المدينة ملح والهراوة من الجريد

طالب عبد العزيز
مع البلبل الذي في القفص أقتسمت كوب الماء الحلو، ومن الخزان، الذي فقد لونه تحت شمس تموز وآب، حملت الجردل الى الفسيل، غرسته، في الربيع الذي قصر جداً، لكنني، وبعين من الدمع، حمراء، أبصر الفاختةَ وهي تهوي من الغصن ميتةً، تهدل جناحاها وتهشم منقارها وذوت، لكأنني أشم نداء الماء في حنجرتها، توسلت بالقط الاسود ألا يجرجرها الى مكيدته فأبى. صباح ومساء، كل يوم كنت أصغي لندائها، مبحوحاً يأتيني من السعف، ومن العذوق التي يبس تمرها، من الريح، تترجم الجمر في هبوبها وتغدو قائضةً، من النهر القريب وهو يأتي بالملح الاجاج من البحر اليّ، كانت السلاحف نائمة في قاعه فخرجت، وكان القصب لائذاً فمات.
ما كانت البصرة عاقراً لتدلك بالملح فخذيها وما كان ابوها (شط العرب) أمرؤ سوء ليسقط بنيه برصاص الآمنيين في ساحة عبد الكريم قاسم، إذ، لم يئن بعد موسم كراهتها، لم يحن بعد وقت جفاف باطن ضروعها. مدينة النخل والكَرْم والخشابة، الطريق الوحيد الى الهند وخيط اللوبياء الطويل، مدونة السيد الجاحظ وحافظة أثر فرس علي. فلا ترفعوا هراواتكم عالياً أيها الجند، اجعلوها من الجريد، فهي أحب السياط الى ظهور البصريين، لا تطلقوا الغاز المسيل على عيونهم، هي رمداء منذ اشهر ثلاث، فقد ولغ الملح فيها حتى ظنناه اكتوى ونام، لا تتعقبوا خطواتهم فهي في الريح التي على الماء، اركنوا عرباتكم المصفحة قرب أي بيت في المدينة، فهي آمنة من هلع وخوف، طيعة من ألم ونسيان، باذخة من موت يتأجل ساعة من النهار، ولا تنسوا، اكتبوا بالقرمز الوردي أسماء غضبكم على أي جدار، ستكتب الامهات رسومكم على المهافيف، وبين طيات ثياب الشهداء ستنمو ريشة سقطت من جناح عصفور صغير، مات البارحة. يا أنتم، يا من تقفون بوجه النخل الذي يحترق. في الشطآن المنخورة بالملح، ثمة من لا يخترق اليأسُ كوخَ مسراته.
أحرق الولدانُ السمرُ الاطاراتِ في الساحة، نعم، وبالحديد المضفور اللين سدوا الطريق الى سراي الحكومة، نعم، وبالقمصان المبللة بالدخان وقفوا، بالقبضات العارية اصطفوا، نعم، وبالغضب القديم جاءوا، نعم. لكن، ليس بينهم من تجرأ وسرق حلماً، وليس بينهم من نادى على غريب فدخل، على قميئ فغزا، ليس بينهم من لم يقف على اسوار نينوى حامياً ؟ إذن لماذا، تستكثرون عليهم وقوفهم في الشمس تماثيلَ ملح، وفي الظلام اشباحَ موت ؟ لماذا تلقون بخيمتهم في النهر المتسخ، وإذا طلبوا الماء له تداككتم الى البنادق، تطعمونها الغاز والعمى، وتفرغونها من معانيها؟ أهكذا تفعلون بمن وقفوا، يتأملون النخل ساعة ولد وساعة يموت، وساعة تبعثون في ضمائركم ؟ لئن، كانت الانهار زفرة سمك وهسيس ورق وكركرات ذات يوم، فقد مات الذين كانوا أشرعتها، ها هي تُسرق وتتمزق أعالي النهار.
من الطين الذي يُمسكُ خلقت المدينةُ أبناءَها ولم تخلقهم من الرمل أو الملح، فكانوا جميعاً ولم يكونوا فرادى، وكانوا تعاضدوا، فصعدوا السماء التي كانت زرقة وأهلة، ونزلوا النخل فكانوا ظلاله على الماء، الذي منه مسراتهم، وكانوا أتوه من رواءٍ ولم يدخروه، ضانين به من ظماء على بعضهم، لم يحبسوه في زجاجة، ولم يصعّدوا به، جاهدين الى غير سبيله، فكانّ دابتهم في انهارهم وبساتينهم، يطلبونه فيأتي، ويفرغون منه فيروح، كتبوا مواسمه على جذوع أشجارهم، وعلى رقاب مواشيهم علقوا أسماء آلهته السبع .. هكذا، كانوا، منذ أن غرس أبو بكرة فسيله الاول، حتى عبد العزيز، حفيدي، الذي هدّهُ الملح في السرير ونام. فلا تأمنوه. ستأتي امراة، سمراء من رطب وحناء، تحل قماطه الليف، تعلمه القفز بين القوارب، وسيأتي رجل من مغرب النخل، يعلمه العبث بين العراجين.. هناك، حيث لا يكون ملح، ولا يكون رماد، سيكون آخر أطار قد احترق بالكامل، وشربت السماءُ دخانه.
جريدة بين نهرين
العدد 89 في 6 ايلول