القاص محمد خضير: كل عمل أدبي هو حلٌ للغز وصيغة من اكتشاف سرّ السلطات والأيديولوجيات

حاوره خالد السلطان
محمد خضير... اسم، في فضاء الإبداع الأدبي العربي، يغني عن أي تقديم استهلالي لحوار معه، قيل عنه ما قيل، نقدياً وأكاديمياً، ولا مزيد لمزايد.
في هذا الحوار حاولنا استجلاء وجهات نظره في بعض الإشكاليات الأدبية، بخاصيتها الثقافية والمعرفية.

في ضوء ما يمكن تسميته بثقافة الأرقام أجريتَ منذ زمن ليس بالقريب تحقيقاً إحصائياً حول مبيعات عشرة كتب أدبية، أصدرها اتحاد الأدباء والكتاب في محافظة البصرة، وأتضح بأن أعلى ما حققته تلك المبيعات - في البصرة - كان بيع عشر نسخ من مجموعة الأديب، المرحوم، محمود عبد الوهاب القصصية «رائحة الشتاء - الطبعة الثانية»، إضافة إلى بيع نسختين من كتاب المرحوم قاسم علوان «البنية الأدبية وتحولاتها سينمائياً ومسرحياً». اما بقية المؤلفات الأخرى فلا مبيعات. ألا يؤشر ذلك انحسارا في انتشار المنجز الأدبي والثقافي، وبخاصة ان في العراق عديدا من كليات الآداب والفنون، وبالتالي هل صار الأديب يكتب لأقرانه من الأدباء وعدد قليل من النقاد، الذين لا يبتاعون المطبوع الأدبي، إنما يُهدى إليهم، وإذاً لمن يكتب الأديب العراقي اليوم؟
- أعتقد أن أزمة الكتاب وانتشاره تتعلق بالدرجة الرئيسة بعادات القراءة قبل غيرها من الأسباب، كانت العينة التي اعتمدتَ عليها في قياس المنجز الأدبي والثقافي قد شملت نماذج محلية من القرّاء تأثروا سلبياً وانعكاسياً بعاداتهم القرائية، وهي عادات كونتها شهرة الأسماء العربية والعالمية، وفوضى النشر في العراق، وغياب محفزات القراءة، وبسبب هذه القراءة السلبية ما عادت العينة التي استشرتَها تحفل بكتّاب محليين يعانون قلة الشهرة وصدفة النشر وعلاقات الأدب المحلية، وقد تشمل الشهرة هنا مستوى الكتاب المحلي الذي يقل كثيراً عن مستوى الكتاب اللبناني والمصري مثلا، فالعنوان «المثير» ونوع الغلاف وأيقونة دار النشر وغيرها من العلامات مؤثرة في توجيه القارئ غير الراشد الذي اعتاد اختيار كتاب لأسباب شخصية لا تتعلق بقيمة الكتاب المضمونية، ولكي نقيس اتجاهات القراءة "غير الراشدة" لدينا في العراق ينبغي وضع معايير دقيقة لاستبيان الآراء والأهواء المتبدلة في كل حين على خلاف تقاليد القراءة الراشدة في العالمين العربي والعالمي.
بوصفك أديباً مبدعاً ومنظراً متميزاً هل يمكن ان تؤشر الخاصيات المفارقة - ان وجدت - التي تتميّز بها السرديات العراقية الحديثة عن السرديات الأخرى في البلدان العربية؟
- يبدو أن «الخاصيات المفارقة» للسرد العراقي موجودة فعلا، لوجود ظرف تاريخي فارق يحددها ويفصلها عما سبقها وجاورها من خاصيات وطنية وقومية، لقد حدثت «قطيعة» سردية حادة باعتقادي، وهي قطيعة متدرجة (نوبات متوالية كأعراض الحمى المرضية) حدثت مع حدوث متوالية الحروب الثلاث الأخيرة 80، 91، 2003، وهذه كافية لزلزلة مجتمع مضعضع كالمجتمع العراقي عانى نوبات حمى سياسية وثقافية تفوق درجاتها زلزال قنبلة هيروشيما الذرية في المجتمع الياباني مثلا، غير أن الملحوظ على السرديات العراقية أنها توطنت تحت تأثير حروبها الإقليمية والأهلية، حتى لكأنها اشتغال محلي صرف، على العكس من السرديات اليابانية والألمانية التي خرجت للعالم بخصائص كونية، أو الرواية المصرية أو اللبنانية أو الفلسطينية والمغاربية التي بحثت عن تعالقات محيطية أوسع من محيطها المحلي، اتجهت الرواية العراقية، بعصاب موروث من نوبات الحرب والأيديولوجيا، إلى أن تتأمل وتحفر في حقلها المحلي المقطوع تماماً عن الروايات العربية النظيرة لها في اللغة والشكل والثيمة. ألم تلاحظ أن موضوعات مثل «الهوية» و«الجنس» و«الهجرة» و«الاستبداد» المتشابهة في الرواية العربية، قد احتكرتها الرواية العراقية واحاطتها بأشكال فنتازية سود وسردتها بلغة صحفية ذات دلالات محلية وظرفية مع مبالغات أيديولوجية خاصة بمؤلفيها لا بأبطالهم وثيماتهم الجديدة على الأشكال الروائية السابقة، وبعض هذه الفنتازيا منتوج شعبي ومخيال موروث من عهود الخوف والتسلط الماضية، استوطنا لا وعي مؤلفينا ولم يذوبا فيه بسهولة.
ولكي نضرب مثلا على ذلك نختار رواية (فرانكشتاين بغداد) لأحمد سعداوي التي استدلت بتفجيرات بغداد على موضوعها الغرائبي (موضوعة المسخ الشائعة) لتبني خصوصيتها المحلية، بل لقد اشتركت اكثر من رواية عاصرت رواية سعداوي في هذه الموضوعة (أموات بغداد لجمال حسين، ومشرحة بغداد لبرهان شاوي، وعجائب بغداد لوارد بدر السالم)، وعندما نضيف روايتي (بغداد مارلبورو) لنجم والي و(قيامة بغداد) لعالية طالب، تصبح (بغداد) محوراً لفنتازيا فارقة عن فنتازيات الرواية العربية المشتتة حول عواصمها، وإذا أردنا أن نخصص صفة غالبة لتصنيف الرواية العراقية فسنجد أنها رواية «موقع» بينما الرواية العربية هي رواية «محيط».
عندما يُغلب ما هو «معرفي» على ما هو «أدبي» في النص القصصي أو الروائي، هل نعّد ذلك تحديثاً في السردية الأدبية أم أنه نوع من المثاقفة الايجابية عند البعض والإتباعية أو السلبية عند البعض الآخر؟
- هذه مشكلة بنيوية شخّصها إدغار ألن بو في قصص هوثورن القصيرة، وعرّفها بغلبة الفكرة على الحادثة، والحل الأنسب في نظره كان مكافأة العنصرين في معادلة البناء القصصي، لكن هذه المعادلة تجاوزتها نظريات السرد فأصبحت باطلة، فالفكري أو المعرفي مقوّم أساسي لتطعيم الحبكة السردية وتوجيهها إلى حل برهاني كامل، هذا ما تفترضه شراكة السرد للفلسفة في حاضرهما الراهن، وهذا ما حاولتُه في مجموعة (رؤيا خريف) بتقريب القصة للبرهان الفلسفي، وكان هذا مصدر سوء فهم وإنكار نقديين، فضلاً عن قصور القراءة العادية عن إدراكه، ولعلي بالغتُ في براهيني فسببتُ لقصص المجموعة ضرراً بالغاً، غير أن المشكلة الفلسفية في النص السردي مثاقفة تتحدى الكاتب العراقي والعربي على نحو اتباعي وسلبي حسب قولك، بينما يألفها القارئ الغربي الذي يقرأ دستويفسكي وكامو وسارتر وساباتو وهوراكامي وبورخس على نحو إيجابي. ربما لأن الفلسفة هناك ثقافة شائعة في المدارس والشارع على حد سواء.
إذا ما انطلقنا من مقولة «ثق بالرواية ولا تثق بالنظرية»، التي أشرت إليها في كتاب «السرد والكُتّاب»، وطبقنا تلك المقولة على الروايات العراقية، ألا تكون المحصلة - وفي ضوء النقد الثقافي - توكيداً نسبياً لهيمنة الاستعارة من سرديات الآخر، لا اكتشاف «حقائقنا بوصفها خيالات» وبالعكس؟
- ربما أوحت مقولة «ثق بالرواية ولا تثق بالنظرية» بالتوكيد على المحتوى السلبي للممارسة الأدبية العفوية أو العشوائية، وغلبة الخيالي على العقلي، عند البعض، غير أني عنيت بها تقليص الهوّة بين الفعل والشعور في بناء الموقف السردي، وقد استطردتُ على هذه المقولة بقولي: «الرواية تفكر أفضل من الروائي» و«فكر فيما تسرد» حيث تنعدم المسافة بين الوجدان والبرهان، أو الخيال والنظرية، وقد تعني هاتان المقولتان تقليل الاستعارة من الآخر، لكنها تشير ضمنياً إلى حاجة سرديتنا إلى «تثاقف» معرفي كوني لا يجعلها أسيرة «محليتها» وسلبياتها التي أشرنا إليها في جواب سابق، إن «الأنا» التخيلية مشروطة بـ «الآخر» النظري الموجود على حدود سلطتها السردية، ولا ينبغي لهذا الحوار بين الخيال والنظرية أن يتجاوز حدود بنية العمل السردي، أي على الروائي أن يفكر في ما يسرد ويتخيل حادثة محددة، خاصة وأني رهنت هذه المقولات النظرية بمحتوى روايتي (كراسة كانون) في موضع دفاعي عنها، ولم أقصد بها الإعمام والإطلاق.
القارئ العراقي، والعربي بعامة، أبدى ويبدي اعجاباً لافتاً بالروايات التي تمحورت ثيماتها الرئيسية حول شخصية «الدكتاتور/ المستبد»، وبخاصة رواية ماركيز «خريف البطريرك» ورواية كاربنتير «الدكتاتور» ...الخ. لماذا أحجم ويحجم الأديب - في عموم البلدان العربية - عن تناول تلك الشخصية روائياً، حتى بعد موتها وانقراض نظامها وما أفرزه من آداب وفنون دعاوية، وبدون نسيان ان الجزء الأكبر من مآسي شعوب تلك البلدان وتخلفها هو من نتاج نظام الدكتاتور المقبور والدكتاتوريات في طور التشكل، أو بعبارة أدق من نتاج الاستبداد الشرقي في خا?يته العربية؟
- أعتقد أن ثيمة «الاستبداد» بصيغها المختلفة موجودة في روايتنا العربية (رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ مثال على الاستبداد المطلق)، أما تمثلات هذه الثيمة في تصوير دكتاتور بعينه، فهذا اشتغال حديث تقترب منه روايتنا بحذر وخوف، أو تخمين وحماس (مثال ذلك: رواية عالم صدام حسين، لكاتب مجهول اسمه مهدي حيدر، الصادرة العام 2003)، وكلا النوعين العربي والعراقي لا يفي بتجسيد شخصية الدكتاتور النمطية أو جماليات الشكل الروائي في روايات أميركا اللاتينية، أعتقد أن ضعف الموروث السردي المحلي والقومي في تمثل شخصية دكتاتور معاصر، وصعوبة استعارة أنموذج عالمي ووضعه في خدمة موروثنا السردي، عائقان دون إنجاز هذه المهمة، كل ما لدينا من تمثيلات الدكتاتور العربي أو العراقي ينحصر في أنموذج الدكتاتور الشرقي المستبد كما صوره الكواكبي، وهو نمط تكتنف استعادته وتمثيله سردياً مآزق كثيرة كالدين والسياسة والعشيرة، تجعل منه أحياناً بطلاً شعبياً، ولم يستفد روائي من وجود هذه المرجعيات أو المفارقات في بناء صورة دكتاتور معاصر.
في كتاب «رأس المال» ولتعيين القيمة النقدية أو السعرية لمعدن الذهب، في حقبة من التأريخ الإنكليزي، أعتمد (كارل ماركس) مرجعياً على مسرحيات (وليم شكسبير)، وعليه هل يمكن ان يعتمد مؤرخ أو سوسيولوجي، غير تقليدي، على الأدب العراقي بوصفه مرجعية في إعادة قراءة التاريخ العراقي الحديث وتقويمه نقدياً، بدءاً بالحقبة الملكية وانتهاءً بالحقبة الراهنة؟
- كما تحدثنا عن ثيمة الدكتاتور، فإن تقويم مرحلة تاريخية بمثل مرجعية شكسبير أو ديكنز نادر في أدبنا الروائي. لعل روايات فؤاد التكرلي أفضل وثيقة سردية لتقويم مرحلة سابقة ونقد قيمها الاجتماعية والنفسية (وروايات نجيب محفوظ في نطاق عربي أوسع)، لكن شذرات متفرقة في أعمال سردية من العهد الملكي والجمهوري قد تؤلف قاعدة تحليلية مستقرة لاتجاهات تاريخية مهمة هنا في العراق (روايات محمود أحمد السيد وذي النون أيوب وعبد المجيد لطفي وغائب طعمة فرمان)، وهنا نؤكد على النوع الروائي دون غيره باعتباره أفضل الوثائق لتحليل قيمي مهم، بينما اهتمامات السرد الروائي الحالية، بعد مرحلة الحروب، تنصب على ثيمات مرحلية انتقالية (أغلبها فانتازي كما رأينا) تتقاطع بحدة مع اهتمامات السرد الاجتماعي في بدايات تشكله وحتى منتصف القرن العشرين.
الآداب والفنون، وطبقاً لموضوعة (أرنست فيشر) البديهية، ضرورة ثقافية وحضارية لأي مجتمع. في حين تتعالى اليوم، وبخاصة في بلدان ما يسمى بالربيع العربي، الأصوات اللاهجة بتحريم الفنون وتكفير العديد من الأدباء ونتاجاتهم الإبداعية. ألا تعتقد بأن نبش الماضي وإحياء الطروحات الفقهية العتيقة والدوغمائية وبعثها من جديد سيشكل التحدي الرئيس للأديب والفنان غير الممتثل والمتقاطع جذرياً مع تلك الطروحات الرجوعية. وأعتقد - وهذا رأي شخصي - ان إعادة نشر قصة «المئذنة» اليوم سيدفع ببعض الأوساط إلى تجريمها وتحريم قراءتها؟
- إن العمل الأدبي مخصوص بالمرور خلال «المناطق المحرمة» من التاريخ والمجتمع بضمان الممارسة الفردية اللانمطية وغير الممتثلة، ليست قصة (المئذنة) وحدها الشاهد على هذه الممارسة، بل أن أعمالاً شعرية وسردية وفكرية عديدة تصدت للمرور خلال التقاطعات بين الروح الظاهرية للأدب والموضوعات المحرمة على جسد الممارسة الأدبية في مراحل سابقة، خذ مثلاً ديوان حسين مردان (الأرجوحة هادئة الحبال) وقصيدة السياب (المومس العمياء) وقصص التكرلي حول زنا المحارم، وكذلك رواياته (الوجه الآخر) و(الرجع البعيد) و(المسرات والأوجاع)، وجميع هذه ?لأعمال اخترقت ذهنيات المجتمع «التحريمية» بزخمها الأدبي والفكري، خاصة إذا أضفنا إليها روايات فاضل العزاوي ونصوص جليل القيسي وجمعة اللامي وعبد الستار ناصر، غير أننا لا بد أن نفكر بصيغ جديدة للنص وشروط متغيرة للممارسة الأدبية إذا أردنا لتقاليد أجيال القرن العشرين أن تستمر في خرق جدران الممانعة والتحريم في هذه المرحلة الخطرة من تاريخنا الأدبي والسياسي.
هل تُجوّز لجوء الأديب الى ما يماثل مبدأ «التقية» في ظل هيمنة الايديولوجيات الشمولية أو الكليانية - أياً كانت عنواناتها - . والتقية هنا لا تعني اللجوء للترميز إنما الإتقاء. أي كتابة النص الذي لا يشي بأي استفزاز لحراس قلاع تلك الأيديولوجيات أو السلطات الحاكمة وغير الحاكمة؟
- ليس هناك احتراس من أي نوع في الممارسة الأدبية، لكن غايات الأدب الظاهرة والخفية قد تمر بحراس تقتضي مخادعتَهم معرفةُ كلمة السر التي يطلبونها لمرور النص في منطقتهم المحرمة، والحقيقة أن الأدب لا يملك كلمة سر واحدة مختصرة في «التقية» وما شابهها من كلمات المخادعة، إنما هو لا يكل عن اختراع عشرات الصيغ والحلول التي يفك بها ألغاز أبي الهول وأشباهه من قطاع الطرق، تلك هي مهمة الأدب منذ عصر سوفوكلس إلى يومنا هذا. كل عمل أدبي هو حل للغز وصيغة من اكتشاف كلمات سر السلطات والأيديولوجيات، أي هو ابن عصره الشرعي من دون منازع.
في أطروحاته عن (فيورباخ) أكد (ماركس) ما معناه بأن الفلاسفة فسروا العالم بأشكال مختلفة، في حين المطلوب هو تغيير العالم. وإنطلاقاً من هذه الأطروحة أطرح السؤال الآتي: تحدثت في أكثر من مناسبة، وكتبت أيضاً عما أسميته بـ «رواية التغيير»، فما مزيات ذلك التغيير أو «رواية التغيير» هل لأنها صدرت بعد تغيير النظام السابق، أو أنها طرحت «تغييراً» أسلوبياً ودلالياً، لغوياً وجمالياً وثيماتياً بل وثقافياً، وبالتالي هل ان الروايات السابقة، وغير المندرجة ضمن مدرك رواية التغيير، هي روايات تقعيد؟
- قلتُ إنها روايات تحاول التغيير بمعايير قراءة جديدة، ثقافية وافتراضية وتناصية، والحقيقة أن الرواية العراقية التي تصدت لثيمات الهوية والهجرة والسيرة الذاتية والفنتازيا، قد غيرت منهاجها «التقعيدي» ليلائم متطلبات القطيعة الجديدة في الثيمة والموقع والفكر، والهدف الأبعد لها هو التحاقها بكوكبات الرواية العالمية التي قطعت أشواطاً بعيدة في مجالها، وفي مقالاتي شرحتُ مدلولات هذه المعايير الثلاثة، وتأملتُ في روايات استمالتني من موقعي بشغف شديد، وأهم كتّاب القطيعة والتغيير الذين كتبتُ عنهم: علي بدر ونجم والي ونصيف فلك وأحمد سعداوي ودنى غالي وعالية ممدوح ولطفية الدليمي وبتول الخضيري وضياء الجبيلي ومرتضى كزار وعلي عباس خفيف وفاروق السامر وضياء الخالدي وناظم العبيدي وأحمد ابراهيم السعد وجنان حلاوي وعبد الكريم العبيدي وبرهان شاوي وجمال حسين وجيان.. وهم من أجيال مختلفة، صدرت أعمالهم من مواقع نشر متفرقة داخل العراق وخارجه، أما قطيعة التغيير فقد حددتُ بدايتها بالعام 1991 فصاعداً.
كتبت مقدمات ومقالات «مدحية» لهذه المجموعة القصصية أو تلك الرواية ... الخ. وأزعم ان تلك الكتابات متقاطعة مع فضاءاتك الإبداعية والتنظيرية، ولنفترض ان باحثاً ما سيشتغل على تلك الكتابات، فهل بالإمكان إستشراف نتائج ذلك الاشتغال النقدي المفترض، وغير الغافل عن طروحاتك التنظيرية؟
- نعم، أنت محق، قد أميل إلى قراءة أعمال سردية من موقع يتوسط نوعين من القراء: الناقد المحترف والقارئ العادي، حيث أنطلق من موقع الكاتب القارئ، أو الكاتب المشارك، وهذه صفتي حين أكتب تقديماً لكتب أصدقائي، إني أحاول بشكل عام كتابة «مقالة سردية» تجاور القراءة النقدية ولا تنافسها، وتتجاوز القراءة المقعدة إلى القراءة الذوقية المشاركة، ولعلي أحاول في المقالات ما أحاوله في قصصي بمطاردة الظلال والشوارد وأقيم حواراً داخلياً مع النص المقروء، وفي كل هذه المحاولات لم أجاف طبيعتي السردية المتقلبة الأهواء.
ذكرت في كتاب «السرد والكُتّاب» بأن لديك «مفكرة» دونت فيها ملاحظات متمحورة حول اشتغالاتك على مشاريعك الأدبية، قبل إنجازها نصوصاً مكتملة أو منشورة، فهل ستُقدّم في يوم ما على نشر تلك «المفكرة»، مثلما هي في نصها الكتابي البكر، وأيضاً هل هناك «مُفكرات» أخرى دونت فيها «يومياتك» أو مذكراتك، على المستويين الشخصي والموضوعي، وبخاصة في المجالين الثقافي والسياسي، والأخير بمعناه غير الضيق؟
- لا، مفكرتي أقرب إلى كشكول الدرويش، التي تقل قيمتها أو تزيد بحسب استخدامي لها، لكنها في الأحوال كلها اقل أهمية من دفاتر يوميات كافكا وكامو وسونتاج وصنع الله إبراهيم، التي يمثل كل منها «حياة ثانية» لنصوصهم السردية، وعموماً قد يكون عصر المفكرات واليوميات قد انتهى بوجود وسائل تدوين إلكترونية كالأنترنت (مفكرات إلكترونية)، اليوم أحاول أن أشرك بملاحظاتي ويومياتي عدداً كبيراً من القراء والمتابعين على موقع الفيس بوك ولا أصبر على تأخيرها أو حفظها بعيداً عن الأنظار، وهذا ربما مآل الكتابة المستقبلية للنصوص والأفكار، أي المشاركة الفورية في عملية الإنتاج الأدبي والفكري، لما يشهده العالم من تغيير وتسارع وتلاقح بين الاشخاص والنصوص، وانقراض الخصائص الرومانسية القديمة للدفاتر والمفكرات والرسائل البريدية.
بداهة ان دور النشر هي مؤسسات تجارية تستهدف بالدرجة الأساس الربح، وبالتالي فالمنجزات الثقافية، الأدبية والفنية، تستدعي وجود المؤسسات التوزيعية الأهلية أو الحكومية، برغم بيروقراطية الثانية، لكن الملاحظ ان الأديب العراقي لا يعنى أو يخجل من الاستجابة للمشروطيات الإشهارية، مع علمه المسبق بأن دور النشر تتعامل مع المنجز الأدبي بوصفه سلعة تجارية تستدعي الترويج أو الإشهار المسبق، وعليه ألا تعتقد بأن امتناعك عن الظهور في الفضائيات، أو في برامجها الثقافية، يعوق انتشار مؤلفاتك في الأسواق الثقافية العربية؟
- لا أخضع عموماً لبيروقراطية الاستثمار الأدبي الفردية والمؤسساتية، لكني أطيع أحياناً رغبات شخصية متبجحة في الظهور على برنامج تلفازي أو المشاركة في مؤتمر أدبي أو مقابلة صحفية، أما علاقتي بدور النشر فهي من أعقد العلاقات وأكثرها فشلاً وإحباطاً، وأنت أكدت ماذا تمثل دور النشر عندنا، فهي في أغلبها «دكاكين» هامشية متطفلة على سوق الثقافة العربية ومطابعها الرخيصة، تجتذب كتاباً «إشهاريين» على حد قولك، إن الكاتب اعتيادياً يؤلف لينشر بسلاسة واتفاقات مبرمجة مع ناشرين محترمين، أما في العراق فالكاتب يؤلف لكي يستجدي دكاكين النشر ومتعهديها، إنه سيئ الحظ، يريد أن يلبي حاجته الاجتماعية في الظهور والاندماج بسوق الثقافة وتقاليدها، لكنه يفشل في الحالين ويخسر سمعته التي بناها بشق الأنفس، وليست الحال بأفضل في دولنا العربية، بل هي أفدح وأفظع، وربما أصابت أديبنا العراقي عدوى «الإشهار» من هذه الدول.
هل اكتفى محمد خضير بإنجاز رواية «كراسة كانون»، أم في مشغله السردي روايات أخرى؟
- لي قواعدي الكتابية الخاصة، كثيراً ما أفكر بأن الرواية شكل بلغ حده النهائي وأن عمل كتّابها ينحصر في استلاف قواعد بناء مستهلكة من موروثها الشائخ، انتهت الروايات بانتهاء عصور الأيديولوجيات العظيمة، وكثيراً ما تبدو روايات اليوم أقرب إلى هوس استعراضي أو وسواس قهري ينتاب كتّابها في مهرجان القراءة المضطرب الذي تحدثنا عنه في أجوبتنا السابقة، أفكر جاداً، وممسوساً كذلك بمس أدبي مزمن، لكنه طبيعي وهادئ، بصناعة كتاب سردي على قاعدة غير سلفية كالرواية، وغير تجميعية كالقصة القصيرة، إنه الكتاب الذي فكر بإنجازه قبلي كتّاب مجهولون كثر ولم ينجزوه قط، ولعل فكرتي عن الكتاب السردي الذي يجمع نصوصاً قصيرة متضامنة في برهانها، تكفيني بصورته البسيطة الميسورة، وتغنيني عن ركوب الموجة الروائية الطويلة التي يغالب صعوبتها مغامرون يريدون إثبات جدارتهم في تحدي قواعد النوع وقدرتهم على البقاء ومصارعة أمثالهم بدافع الغيرة القاتلة، وأي متعة في تكلف عمل لا تحبه؟ إن العمل السردي الذي أزاوله هو العمل الذي يمتعني، لا العمل الذي يثبت كفاءتي، أمام من؟ الناشرين والجوائز والشهرة الجماهيرية؟ في جعبتي عدد قليل من الكتب ألفظُها وأستريح، ليت الشخص المنذور للكتابة يعرف سلفاً عدد الكتب التي يتعاقد عليها مع مقدرته وطبيعته الشخصية لتأليفها، لا يتعداها ولا يصارع الناشرين من أجلها.
أرجو ان لا أبدو مشاكساً أو استفزازياً عندما أذكر لك بأن هناك من استاء من ذكرك في كتاب «الرجل الفسيل»، المكرس للأديب المرحوم محمود عبد الوهاب، لإفرازات جسده، محتضراً وميتاً، وتشبيه حركة جسده بالحيوان الكسلان، والإشارة لذبول «.....» وبرغم علمي بحميمية علاقتكما وما تبذله من جهد في نشر مخطوطاته، لكن ما تعقيبك على تلك «الاستياءات» التي انطلقت - وبافتراض حسن النوايا - من مبدأ أذكروا محاسن موتاكم؟
- هذا هو محمود عبد الوهاب، لم يخجل هو نفسه من نفسه أمام نفسه وأمام الآخرين، حين واجه موته، أردت في مقالتي عن فترة مرضه الأخيرة التي لازمته خلالها في المستشفى مدة خمسة وأربعين يوماً، أن أزيل القشرة الظاهرية عن رجل متهم بأرستقراطيته ونظام حياته البرجوازي الدقيق، ولما حططتُ من قيمة هذا الشخص البيولوجية، فذلك لأني أردت أن أفرزها كما تُفرز نفاية عضوية من جسد أخذ يتسامى على وضعه البشري المقيد في آخر انتباهاته الفكرية والنفسية، في تلك اللحظات عاد محمود إلى نفسه التي فقدها طويلا، وإلى عمله الروائي الذي لم ينجزه كما يشاء، كان قد تحرر من مادته الجسدية لكي يحتفظ بمادته الأدبية حتى آخر نفس، كان محمود جميلاً في صفاته الداخلية فوق وسامته العرضية التي بدأ يفقدها في ثمانينياته، لذا عدت إلى وصفه بما يقربني من حقيقته الجمالية التي تركها إرثاً لأصدقائه دون غيرها من الصفات الجسدية التي استولى عليها المرض، ولم أتعدَ على إخلاصي لهذه الصفات أو أصادرها لجهتي وحدها، لكني أزعم أني آخر من وصفوه وأصدقهم في تشبيه (رجل الفسيل) هذا، فقد عرفه من عرفه، وجهله من جهله، وتساوى لديه الأمران، في دقائق حياته الأخيرة، ورحل وحيداً.
* محمد خضير هو قاصّ وروائي عراقي ولد في البصرة عام 1942، درس المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية في البصرة ودخل دار المعلمين وتخرج منها عام 1961 ومارس التعليم في محافظة البصرة والناصرية والديوانية مدة تزيد على الثلاثين عاما. ظهرت أولى قصصه في مجلة (الاديب العراقي) عام 1962، ترجمت قصصه إلى اللغات العالمية منها الإنكليزية والروسية والفرنسية ونالت الجوائز عليها كجائزة سلطان العويس في الإمارات العربية المتحدة عام 2004، وجائزة القلم الذهبي من اتحاد الادباء والكتاب في العراق عام 2008، اشتهر محمد خضير على صعيد العالم العربي بعد نشره قصتي (الأرجوحة) و(تقاسيم على وتر ربابة) في مجلة الآداب البيروتية.
من مؤلفاته:
مجموعات قصصية
• المملكة السوداء، وزارة الإعلام، مديرية الثقافة العامة - بغداد 1972.
• في درجة 45 مئوي/ 1978.
• رؤيا خريف/ 1995.
• تحنيط/ 1998.
• حدائق الوجود/ 2008.
روايات
• سيرة مدينة بصرياثا/ 1993.
• كراسة كانون/ 2001.
كتب نقدية
• الحكاية الجديدة/ 1995.
• السرد والكتاب/ 2010.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "الثقافة الجديدة"
العدد 378 - 379
تشرين الثاني 2015

 

http://www.iraqicparchives.com/index.php/sections/literature/37658-2016-01-02-15-08-52