الألغاز وعدم اليقين..

 

https://www.alittihad.ae/article/26833/2019/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D9%88%D8%B3%D9%81%D9%88%D8%B1%D9%87%D8%A7