الحلاّج.. المحاكمة لا تزال مفتوحة


د. المعز الوهايبي
تكشف محاكمة الحلاّج عن معطى قلّما تمّ التوسّع فيه، وإن تمّ الانتباه إليه باستحياء، ألا وهو المعطى المتعلّق بالطّابع السياسيّ للتّصوّف الإسلاميّ في كثير من مذاهبه، فعلى خلاف ما قد يتبادر إلى الذهن، أو ما قد يتسرّع الفهم إلى تقديره من أنّ التصوّف علاقة روحيّة خالصة بين المؤمن وخالقه، ينثني فيها المتصوّف إلى ذاته، بإفراط وشطط أو باعتدال وتوسّط، فإنّ هذه الرّياضة الرّوحيّة ليست فرديّة، وإنّما هي جماعيّة «تتمأسس» في فرق (الفرق الصّوفيّة)، فتلامس الفضاء العموميّ بشكل أو بآخر. ومن ثمّ، فإنّها تماري السّلطان السياسي في نفوذه. صحيح أنّ هذه الفرق تُقاطع الناس في تمارينها وفي بعض مراسها على نحو يذكّر بالعمل السّريّ في مجال السّياسة، لكنّها لا تستغرق فيه تماما باعتبارها تعبّر عن حركة دعويّة ممّا يجعلها لا تتوقّف عن الذهاب إلى النّاس. وبالفعل، فإنّ مسيرة الحلاّج حافلة برحلاته لا في مجال أرض الدّولة الإسلاميّة، بل إلى خارجه بما في ذلك سياحته في بلاد الهند. ولعلّ هذا ما يعزّز القول بأنّ محاكمته التي دامت نحو ثماني سنوات في خلافة المقتدر باللّه، كانت محاكمة سياسيّة. ولنا أن ننظر في لائحة الاتّهام التي وجّهتْ إليه عند النّطق بالحكم عليه، فهي تجمع بين ادّعاء المعجزات والسّحر، وبين التّطاول على الذات الإلهيّة والزّندقة (الشّبهة التي كان يُرمى بها أتباع المذهب المانويّ)، وبين الاستخفاف بالتّعاليم الدّينيّة وبالعبادات.
وعلى الرّغم من تنزيلها ضمن التاريخ الأسود الذي تكبّدته حركة التّفكير منذ القديم، فإنّ مأساة الحلاّج، في القرن الرّابع هـ/‏‏‏ العاشر م، تتميّز بفرادة على مستويات عدّة، من بينها مضمون المحاكمة، وشكل المعاقبة. فلئن كانت الجهة التي حاكمته، والتي كانت احتضنته في بداية دعوته ثمّ انقلبت عليه، جهة سياسيّة/‏‏‏ دينيّة منتصبة في دار الإسلام، فإنّ شكل العقاب ولئن كان ينتسب، لا محالة، إلى الحدود التي أقرّتها الشّريعة الإسلاميّة، فإنّه، في جزء منه، يذكّر بفقه قضائيّ دينيّ مغاير، القضاء اليهوديّ، ونعني بذلك عقوبة الصّلب التي سُلّطتْ على المسيح. وربّما لأجل ذلك كانت الرّواية الماسونيونيّة لآلام الحلاّج هي الأكثر شيوعاً في عصرنا الرّاهن (Louis Massignon، La Passion de Al-Hallaj، Gallimard، Paris، 1975).
لكن على اختلاف الحيثيّات التّاريخيّة، وعلى اختلاف المضامين الفكريّة، فإنّ مأساة الحلاّج تماثل شكليّاً مأساة سقراط في القرن الرّابع ق. م، فكلاهما احتكّ بالفضاء العموميّ، حيث اتّخذ الفيلسوف اليونانيّ من السّاحة العامّة (الأغُورا) فضاء للدّرس الفلسفيّ في حين اتّخذ الحلاّج من المساجد، ومن الحرم المكّي (في مناسبات حجّه إليه) فضاء نشر فيه دعوته الصّوفيّة، وأعلن عن بعض كراماته. فكان، في اقترانٍ بذلك، أن كيّفت السّلطة السّياسيّة التي حاكمت سقراط حكمها بأن رمتْه بشبهة الكفر بآلهة اُثينا وإفساد الشّبيبة، وكان أن كيّفت السّلطة التي حاكمت الحلاّج حكمها، أيضاً، بتهمة الزّندقة والهرطقة. صحيح أنّ منهج سقراط عقليّ يقوم على حثّ المتلقّي على أن يفكّر بنفسه في حين أنّ منهج الحلاّج حدْسيّ يقوم على انجذاب التّابع وذهوله، لكن كلاًّ منهما وطّن حرفته في الفضاء الذي تحتكره السّلطة السّياسيّة لنفسها عادة. وكما كان الموت عقاب الأوّل كان كذلك عقاب الثاني، وإن اختلف شكل التّنفيذ. والأمر ليس بمنأى عن نكبة بن رشد غير أنّ هذا الأخير كان الحكم عليه بالنّفي وليس بالقتل. على أنّ الحالة الحلاّجيّة تبقى ملتبسة فمن حيث له تلاميذ ومريدون كتب لهم حتّى وهو في سجنه «المرويّات» في محاكاة للأحاديث القدسيّة ممّا يفيد «اجتماعيّته» كان مفرطاً في «فردانيّته» إلى حدّ الغربة عن أصدقائه حتّى صارت وردة يلقيه بها الشبلي (227 هـ-334 هـ) مؤلمة (حين كان النّاس يلقون الحلاّج بالحجارة ألقى الشّبلي عليه وردة فصاح الحلاّج صيحة، فاستنكر النّاس، فأخبرهم الحلاّج أنّ الوردة التي يلقيها الحبيب تؤلم) (فريد الدّين العطّار).

 

المحاكمة الغائبة
رغم تعدّد أبعاد التّجربة الحلاّجيّة، فإنّها لم تكن في زمانها موضوع مقاربات متعدّدة. ومن شأن هذا التنوّع في تجربته أن يسوّغ القول بإمكان أن تتمّ «محاكمته» أدبيّاً وفكريّاً، بعد أن مزج في نصّه بين اللّغة الشّعريّة والتّجربة الصّوفيّة، وبعد أن انزاح عن الحجاج العقليّ الذي أسّس له أوائل المتكلّمين من قبله بأكثر من قرن وبعد أن شرع في استنباته مترجمو الفلسفة اليونانيّة آنذاك.، إلاّ أنّ محاكمته التي تمّت إنّما كانت سياسيّة حتّى وإن اعتراها لبوس الفقه آنذاك. وبعبارة أخرى، فإنّ «المحاكمة» التي كان يُفترض انتصابها في الصّحائف والمجالس هي المحاكمة الأدبيّة والفكريّة، لكنّها لم تحدث. فإذا كان المحدثون ينظرون، اليوم، إلى شكل الكتابة الحلاّجيّة على أنّه شكل أدبيّ فإنّ ما يلفت الانتباه أنّ النقّاد الذين اهتموا بالإنتاج الأدبيّ في عصره لم يلتفوا إليه لا على هذا النّحو ولا على غيره. فبالرّغم من توسّله، في قصائده بكثير من مفردات الشّعر العربيّ ورموزه، فإنّ نصّه ظلّ خارج نظريّة الشّعر العربيّ التي تمّ إثراؤها قبيل عصره، في القرن الثاني، حيث بدت ملامح التّجديد جليّة على مستوى المعاني والصّور الشّعريّة، وحيث تطوّرت أغراض الشّعر، فظهر الشّعر التّعليميّ وظهرت الطّرديّات.. لكن شعر الحلاّج بقي قاصراً عن النّفاذ إلى دائرة النّظريّة الشّعريّة عند العرب، ولو على سبيل الانتقاد والاستنقاص، فلم يُفرد له المعرّي إلاّ سطرين أو ثلاثة في رسالة الغفران لا ينوّه فيها البتّة بشعره، وإنّما يشنّع به مشعوذاً («وأدلّ رتب الحلاّج أن يكون شََعْوَذيّاً لا ثاقب الفهم ولا أحوذيّاً [أي حاذقاً]، على أنّ الصوفيّة تعظّمه طائفة منهم بما هي لأمره شائفة»).
والسّؤال الذي قد يُطرح يتعلّق بأسباب سكوت النّقاد العرب في القرنين الثالث والرّابع للهجرة عن الشّعر الصّوفي، بما في ذلك شعر الحلاّج! فحتّى ولئن كان هذا الشّعر لا تستسيغه النّظريّة النّقديّة لديهم فإنّه وقد توسّل برموز تكرّست في الغزليّات وفي الخمريّات، واستعار من خزّان الصّور الشّعريّة الشّائعة في المدوّنة الأدبيّة آنذاك، يكون من المرجّح عندئذ أن يتلفّت النّقاد إلى هذا «الدّخيل الأدبيّ» ولو على نحو من الاستهجان، لكنّهم لم يفعلوا، ولا بدّ أنّ لهذا الصّمت أسباباً تقتضي التّقصّي، أو التّأويل لا الشّجب والاستنكار فلا افتراض على الماضي لأنّ ما تمّ قد تمّ، فالمنهج التّاريخي لا يجيز الافتراض على ما لم يتمّ.
وفيما يخصّ القول بالحلول (فكرة وحدة الوجود التي تعود إلى تباشير الفكر اليونانيّ، والتي نجد ترسيخاً فلسفيّاً لها لدى سبينوزا في القرن السابع عشر)، وهو جماع نظريته في التصوّف، فإنّنا لا نلفي مجادلة فكريّة له بشأنها رغم أنّ العصر هو عصر علم الكلام وعنفوان التّفكير الفلسفيّ. ونكاد لا نجد أيضاً أيّ تفاعل مع هذه النّظريّة الحلوليّة ما خلا بعض التّعليقات المقتضبة من بينها تعليق مختصر جدّاً يقرن فيه المعرّي بين السّخريّة والإحالة التّاريخيّة حيث يستحضر أبياتاً ثلاثة تهزأ بهذا القول، ويعقّب عليها بملاحظة مفادها أنّ مثل «هذه المذاهب قديمة تنتقل من عصر إلى عصر، ويقال إنّ فرعون كان على مذهب الحلوليّة، ولذلك ادّعى أنّه ربّ العزّة» (رسالة الغفران). ومن بينها استشهاد يورده الغزالي على نحو يبدو مفارقاً لاعتدال التّصوّف لديه، فهو يشيد به في هذه الإحالة العابرة، حيث يورد «كان الخوّاص يدور في البوادي فلقيه الحسين بن منصور [الحلاّج]، فقال: فيمَ أنت؟ قال: أدور في البوادي أصلح حالي في التوكّل، فقال الحسين: أفنيت عمرَك في عمران باطنك فأين الفناء في التّوحيد؟»، ويعلّق الغزالي «فالفناء في الواحد الحقّ هو غاية مقصد الطّالبين ومنتهى نعيم الصّدّيقين» (الإحياء، ج. 5، ص. 96).

مرافعات.. بعد فوات الأوان
يستعيد بعض الكتّاب العرب المحدثين تجربة الحلاّج، رمزيّا تارة وعلى نحو من التّناصّ طورا، في استئناف لدلالة التّمرّد في تجربته، أو في الاستلهام اللّغويّ من أشكال العدول أو الانزياح في شذراته بعد أن تجذر التصوّر المعاصر لدى بعض الروّاد أنّ الشّعر مغامرة لغويّة تستنبت اللّغة من اللّغة نفسها، أو في استعارته قناعاً لمراوغة أنظمة استبداديّة تقيّد حرّية الإبداع.
ولنا أن نستحضر الاعتراف به «شاعراً» بعدما تمّت مراجعة نظريّة الشّعر لدى العرب من قبل أدونيس مراجعة اتّسع أفقها لا ليسمح فقط للحلاّج بالانضواء إليه، ولكن ليكون واحداً من أصوله المخبوءة.
ولا يعنينا، في هذه المناسبة، أن نقارن بين أشكال التوسّل برمزيّة الحلاّج شعريّاً فذلك مبحث يقتضي الرّجوع إلى شعراء عرب محدثين من أجيال مختلفة ضمن مقاربة تهتمّ بالقناع الصّوفي في تجاربهم، وإنّما يعنينا أن ننوّه بتنوّع ضروب حضوره في القصيدة العربيّة الحديثة بحسب الحساسيّة الشّعريّة التي يصدر عنها الشاعر، فمن استحضاره مفكّراً وشاعراً لدى أدونيس إلى استحضاره شهيداً ثوريّاً لدى البيّاتي.
ولعلّ صلاح عبد الصّبور انتبه في مسرحيّته الشّعريّة (مأساة الحلاّج) إلى أنّ الصّياغة المسرحيّة باعتبارها بناءً معقوداً على صراع المواقف والأفكار من شأنها أن تبلور أكثر البعد التراجيدي لمحاكمة الحلاّج من حيث هي تعبير عن «وضع المثقّف» الذي تتقاذفه موازين القوى في عالَم السياسة، فإذا به ينتهي دائماً دون نصير!
وحدهم الكتّاب والمفكّرون يستنزلونه من الصّليب ليرجعوه إلى قاعة المحكمة/‏‏‏النّصّ الأدبيّ قاضياً يوجّه أصابع الاتهام إلى التّاريخ.

المحاكمة.. العالقة
يكاد لا يخلو تاريخ أيّة ثقافة من اقتراف محاكمات سياسيّة في حقّ مبدعيها، مفكّرين وأدباء وفنّانين، لكن بعض الأمم اهتدت إلى غلق ملفّات تلك المحاكمات واستخلصت منها الدّروس. أمّا نحن، العرب والمسلمين، فلم يتسنّ لنا أن نغلق تاريخ المحاكمة السّياسيّة. فما زالت محاكمة الحلاّج مفتوحة بعدُ، ولنا أن نضيف بأنّ مأساة الحلاّج، ولئن كانت تتنزّل ضمن التّاريخ الكوني لمحاكمات المفكّرين فإنّها تتنّزل ضمن «تاريخ مخصوص ما» يتنامى بحسب منطق الذاكرة، أي منطق التداعي، وليس بحسب منطق الديالكتيك والتّجاوز. حتّى وإن كانت محاكمته علامة فارقة في تاريخ التّصوّف الإسلاميّ، فإنّ إعادة إخراجها على نحو ما فعل لويس ماسينيون يستدعي ضرباً من التّنسيب، نظراً إلى كونه إخراجاً استشراقيّاً معقوداً على مقاصد قد لا ينهض لها التّحقيق والتّدقيق في تلك الحقبة التي شهدت مأساة الحلاّج بالإسناد الكافي، على أنّ التّنبيه إلى التّأويل الاستشراقيّ لهذه الشّخصيّة الصّوفيّة في الإسلام ومحنتها لا يبخس جهدَ ماسينيون في إعادة رسم بورتريه الحلاّج حقّه، فضلاً عن كونه كان نصيراً لقضايا العرب من الاحتلال الفرنسي لبلدان المغرب العربيّ إلى نكبة فلسطين ممّا كلّفه السّجن. بيد أنّ ما يعنينا المراهنة الفكريّة على تحويل هذه المحاكمة، وغيرها من محن الفكر، إلى اختبار استرجاعي لتاريخ العرب والمسلمين عسى أن نخرج من منطق الذاكرة إلى منطق التّاريخ، من حالة المحنة العالقة إلى التّأويل العقلاني.

https://www.alittihad.ae/article/67002/2018/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A7%D8%AC--%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A9