روايــة «غــرام براغماتــي» أنموذجــاً

قيــم العولمــة وتمظهراتهــا وأثرهــا فــي تشــكّل النــص

 جميلة عبد الله العبيدي

«في رواية (غرام براغماتي) تستعيد الكاتبة الزمن الشخصي، الزمن الذي ينمو لصق حميمية جسدها وذكرياتها، عبر استعادة لحظات وعيها (الشقي) بهذا الزمن، إذ تبدو بغداد التي تخصها بعيدة والمنفى الذي لا يخصها حاضراً، وهذه الثنائية الصراعية تستعير من العنوان دالته المفارقة، فالحب الموحي بالحنين والاستعادة واللذة، مقابل خلافي لما علق به من (براغماتية) مضللة بمعنى استعاري شاحب هارب» .

لقد عرف ((ريموند وليمز)) في كتابه الكلمات المفاتيح البراغماتية بالعملية وهو تعريف يناسب هذه الرواية، كون البطلة تعيش حباً مبنياً على تقنيات حديثة لا تختزل كل أحاسيسها المتفجرة ورغباتها الكثيرة، واضطرابات نفسها، وفي الوقت نفسه فحبيبها بعيد ينتقل إليها عبر طريق طويل، ويمارسان لعبة الحب عن طريق التقنية .

لقد قسمت الكاتبة الرواية إلى عناوين داخلية، يتقيد المتن فيها بالعنوان كدالة رئيسية للحدث، والغالب أن العناوين هنا هي احتشاد للأمور المؤرقة للذات الساردة، وهي في الوقت نفسه صوت ٌ آخر للبلد الجريح ((العراق)) وصوت أبنائه المتطلعين للغد.
ورغم خصوصية بعض العناوين، إلا إن بعضها يرقى ليكون هما جمعيا متحولا بذلك عن الذاتية، ونستطيع القول إن العنوان الأول ((أصوات)) هو اللاعب الرئيس بحبكة الرواية والمتحكم فيها كما أسلفنا، ولا نغفل أهمية العناوين الأخرى المتدرجة من الخاص إلى العام إلى شديد الخصوصية ((أصوات /الأعضاء /العادة الشهرية /روتين/ماعون الفاصوليا اليابسة /الترك /العشيقة الآفلة /دبلوماسية / /الحمام/عادي/حضرت لكي أحبك /القفا/الشم /الحموضة والحلاوة/ملل الصياد/خزانة الملابس المستعملة /الأزرار والبطانة /نصف على نصف/جميل كعمل فني /....و...../الكائن الانتهازي /الرجل التالي/ من أدّ أيه كنا هنا /أسرار الحيطان /فقه الغرام /أموت عليك /أدخل الموضوع يا حبي /أنت السرير وأنا نومك /بين المرض والمريض)) هذه العناوين تشي بانتقائية الهموم المؤرقة للذات الساردة، ويحمل كل عنوان ثيمة معينة للمتن الذي يعقبه، في محاولة للتركيز على نقطة بعينها بعيدا عن المباشرة والخلط بين الدلالات, لذا استخدمت الكاتبة تقانة المذكرات المعنونة، لإبعاد الرواية عن الخطابية المباشرة وتنويع المتن، وتتحكم في هذه العناوين عوامل كثيرة ترتبط بالرواية وتراتبها الحدثي والزمني.

المتن الحكائي

تندرج هذه الرواية ضمن روايات التقنية الحديثة، فقد شاركت التكنولوجيا والعولمة في خلق وتشكل النص في هذه الرواية، بداية بالمونولوج الذي يحتل الركيزة الأولى، وهو المطلع في رواية تميزت بتناوب للسرد، وتناوب أفعال الشخصيات، والتي شكلت أزمة الرواية ((الحب عن بعد)) عبر متواليات عدة وتداخلات تفضي في النهاية إلى ذوبان كلي للشخصيات ما عدا شخصية الراوية والحبيب.
تسرد الرواية مشكلة الحب الحداثي الجديد الذي يتشكل بين قلبين في ظروف خاطفة ويصبح حبا طليعيا متحضر يختصر المسافة عن طريق المجيب الصوتي والذي هو مشكل حضاري وجوهري في المتن ويشكل صوتا آخر بالإضافة إلى الأصوات الأخرى «هذه الآلة تواسي (المغرومين) الوحيدين الهشين».
لقد وظفت الكاتبة هذه التكنولوجيا ((المجيب الصوتي)) في الرواية توظيفا بنائيا، إذ يبدو استخدام هذه التقانة وفق تراتب زمني مخطط في الوقت الذي تستعيد فيه مونولوجات قديمه لمحاكاة الصوت الحديث وكأنها توازي بين صوت الماضي وصوت الحاضر «صوتكَ به شبه نادر من صوتها، يتفرع ويتبرعم، يصير حادا كالسكين، ورقيقا كالنسيم».
إن الرواية هنا ليست رواية حدث كون أحداث عدة ظهرت متوازية مع الحدث الرئيسي للرواية وكما أسلفنا فإن الرواية مقسمة إلى عناوين لكن يظل ((المجيب الصوتي)) وصوت ((الأم)) العمود الفقري للرواية أو الجذر الذي تتفرع منه الشجرة .
إن استقلالية الأجزاء بعناوينها الخاصة لا تعد إشكالية بنائية لأن الكاتبة استطاعت أن تصهر وتقولب كل نص مع الحفاظ على خصوصيته لتشكل عقدا منتظما من الأحداث المترابطة، ولا ننسى تناوب السرد وتفاوت الأصوات وتقنية الرسائل الصوتية والمذكرات وما تخفيه وتموهه في المتن السردي .
طبيعة السارد وتعالقاته:
نستطيع أن نتحدث عن طبيعة السارد هنا من خلال محورين هامين هما:
ـ بنية النص الروائي ومشكلاته.
ـ القيم المبثوثة في الرواية والتي تعبر عن رأي الراوي والروائي.
إن السارد هنا هي ((الأنا)) التي تتعالق في شخصيتين شخصية الفتاة حبيبة والدتها وصديقتها في نفس الوقت وهي نفسها الفتاة الحالمة البسيطة من بيئة محلية شديدة الخصوصية وشخصية الفتاة المشهورة ((المنشدة /الممثلة)) والتي تقيم في ((باريس)) بلا هوية أو خصوصية.
إن الراوية وفي تينك الشخصيتين تقدم لنا أنموذجا جميلا متعالقا للمنفى /الوطن، وللحضارة العالمية والعولمة ((باريس)) /للخصوصية المحلية ((بغداد))، إذ يظهر لنا في الرواية الظهيرة البغدادية وصوت القطط والأب النمطي الذي لا يدافع عن حريته، النخلات والفواكه، المدرسة التي لا تقيم الرواية لها وزنا حين لا تذكر تفاصيلها، الأم السمراء صاحبة الموهبة المدفونة، الحياة التقليدية والأحلام المتناسلة بالهروب إلى اللامألوف منها ((التمثيل، الإنشاد)).
كما يظهر لنا نمو الرغبات وتسلسلها ونضوجها تماما بعد مفارقة الوطن إلى المنفى، وفي المقابل نعيش مع الراوية في باريس ومحلات ((المونبارس)) والشقة الصغيرة، والمكتبة والمسرح وجمهور يستمع وحبيب يجوب العالم ويقطع المسافات للقاء حبيبته.
هناك حياة مختلفة تماما تعيشها الراوية كما يعيشها حبيبها ((بحر)) أو ((رالف ألن)) الذي يبدو في ثنائية الاسم شخصين مختلفين: الغربي والشرقي معا، الغربي الذي يتجول بدراجته ويحمل كاميراته لتصوير الحشرات ويرتاد بارات راقية ويحضر حفلات إنشاد في دولة غير التي يقيم فيها، والشرقي بحبه الذي لا يتعدى الجسد والذي لا ينتظر ثمرة من هذا الحب، كما أنه الشخص نفسه الذي يتقن لعبة الحب وما تحتمله من شد وجذب.
إن ((بحر الخليل)) كما تطلق عليه الرواية رمز على إيقاعية الحياة وتفاوتها في مكانين مختلفين بل أماكن عدة مختلفة، فالبطلة تسافر كثيرا كما يفعل ذلك ((بحر)) وفي الوقت ذاته فإن ((الشقة)) التي تبدو وطنا آخر للرواية هي أكثر استقرارا من المنفى الذي يبدو بطلا مكانيا وفضاء أوسع تتشكل فيه ((الأنا الساردة)).
إن تقانة الأصوات، والذكريات المرتجعة، والتوصيف الدقيق للشخصيات يعطي تصورا واضحا لطبيعة السارد من خلال مجريات الأحداث والذي يبدو مشاركا ومساهما وخالقا أيضا للأحداث كما إن الطبيعة النفسية للسارد توضح مدى انشغال الرواية بالبحث عن الحب وتأكيد بقاء الفتنة مع التقدم في السن، كما أن الساردة هنا مسكونة بأسئلة شتى تبحث عن هوية لها ومنشأ وجذور حين وجدت نفسها عالقة في مكان آخر لا يمت لها بصلة .
إن طبيعة السارد كذلك تظهر في تفاوت الزمن وشخصنته، هو زمن بطلة الرواية التي تعيد من خلاله ترتيب الأحداث, وهو الزمن نفسه الموسوم بالدينامكية والحياة بينما يبدو الزمن السلبي في الحديث عن الوطن المتخيل والذي هو ظل للمكان الرئيسي المنفى. أنه زمن الشخصية التي تحاول استعادة فتوتها وشبابها وذكرياتها في إيحاء بالتجدد ورفض تقدم السن.
كما أن ثنائية العلاقة أو الحب القائم بين اثنين منح طبيعة السرد خصوصية حميمة تبدو أفكار الرواية فيها, كونها تبث نظرياتها حول الحب والعلاقة في الرواية.
إذاً نستطيع أن نقول إن تجليات السارد بأصنافها التي أقرها تودوروف موجودة في الرواية بشكل متفاوت
السارد = الرؤية من الخلف ←تظهر في الحديث بصيغة الغائب ((الحديث عن الأم /الوطن /الأحلام/الحبيب الغائب ))
السارد=الرؤية مع ←تظهر في ضمير الخطاب ((الحديث إلى ومع الحبيب /حديث آنيتا أو الصديقات))
السارد =الرؤية من الخارج ←تظهر في الحديث بصيغة المتكلم والتي تعود إلى الذات الساردة والتي تتحكم في توصيف الشخصيات الأخرى في الرواية))
هذه المنطلقات الثلاث نجد امتزاجا بينها خاصة فيما يتعلق بالذات الساردة، والتي تتغلغل بعمق في النص وتؤثر على الرؤية الحكمية للشخصية ((شخصية البطلة)) من خلال الرؤية مع والرؤية من الخارج.
الوظائف الحكائية للأنا:
على اعتبار أن الرواية ذاتية وتسرد سيرة ذاكرة ووطن وعشق وعمر ممتد بين منفى اختياري وإجباري، كان لا بد من بيان الوظيفة الحكائية للأنا الساردة التي تمثلها الراوية في مستويين حياتيين مختلفين، الفتاة في الوطن /المرأة في الغربة
تتمثل وظائف الأنا في الرواية في عدة أفعال وظيفية تبين طبيعة الأنا فهي ((فتاة صغيرة حالمة/امرأة صاخبة الأنوثة /منشدة وممثلة /عاشقة بتجارب قديمة /عاشقة مختلفة مع كل حبيب تحبه /امرأة ذات منطق وتحب التسوق /امرأة تفقد أنوثتها تدريجيا بفاعل السن)).
إننا في بعض النماذج لا نستطيع أن نلمح أي وظيفة للأنا الساردة خاصة إذا كان في الأمر تشابك مع شخصيات أخرى، وفي الوقت نفسه نجد اختفاء للأنا حين تتحدث الراوية عن والدتها كأنها تذوب في شخصيتها فتصبحان واحدة بدلا من اثنتين.

تمظهرات العولمة وقيمّها في النص

لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من الوسائل التفاعلية ((المجيب الآلي)) والسفر والتسوق البريد اللألكتروني، الهاتف النقال، كائنات ذات حيزٍ فضائي في النص فأصبح المجيب الآلي بطلا يساهم في خلق الحدث ويتماهى معه، نستطيع إذاً أن نجعل هذا النص نصا يختزل تمظهرات العولمة وقيمها ونستطيع القول إن أهم القيم المبثوثة في الرواية المعولمة والتي ساهمت بدورها في تشكيل النص هي ما يلي:
ـ الحرية الشخصية وتبدو في العيش.
ـ إلغاء الهوية والأيديولوجيات.
ـ استخدام الوسائل التفاعلية والتقنية الحديثة البريد الاليكتروني، الهاتف النقال، المجيب الصوتي.
ـ تجاوز الحدود الجغرافية وتسمية أماكن كثيرة في دول مختلفة.
ـ الاندماج الكامل في المدينة والاغراق في تفاصيل العيش واتخاذ المنفى وطنا بديلا.
ـ ثنائية اللغة: جنسيات شخصيات الرواية وتلاشي الهوية بينهم واندماجهم في تكون إنساني واحد.
ـ استخدام اللغة العامية.
ـ بعــث الماضي وهي صفة تتصف بها الرواية ما بعد الحداثية.
ـ بث قيم إنسانية كالتسامح والحرص على الجوار، وأداء الأعمال على الوجه الكامل.
(كاتبة سعودية)