أسطورة الفرح الكامل

حنا عبود
الحلم بالسعادة ميزة بشرية، ولكن هذا الحلم لم يأت من عالم الأحلام الذي تصفه لنا الميثولوجيا، بل ينبع من بؤس الحياة البشرية. فراح الخيال والفكر والمسعى الواقعي والفلاسفة وحتى العلماء أنفسهم يرسمون لوحة للحياة السعيدة، بحسب تصوّراتهم: أفلاطون والفارابي وتوماس مور وتوماس كامبانيلا وفرانسوا رابليه (دير تيليم في روايته «غارغنتوا وبنتاغرويل») وحتى فوكوياما الذي وعدنا بـ «نهاية التاريخ» أي نهاية الصدام بين البشر، وبزوغ

فجر الديمقراطية التي تجلب السعادة للجميع، والذي امتدح عمله الكثيرون... لا نجد فرقاً بينه وبين ما قدمته لنا الميثولوجيا القديمة. الفارق أنهم يكتبون اليوم، بينما في العصر الميثولوجي كانوا يتناقلون الأفكار والأحلام عن طريق المشافهة. ومن يتباهى من المعاصرين بأفكاره «الواقعية» لو قارن أفكاره بالأفكار الميثولوجية عن السعادة لوجد أنه لم يضف شيئاً، فالأمر كله حلم بحلم، على الرغم من أننا نضفي الكثير من العلمية على عصرنا، الذي تصنّفه الميثولوجيا بعصر القلوب الحديدية، أو العصر الحديدي، الذي تنبأ به بروميثيوس، وقال لزيوس إن سلطته ستنتهي عندما يحل العصر الحديدي، فيصير الحكم بيد الحديد (آلات القتال). الطاعة تصبح إذعاناً للحديد.
في الميثولوجيا اليونانية
قلنا إن السعادة حلم، ولكن في الميثولوجيا يكون الحلم استعادة لعصر يتوهم كتاب الميثولوجيا أنه تحقق على هذه الأرض، ويسمون هذا العصر «العصر الذهبي». فالفارق بين كتاب المدن الفاضلة وكتاب الميثولوجيا يكون في تحديد زمنه لا في علاقات البشر السعيدة. مؤلفو كتب المدن الفاضلة يزعمون أنه أمامنا، ويمكن تحقيقه إذا اتبعنا ما خططوه لهذه المدن، وكتاب الميثولوجيا يزعمون أنه خلفنا، وأن ما مضى لن يعود.
يتفق كتاب الميثولوجيا (من يونان ورومان) أن البشرية مرت بأربعة عصور: الذهبي (عصر ساتورن) والفضي (عصر زيوس) والبرونزي (عصر مارس) والحديدي (عصر بروميثيوس). ويعتقدون أن السعادة لم تتحقق إلا في العصر الذهبي، بينما العصور التالية كانت تنحدر تدريجياً وتتقلص دائرة الفرح تدريجياً. وسوف نرسم باختصار معالم هذه العصور:
العصر الذهبي
هو العصر الذي حكم فيه الإله كرونوس (ساتورن عند الرومان) الذي يوحدونه مع إله الزمن الذي يحمل الاسم ذاته. ففي هذا العصر لم تكن هناك حروب ولم تكن هناك خلافات، كما لم يكن شقاء ولا كدح، فما تنتجه الطبيعة كان كافياً لحياة البشر، فيعيشون على هواهم، بلا قيود ولا شرائع ولا أديان، بلا لاهوت ولا كهنوت.
الأرض في ربيع دائم، ومعنى ذلك أنها تظل تنتج باستمرار، وهي تنتج الأحياء بكل صنوفهم، وكل صنف يرضى بما تنتجه الطبيعة، فلم تكن الوحوش تهاجم البشر، ولا البشر يطاردون الوحوش، وهل لبشري يحيا هذه الحياة المرفهة بحاجة إلى الصيد حتى يؤمن قوته؟ ليس هناك شيء يختلف فيه البشر مع البشر، أو البشر مع الوحوش. ولم يكن ثمة تمييز بين الآلهة والبشر، فكلهم أبناء الأرض، أحياء متساوون في كل شيء. ولا يعرفون مرضاً ولا دواء، ولا يشعرون إلا بالفرح. يولدون من «جيا» الأم الكبرى، أي الأرض، وما زوجها سوى كرونوس (ساتورن) نفسه. وكان النسل يأتي سليماً معافى، يتعامل بنعومة، وشغله الشاغل صناعة المرح والحبور. إنه شعب لا يعرف الثرثرة، وهل يثرثر من ليس له نوستالوجيا تشده إلى الماضي؟ يبدو أن الزمن لم يكن موجوداً قبل هذا العصر الذهبي، فعاش الناس بلا تاريخ... هذا هو باختصار العصر الذهبي الذي كان عبارة عن ربيع دائم وشباب دائم.

العصر الفضي
تناهى إلى سمع ساتورن أن زوجته جيا (الأرض) ستلد له ابناً ينهي حكمه، فراح يلتهم كل من تلده. ضجت جيا من هذا التصرف، وعندما حبلت بابنها زيوس لم تقدمه لأبيه، بل استعاضت عنه بصخرة قمّشتها بأقمطة الأطفال، فابتلعها وهو يعتقد أنه يبتلع ابناً جديداً له. وهذه أول مرة يجري خوف الآباء من الأبناء، والتوجس ريبة مما يخبئه المستقبل. ولما شبّ زيوس عن الطوق خرج من مخبئه في جزيرة ديلوس، وخلع أباه عن عرشه.
ومنذ ذلك الحين بدأ ما يسمى «العصر الفضي» ويوصف زيوس بأنه رب العدالة والقانون. وأول شيء قام به أوقف الربيع الدائم وقسم السنة إلى أربعة فصول: الربيع والصيف والخريف والشتاء. وساءه أن شعب ساتورن لا يعملون، فأرسل وراء جابيت وأمره أن يطلب من ابنيه بروميثيوس (معناه العقل المتقدم) وإبيميثيوس (ومعناه العقل المتخلف أو الرجعي) أن يخلقا بشرية جديدة. وطفق هذان الربان ينفذان أمر زيوس، فكان إبيميثوس يخلق من الطين (الأرض) كل أصناف الحيوانات، ويمنحها الكثير من الأعضاء التي تساعدها في عملها، كالأجنحة للطيور والقوة للوحوش، ولكنه جعلها تمشي على أربع، فرأسها منكس دائماً، أما بروميثيوس، فقد استاء من أخيه، فراح يفكر إلى أن انتهى إلى أنه يجب أن يكون هناك مخلوق منتصب ينظر إلى السماء ويعمل للوصول إليها، فأوجد من الطين مخلوقات منتصبة، ولكن لم يستطع أن يمنحها السرعة والقوة والأجنحة وسوى ذلك، لأن أخاه سبقه إليها ومنحها للحيوانات والوحوش، فجعل له عقلاً يدرأ به خطر مخلوقات أخيه.
في هذا العصر كان الآلهة يعيشون مع البشر، وقد وزع زيوس الوظائف على إخوته وأبنائه، ومنهم ابنته أسترايا، ربة العدالة، التي كانت تحضر حيث يكون هناك خلاف، فتفضه بإنصاف وتقضي بحسب قوانين زيوس العادلة. ويمكن القول إن هذا العصر كان عصر سعادة، إلا أنها ممزوجة ببعض الشقاء، فقد اضطر الإنسان إلى العمل في الأرض (المرحلة الزراعية) فمنتوج الأرض، بعد أن أوجد زيوس الفصول الأربعة، لم تعد تنتج من تلقاء نفسها، بل خضعت لظروف هذه الفصول، فكانت تمر فترة تموت فيها الأشجار، ولا تعود إلا في الربيع. وتقلصت رقعة السعادة الأرضية، فقيل لم تبق سوى بقعة واحدة هي «أركاديا» التي أكثر الشعراء المحدثون من نظم قصائد تتغزل بها وتتشوّق إليها، ويتخيلون الرحلة إليها من هذا العالم الحزين، وقيل إن ساتورن نفسه كان يشرف على هذه البلاد التي لا يعيش فيها سوى الرعاة، فلا يعرف أهلها الموت، كما كان الأمر في العصر الذهبي، عصر ساتورن. لكن الرسام نيكولاس بوسين ينتج لوحة شهيرة فيها ضريح لأحد بني البشر، وقد نقش الموت على صدر الضريح: «حتى في أركاديا أنا موجود» ليؤكد أنه لا مهرب من الموت.

العصر البرونزي
اضطربت الأحوال في الجيل الجديد الذي خلقه بروميثيوس، ومن أهم الأسباب التي جعلت الأحوال تضطرب أن هذا الشعب الجديد يعيش بلا ذاكرة. اضطر زيوس أن يوزع وظائف تذكير الجيل الجديد على إخوته وأخواته وأبنائه، فديميتر، ربة القمح، تذكره بأن عليه الاهتمام بالقمح لأنه لا يعيش من دونه، وأوكل وظيفة تذكير الإنسان بضرورة المحافظة على البيئات الطبيعية إلى ابنته أرتيميس (ديانا) فلا يقطع أشجاراً ولا يفسد زراعة، وأسند العدالة لابنته أسترايا... وهكذا. وأسند حماية المدن وقضايا الحروب لابنه أريس (مارس) الذي اشتهر كإله حرب، لكنه لم يحظ بسمعة طيبة، فكان الناس يكرهونه، ولم يقيموا له إلا القليل من المعابد. ويعتبر هذا العصر «عصر مارس» لكثرة الحروب فيه، فازدادت الأمور سوءاً، وبدأت الآلهة تغادر الأرض، وتدع الناس وشأنهم، إلا ربة العدالة أسترايا، لأن زيوس قال لها إذا تركت البشرية فسوف تضل عن العدالة، وتخلق لنفسها عدالة إنسانية أشد بؤساً من ظلم الآلهة. لكنها ظلت تشكو له تعثر عملها بين البشر إلى أن سمح لها بالمغادرة وجعلها برجاً في السماء هو برج العذراء. وساءت الأمور أكثر فقرر زيوس القضاء على هذا الجنس البرنزي بالطوفان، وأدرك ذلك بروميثيوس بعقله الثاقب، فأمر ابنه ديوكاليون أن يبني فلكاً ويدخله مع زوجته بيرها، وحدث الطوفان ونجا الزوجان، ولما غاضت المياه ذهبا إلى المعبد، فسمعا صوتاً يقول اقذفا عظام أمكما (أي الأرض) فصار كل حجر يرميه يصبح رجلاً، وكل حجر ترميه يصبح امرأة، وبدأ النسل الجديد، نسل بروميثيوس يتكاثر، فحرمه زيوس من النعم، وجعله يكدح كثيراً، فعاش حياة بائسة، يصوم ويصلي للآلهة حتى يتحسن وضعه البائس.

العصر الحديدي
في يوم من الأيام قال بروميثيوس لزيوس، لماذا لا تمنح البشرية قبساً من هذه النار المقدسة؟ فنهره زيوس قائلاً، إياك يا بروميثيوس، فأنا أعرفك وأعرف أنك تريد أن تساعد البشر، ولكن اعلم أنهم إذا عرفوا النار فسينسون الآلهة، ولا يقدمون لها القرابين، وبذلك تكون نهايتنا، فندفن في مقبرة النسيان. لكن بروميثيوس سرق النار فتقدمت البشرية وكفرت بالآلهة وصنعت كل أداة مؤذية لتصل في قوتها إلى قوّة الآلهة. وكان بروميثيوس قد تنبأ لزيوس بأنه سيزول في العصر الحديدي، فصلبه على جبل القفقاس وسلط عليه نسراً ينهش في النهار كبده، فينمو ليلاً، ليعود النسر نهاراً، إلى أن حرره هرقل. ولا يزال هذا العصر قائماً، فهو آخر العصور، بعد أن تبلدت مشاعر الناس، وطغت الأنانية.
سعادة الحقول الإيليزيه
لم تترك الميثولوجيا الناس بلا أمل في السعادة، بل جعلت لهم سعادة في الحياة الآخرة، وسمّت المكان «الحقول الإيليزية» وهي الحقول التي سمح زيوس لأبيه ساتورن أن يحكمها، فكل المباركين يذهبون إليها بعد وفاتهم. ويحدثنا فرجيل في ملحمته «الإنياذة» بالتفصيل عن هذه الحقول، حيث يذهب إينياس ويزور أباه هناك ليعرف منه مصير الشعب الطروادي، مقلداً بذلك هومر في ملحمته «الأوديسة».

سعادة توماس كول
الناس تنتج الميثولوجيا في كل يوم، فالخيال الإنساني موجود في كل فرد، فإن كان المرء أديباً سميناه «الخيال الأدبي» لأنه يتجسد في الكتابة. فكل المدن الفاضلة التي قدمها لنا الكتاب عبارة عن ميثولوجيا. لكن الرسام توماس كول يقدم لنا تصوّراته عن العصور البشرية في لوحات. جعلها خمسة عصور، وهي ليست من صنع الآلهة، بل من صنع البشر الذين يغيّرون من جغرافيتهم الأرضية لتوفير السعادة: العصر الأول تمثله الطبيعة المتوحشة للبشر التي تبقي الطبيعة الجغرافية كما هي بوحشيتها، والثاني تمثله الفترة الرعوية من حياة البشر، والثالث تمثله الزراعة المتقدمة وهو ذروة الاكتمال، بينما الرابع تمثله الطبيعة البشرية المؤذية ويسميه عصر التدمير، حيث تكثر الحروب. والعصر الخامس هو عصر فردي، يمكن أن يحقق أي فرد سعادته بعزل بنفسه عما يدور حوله، متجنباً الخراب والدمار.

حلم الشعوب والأفراد
أتينا على أسطورة السعادة عند الإغريق والرومان، لكن هذا متوافر في كل أساطير الشعوب، الطامحة دائماً إلى الفرح والسعادة، كجنة عدن وفردوس دلمون، وحالة النرفانا... بل إنها حلم الفلاسفة أيضاً، فالرواقية ترى السعادة في داخل الفرد، فهو قادر أن يخلق حالة في نفسه يتجاوز فيها كل ما يزعج، والأبيقورية تجعل «الهيدونية» حالة للسعادة القصوى، التي يمكن تحقيقها بالانكباب على «الملذات التي لا تؤذي أحداً» فمن يؤذ الآخرين يصب نفسه بالأذى. وفي الميثولوجيا الإسكندنافية ستدخل البشرية مرحلة السعادة عندما يشرق فجر جديد على بشرية جديدة بعد معركة الراغناروك (أي اليوم الأخير) التي لا تبقي من البشرية السابقة أحداً.

https://www.alittihad.ae/article/62319/2018/%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84