عالية ممدوح: “التانكي”

 

المتوسط، ميلانو 2019
“افتتاحية للضحك”، المجموعة القصصية، كانت الإصدار الأول للروائية العراقية عالية ممدوح، في سنة 1973؛ أعقبتها مجموعة قصصية ثانية بعنوان “هوامش إلى السيدة ب.”، وروايات “ليلى والذئب”، “حبات النفتالين”، “الولع”، “الغلامة”، “المحبوبات”، “التشهي”، “غرام براغماتي”، و”الأجنبية”. والرواية الجديدة (العنوان مستمد من اللفظ العراقي لمفردة Tank الإنكليزية) تقوم على سبعة فصول وأقسام فرعية، جميعها تحمل عناوين ذات تمثيلات ملموسة (أكسسوار، تقطيع، ابتكارات خصوصية، الخمرة وأخواتها، ماكيت الغائب…)، أو مجازية (تراكيب الجمال، طبوغرافيا الأسى، دهاء الموت، ذاكرة الأيدي، خفيف الروح…).
وعلى الغلاف الأخير كتب الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري: “إنني متأكد أنّ رواية التانكي هي من أجمل وأعمق ما كُتب في أدبنا العربي الحديث عن بتر الأمكنة منّا، أو بترنا منها، حتى يصبح الوطن يمشي وحيداً، ونحن نمشي وحيدين بعيداً عنه. لقد شعرت أثناء قراءتي للرواية بأثقال الطوبوغرافيا التي صارت خريطة دواخلنا، ومجالاً مستباحاً بالعنف والحسرة والموت البطيء، ثمّ هذا المكعب الذي يشبه سفينة الطوفان، نعلقه على ما تبقى من خراب المدينة، ونبحر على متنه طلباً للنجاة منه، ومن أنفسنا. رواية ألم لا تروضه سوى متعة الكتابة”.
هنا فقرات من خاتمة الرواية:
“لا تتحامل على نفسها، ولا تبرح المكان، ولا تعود تعرف معالم الطريق والبيت والحجرة والمدينة لا تعود لها، وهي تتدلى بين ارتفاع وسقوط وأمواج تتلاطم، ووجوه تتجمع، وتنادي عليها من الأسفل والأعلى، نفير أبواق، وهي تصيح على السكان القدامى الذين تدافعوا على مسامها، وتمددوا على جذعها القصير وحوضها الصغير، فوصلوا إلى عشها الجميل الذي قامت برسمه وهو تحت الضوء الطبيعي حتى جفّ ماؤه، واسودّ لونه. ضحكت وهي تقول للدكتور أنطوان:
أعضاؤنا تصل نهاية الخدمة، دكتور.. وأنا لا أعرف بالضبط أيها أنجز مهمته أسرع؛ المرض الإفرنجي أم الداء البلدي؟
اللعنة، كانت تتأهب للانصراف، أين وضعت المعطف، هو ذاته معطف طرب؟ كانت متعبة من المشي الطويل، ربما هي الحجرة نفسها، لكنها الآن شديدة الحرارة، والباب مغلق بصورة مواربة، وما إن بدأت بفتح عينيها، فصدرت بعض الأصوات الهادئة والرقيقة. كان وجه شابّة ترتدي ثياباً بيضاء، لا تذكر أنها وضعت في أحد الأيام هذا اللون في تصوير من تصاويرها، هو لون بعيد، بعيد جداً، لا تستطيع النظر إليه، وجه هادئ القسمات ومريح الحركات، كان يقف أبعد قليلاً من الممرضة وهو يقرأ ورقاً بين يديه، وصوت الملعقة الفضية والسيدة ترفعها إلى فمها، وهي تطعمها الحساء، هذا هو الآخر الذي يسبب لها بعض الحساسية. رفعت رأسها قليلاً عن الوسادة، أبصرت السماء، ووجهاً مقبلاً عليها، ليس واحداً، كلهم ظهروا، لم يتقاعس أحد في ذلك الضرب من بياض الغيوم الآتية من وراء النافذة”.

https://www.alquds.co.uk/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%8A/