ميلان كونديرا.. في مديح الرواية

ترجمة وإعداد: أمين صالح

ميلان كونديرا ينظر إلى الرواية باعتبارها الشكل الفني الأسمى. وهو يعرّف الرواية بوصفها «الشكل النثري العظيم الذي فيه المؤلف يستكشف على نحو شامل، بواسطة ذوات (شخصيات) تجريبية، بعض ثيمات الوجود العظيمة». ويقول في كتابه «فن الرواية»: «الرواية هي تأمل في الوجود كما يُرى من خلال وسط الشخصيات المتخيلة».

إن مبرّر وجود الرواية عند كونديرا هو «اكتشاف ما يمكن للرواية وحدها دون سواها أن تكتشفه»، وهي جملة مقتبسة من الروائي النمساوي هيرمان بروخ. إنها الرواية التي تصاحب الإنسان «على الدوام وبإخلاص منذ بداية الأزمنة الحديثة». إن اكتشاف كينونة الإنسان وسرّه المنسيّ والمخفيّ في آن هو ما يمكن للرواية وحدها أن تكشفه، وهو ما يبرّر وجودها.
يقول في كتابه «فن الرواية»: «الرواية لا تمتحن الواقع بل الوجود. والوجود ليس ما حدث، إنما هو حقل الاحتمالات الإنسانية، كل ما يستطيع الإنسان أن يصيره، كل ما هو مؤهل له. الروائيون يرسمون خارطة الوجود باكتشاف هذا الاحتمال الإنساني أو ذاك. لكن مرّة أخرى، أن توجد يعني أن تكون في العالم. بالتالي، الشخصية وعالمها معاً يجب أن يكونا مفهوميْن كاحتمالات».
الرواية عند كونديرا ليست مجرد سرد للأحداث فقط، بل هي بُعد فكري واستجواب تأملي لما يدور في الخفاء. هي مستودع نفَس الإنسان، ورقيب أطواره وتفاعله مع الحياة، والرواية التي لا تؤسس وعياً، ولا تبث أسئلة وجودية هي رواية سطحية.
يقول في كتابه «فن الرواية»: «كل الروايات معنيّة بلغز الذات. حالما تخلق كائناً متخيلاً، شخصية ما، فإنك بطريقة آلية تجابه بهذا السؤال: ما هي الذات؟ كيف يمكن الإمساك بها وفهمها؟»

 

ممثل الحداثة
الرواية التي هي، بوجه خاص، ميّالة إلى الاحتفاء بالممثل الرئيسي للحداثة: الفرد الحر، المغامر، العنيد. إنه الفرداني والتعدّدي من غير منازع. إن تعدّد وانفتاح عالم الروايات هو الذي يمكّن الأفراد أن يتنفسوا، يتخيّلوا، يخلقوا، ويعيدوا خلق أنفسهم.
في مقالة لكونديرا نشرت في العام 1985، يقول: «الرواية هي الفردوس المتخيّل للأفراد. إنه الإقليم الذي فيه لا أحد يمتلك الحقيقة، وحيث كل شخص لديه الحق في أن يكون مفهوماً».
في ردّه على سؤال طرحه كريستشن سالمون (ونشرته «باريس ريفيو») عن نظرته إلى الرواية، قال كونديرا مركّزاً على البنية:
«الكتابة الروائية تمنح الكثير من الحرية، لذلك لا ينبغي للكاتب أن يعتقد بأن للرواية بنية غير قابلة للتغيير، على العكس من ذلك، يتوجب عليه إضافة بنى جديدة غير تلك المعروفة سابقاً. القواعد الوحيدة التي ينبغي أن يتبعها الكاتب تتجلى في التأمل في كينونة الشخصيات المختلَقة. بعدها يمكنه التوجّه إلى عدة أنواع من الرواية: السردية، التاريخية، الفانتازية، السيرة الذاتية. ويمكن للرواية أن تكون مزيجاً من كل شيء، بالتالي يمكنها خلق فرقة متعددة الألحان. وحدة الرواية لا تنبع بالضرورة من الحبكة، يمكنها أن تنشأ من ثيمات متعددة».
عن بنية الرواية نقرأ في كتابه «الستار»: «جمال رواية ما يتعذّر فصله عن بنائه. أقول جمال لأن التأليف ليس مجرد مهارة أو براعة تقنية، إنه يحمل في داخله أصالة الأسلوب عند المؤلف».
وحول وحدة الرواية، نقرأ في روايته «الخلود»: «أشعر بالأسى لأن أغلب الروايات المكتوبة هي ممتثلة أكثر، مما ينبغي لقوانين وحدة الحدث. ما أعني أن أقوله هو أن في لبّ رواياتهم ثمة سلسلة واحدة من الفعل والأحداث المتصلة على نحو سببي. هذه الروايات أشبه بشارع ضيق فيه شخص يسوق شخصياته بالسوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية التي تصيب الرواية، لأنه يحوّل كل شيء، حتى الصفحات الأكثر جمالاً، حتى المشاهد والملاحظات الأكثر إدهاشاً، إلى مجرد خطوات تفضي إلى الموطن النهائي لانحلال العقدة (..) لا ينبغي للرواية أن تكون سباقاً بالدراجات بل عيداً ذا مسالك عديدة»
أما عن روح الرواية، فنقرأ في كتابه «فن الرواية»: «روح الرواية هي روح التعقيد.. روح الرواية هي روح الترابط.. شيء تحقّق ليدوم، ليربط الماضي بالحاضر».

المآزق المعاصرة
كونديرا يمنح الرواية الفضل في اكتشاف بعض المفاهيم الغربية الرئيسة مثل: الفردانية، الحرية، الدعابة، الفكر، الغموض، النقد.
يقول: «الرواية تعاملت مع اللاوعي قبل فرويد، ومع الصراع الطبقي قبل ماركس، ومارست الفينومينولوجيا (استقصاء جوهر الأوضاع الإنسانية) قبل الباحثين في علم الظاهرات».
ويستمر كونديرا في إبراز فضل الرواية في مظاهر عديدة من الفلسفة، عندما يقول في إحدى مقالاته: «كل الثيمات الوجودية العظيمة التي حلّلها هايدجر في كتابه (الوجود والزمن)، وعاتب الفلسفة الأوروبية المبكرة على تجاهلها، قد تم كشف النقاب عنها، وعرضها وإبرازها وإضاءتها، بواسطة أربعة قرون من الرواية (أربعة قرون من التناسخ الأوروبي للرواية). بطريقتها الخاصة، من خلال منطقها الخاص، اكتشفت الرواية الأبعاد المتنوعة للوجود بُعداً بُعداً: مع سرفانتس ومعاصريه، الرواية تبحث في طبيعة المغامرة. مع صموئيل ريتشاردسون، تبدأ في استنطاق ما يحدث في الداخل، لنزع القناع عن الحياة السرية للمشاعر. مع بلزاك، تكتشف تجذّر الإنسان في التاريخ. مع فلوبير، تستكشف أرض الحياة اليومية التي كانت في السابق مجهولة. مع تولستوي، تركز بؤرتها على تدخل اللاعقلاني في القرارات والسلوك الإنساني. الرواية تسبر الزمن: الماضي المراوغ مع مارسيل بروست، الحاضر المراوغ مع جيمس جويس. مع توماس مان، الرواية تمتحن دور الأساطير من الماضي البعيد الذي يتحكم في أفعالنا الحاضرة».
إن المآزق المعاصرة للمجتمعات الحديثة مثل: ترويج البيروقراطية المفرطة، تمجيد المشهدية، تآكل الاستقلالية الفردية، كلها حدس بها وتوقعها الروائيون العظام.
كونديرا يرى إلى الرواية بوصفها فناً فذّاً قادراً أن يجد تعبيره الخاص عن الذات والعالم، وعن ذلك الشيء الخاص الذي بمقدورها وحدها أن تكتشفه.
يقول في كتابه «الستار»: «الإحساس بالحداثة غالباً ما يُرى في تصميم كل فن من الفنون على الاقتراب قدر الإمكان من طبيعته الخاصة، من جوهره. كمثال، الشعر الغنائي كان يرفض كل ما هو بلاغي، منمق، تعليمي، مزخرف، بحيث يهيئ تدفق الينبوع الصرف للفنتازيا الشعرية. الرسم تخلى عن وظيفته التوثيقية، المتسمة بالمحاكاة، وكل ما يمكن التعبير عنه بواسطة وسط آخر (كالتصوير الفوتوغرافي). والرواية؟ هي أيضاً ترفض أن توجد كصورة ايضاحية لمرحلة تاريخية، وكتصوير لمجتمع ما، وكدفاع عن أيديولوجيا ما، عوضاً عن ذلك هي تضع نفسها حصرياً في خدمة ما تستطيع الرواية وحدها أن تقوله».
يبدو أن كونديرا غالباً ما يحسب أن الروائيين وحدهم الموهوبين بهذه النزعة الخاصة: «خارج الرواية، نكون في حقل التوكيد.. كل شخص واثق من بياناته: السياسي، الفيلسوف، بواب المبنى. لكن ضمن عالم الرواية لا أحد يجزم. إنه حقل اللعب والافتراضات. في الرواية، إذن، التأمل جوهرياً يستعلم، إنه افتراضي».

الروائي المستكشف
الروائي، في نظر كونديرا، ليس نبيّاً ولا مؤرخاً، بل هو «مستكشف وجود». ومثل هذا المستكشف يفضّل الأسئلة على الأجوبة.
يقول كونديرا: «إغواء الوعظ.. قد يكون جذاباً، لكن في ما يتعلق بالأدب، الوعظ مهلك. فقط العمل الأدبي الذي يكشف عن الشظية المجهولة من الوجود الإنساني لديه ما يبرّر وجوده. أن تكون كاتباً لا يعني أن تبشّر بالحقيقة، بل يعني أن تكتشف الحقيقة».
ويقول في كتابه «لقاء»: «ذلك أن شغف المعرفة عند الروائي لا يستهدف السياسة ولا التاريخ. ما الجديد الذي بإمكان روائي أن يكتشفه حول الأحداث الموصوفة والمناقشة في آلاف الكتب الرصينة المتنوعة؟»
من أطرف ما قاله كونديرا عن الروائي، وأكثرها عمقاً، هو ما قاله في كتابه «فن الرواية»: «الروائي يهدم منزل حياته ويستخدم حجارته في بناء منزل روايته».
وعن الانفصال بين الروائي وذاته، يشير إلى أن «الروائي، منفصلاً عن ذاته، هو فجأة يرى تلك الذات من مسافة بعيدة، ويندهش عندما يكتشف أنه ليس الشخص الذي حسبه نفسه. بعد تلك التجربة، سوف يعرف أن لا أحد يكون الشخص الذي يظن أنه هو»

المشهد الأوروبي
عندما يتحدث كونديرا عن الرواية فإنه يعني «الرواية الأوروبية» بريادة بوكاشيو، رابليه، سرفانتس، والتي احتفى بها الكتّاب الإنجليز والفرنسيين في القرنين 18 و19، وفي القرن العشرين يعني كتّاب روسيا وأوروبا المركزية مثل: تولستوي، كافكا، موسيل، بروخ، جومبروفيتش.
يقول في روايته «كتاب الضحك والنسيان»: «عندما خرج دون كيخوته ذاهباً نحو العالم، تحوّل ذلك العالم أمام عينيه إلى لغز. ذلك هو ميراث الرواية الأوروبية الأولى إلى تاريخ الرواية اللاحقة كلها».
وهو يرى أن أوروبا، وعلى إثرها الحضارة الغربية، قد قصّرت عن الاعتراف بالرواية بوصفها الشكل الفني للحداثة.
يقول في كتابه «لقاء»: «الرواية ولدت مع العصر الحديث، الذي جعل الإنسان، حسب تعبير هايدجر، الموضوع الحقيقي الوحيد، الأساس لكل شيء. من خلال الرواية ترسّخ الإنسان كفرد على المشهد الأوروبي».
الرواية رافقت الإنسان، من دون مقاطعة وبأمانة وإخلاص، منذ بداية العصر الحديث..
يقول في كتابه «فن الرواية»: «إنه في ذلك الحين كان الشغف بالمعرفة، والذي يعتبره هوسيرل جوهر الروحانية الأوروبية، قد وضع يده على الرواية وقادها لتنعم النظر في حياة الإنسان الملموسة وحمايتها ضد نسيان الكائن، وللإمساك بعالم الحياة تحت ضوء دائم. ذلك هو المعنى الذي فيه أنا أفهم وأتقاسم إصرار هيرمان بروخ على تكرار: أن مبرّر الوجود الوحيد لرواية ما هو أن تكتشف ما تستطيع الرواية وحدها دون سواها أن تكتشفه. الرواية التي لا تكتشف حتى الآن الجزء المجهول من الوجود هي لا أخلاقية. المعرفة هي الدرس الأخلاقي الوحيد للرواية».

أحكام القارئ
في علاقة القارئ بالرواية، يؤكد كونديرا: «الإنسان يرغب في العالم الذي فيه يمكن التمييز بوضوح بين الخير والشر، ذلك لأن لديه رغبة فطرية، متأصلة، يتعذّر كبحها في إصدار الأحكام قبل أن يفهم الأمور. الدين والأيديولوجيات مؤسسة على هذه الرغبة. هم لا يستطيعون التكيّف مع الرواية إلا عن طريق ترجمة لغتها، ذات النسبية والغموض، إلى خطابهم القاطع والعقائدي. إنهم يحتاجون إلى موقف واضح وصريح.. إما أن تكون أنّا كارنينا ضحية مستبد، ضيّق الأفق ومتعصب، أو أن يكون كارنين ضحية امرأة ليس لديها مبادئ أخلاقية. إما أن يكون ك، بطل كافكا، رجلاً بريئاً سحقته المحكمة الظالمة أو أن المحكمة تمثّل العدالة الإلهية وأن ك مذنب. هذا الـ (إما – أو) يغلّف العجز في احتمال النسبية الأساسية لأشياء إنسانية، العجز في النظر على نحو منصف إلى غياب القاضي الأعلى».
ويضيف كونديرا قائلاً: «على أية حال، يبدو لي أن الناس في هذه الأيام، وفي كل أنحاء العالم، يفضلون إصدار الأحكام على الفهم، يفضلون الجواب على السؤال، بحيث أن صوت الرواية بالكاد يمكن أن يُسمع بسبب الحماقة الضاجة التي تتسم بها الحقائق الإنسانية.
التعطيل المؤقت لإصدار حكم أخلاقي لا يعني أنه عمل لا أخلاقي تقوم به الرواية. إنها أخلاقية الرواية. الأخلاقية التي تقف ضد العادة الإنسانية، التي يتعذّر استئصالها، في إصدار الأحكام فوراً وعلى نحو متواصل ودائم.. عادة إصدار الأحكام قبل، وفي غياب، الفهم. من وجهة نظر حكمة الرواية، ذلك الاستعداد المتحمس لإصدار الأحكام هو حماقة بغيضة. الروائي لا يرفض أن يكون الحكم الأخلاقي شرعياً فحسب، بل أنه أيضاً يرفض أن يكون لمثل هذه الأحكام مكاناً في الرواية».

3 نُصُب
يقول كونديرا إن «أعظم النصُب الفنية التي شيّدتها بلادي في هذا القرن هي تلك النصُب الثلاثة التي تمثّل صورة لجحيم المستقبل ومقوماته الثلاثة: المتاهة البيروقراطية عند كافكا، الحماقة العسكرية عند هاشيك، وعالم معسكر الاعتقال عند لوش ياناشيك. نعم، بين «المحاكمة» لكافكا (1917) و«من منزل الموتى» لياناشيك (1928) كل شيء قيل في براغ، والتاريخ لم يُترك له شيئاً ليفعله غير أن يُظهر نفسه ويحاكي ما سبق أن تخيلته الرواية».

...........................................
اعتمدت هذه المقالة على مصادر متنوعة، أهمها:
Yvon Grenier, History of Intellectual Culture, 2006, Vol. 6 No 1

https://www.alittihad.ae/article/26831/2019/%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A7--%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9