انتهى «شهر كأس العالم» ولا أعرف ما الذي سأفعل بعده

كرة القدم ومحمود درويش والأخطبوط
قبل يومين من المباراة النهائية لكأس العالم، والتي جمعت بين منتخبي إسبانيا، وهولندا، أجلس لأكتب هذا المقال. لا تشغلني النتيجة، أما التوقعات فتركتها لبول. ولعلَّ أكثر ما تركته كأس العالم في بيتنا من أثر، هي تلك القصاصات الصحافية التي تتحدث عن كرة القدم، عن هذه الكرة والسياسة، أو الاجتماع أو الاقتصاد. “الفيفا” التي تحولت إلى دولة غنية، أو أكثر تمثيلاً، أو فائدة أو قدرة على حل الخلافات من منظمة كالأمم المتحدة. أو “اقتصاد الكرة” نفسه، هذا الاقتصاد العائم على منطقة مظلمة من المراهنات والصفقات المليونية للاعبين والمدربين، والدولارات التي لا تعد والتي تمطرها كالعادة سماء الإعلانات.
هل تعكس طريقة اللعب ثقافة المجتمعات؟
سؤال تطرحه بعض القصاصات، فإذا كانت من ثقافة المجتمعات هو قدرتها على تنظيم مؤسساتها والتشغيل الفعال لآليات تلك المؤسسات، فإن القدم لا شك ستتأثر بمثل هذه الثقافة، ومن هنا لم يجد المعلقون حرجاً في الحديث عن “الماكينات” الألمانية أو “الكمبيوتر” الياباني، رابطين بوضوح بين التغلغل التكنولوجي في هذين البلدين وبين لعبة الكرة. لكن التكنولوجيا سرعان ما اكتسحت في الدورة الحالية لكأس العالم. ولم يكن ممكن للمعلقين أن يقولوا: “الأبقار” الهولندية أو “الثيران الإسبانية”، ولكن قوة الدوري الإسباني، والسايكولوجيا الجريئة والمنظمة لدى الهولنديين، قد دخلت كعوامل اجتماعية أو ثقافية تضفي على لعب هذين المنتخبين ثقافة خاصة.
وربطت في السياسة والاجتماع بين الاهتمام بكأس العالم والسكوت عن حصار غزة، مثلاً، حتى أن هذه الكأس كانت فرصة للحديث عن حقوق المرأة والكرة النسوية، وإلى ما ذلك من شؤون البشر، لكن أكثر الثنائيات حضوراً كانت ثنائية الفقراء/ الأغنياء، أو الكبار/ الصغار. فمشجعو المهمشين والمساكين وجدوا في كأس العالم، فضاء لا ريب فيه، للتعبير عمّا يجيش بدواخلهم من مشاعر مسحوقة.
وبدا الفرج قادماً حين بدأ “الكبار” في التساقط واحداً تلو الآخر: إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وأميركا، لكن “الكبار” في كرة القدم، والذين هم ليسوا “بالضرورة” كباراً في الإمبراطورية والهيمنة قد تساقطوا تباعاً أيضاً: البرازيل، التي قصمت ضحكات البنات، والأرجنتين التي صاحبتها إلى قارتها اللاتينية الدموع.
ورغم تعثر غانا المفاجئ، إلا أنها أضحت بطلة لأفريقيا كلها، وكان مشهد اللاعبين وهم يدخلون للسلام على مانديلا في بيته، شبيهاً بالذهاب إلى كنيسة، وشكر الرب على كل شيء.
مانديلا الذي لم يحضر الافتتاح لوفاة حفيدته المفاجئ، كان حاضراً بقوة في كل الدورة. فالدورة نفسها تُعد تتويجاً لنضاله ضد التمييز العنصري، بل إن الملعب الذي أُقيمت عليه المباراة النهائية والمسمى بـ”السوكر سيتي” في جوهانسبرج.. هذا الملعب بالذات شهد أكبر التجمعات “السوداء” المناهضة للدولة “البيضاء” العنصرية، التي كانت إلى ذلك الوقت، ما زالت قائمة عروشها. ومن هذه التجمعات، كان ذلك الحشد الذي ملأ المدرجات والذي جاء يستمع للزعيم مانديلا وقد خرج من سجنه الطويل توّاً.
وحتى منتصف التسعينيات كانت الفجوة ما زالت قائمة بين الألعاب التي يهوى البيض ممارستها والمدعومة بكل الإمكانات من ملاعب وتشجيع وغيره، وبين الألعاب التي يمارسها السود في أحيائهم الفقيرة بين الحشائش والغبار. فمنذ بداية سياسة التمييز العنصري الأبيض ضد الغالبية السوداء قبل أكثر من قرن، فقد كرست لعبتي الكريكيت والرجبي التي يمارسها البيض، بينما تجاهلت العنصرية لعبة كرة القدم، والتي تفضلها الغالبية.
ولم ينته ذلك إلا عندما بدأ الزعيم التاريخي التاريخي نيلسون مانديلا في محاولة هدم الفجوة التي كانت موجودة في الأساس بين البيض والسود، ولم يجد طريقاً أسهل من الرياضة لكي يحقق نجاحاً لم تكن كل المفاوضات السياسية أو غرف الاجتماعات بقادرة على تحقيقه، حيث بدأ يحضر مباريات الرجبي والكريكيت. كما كان يشجع مواطني بلاده من السود على الحضور في هاتين اللعبتين، وكذلك فعل البيض، حيث بدأوا يحضرون مباريات كرة القدم.
وفي عام 1995 وعندما أُقيمت كأس للعالم للرجبي، ارتدى مانديلا قميص فريق الرجبي وذهب إلى الملعب، مطالباً شعبه، خصوصاً السود، بالوقوف خلف منتخب بلاده. ووقف فعلاً بمختلف أعراقه وألوانه خلف الفريق حتى فازت جنوب أفريقيا بالكأس، لهذا ففي العام الذي تلاه، وحين استضافت جنوب أفريقيا كأس الأمم الأفريقية، زحف المشجعون البيض لحضور المباريات والوقوف خلف فريقهم حتى فازت جنوب أفريقيا بكأس البطولة أيضاً.
ولكن “الأولاد” (كما يُسمى لاعبو جنوب أفريقيا) لم يظهروا كما يجب في كأس العالم. ليس هم فقط وإنما الكثير من نجوم الرياضة، كاكا وميسي وغيرهما، ولكن الهزيمة الموجعة التي تلقاها مارادونا كمدرب، وجعلته يسقط في تلك البدلة التي تمسك بارتدائها طوال الدورة، جعلت للدموع مغزى في بعض التغطيات الصحافية.
لكن أكثر الوعود التي تلاشت مع تلك الهزيمة أهمية، هي تلك التصريحات التي أطلقها مارادونا حين قال إنه وفي حال فوز فريقه بكأس العالم سيركض عارياً في جوهانسبرج أو بوينس آيرس.
لقد أُحبط تماماً أولئك الذين كانوا يريدون اختبار مارادونا، ومدى تمسكه بما يقوله، لكن الأرجنتينيين على ما يبدو لم يحبطوا، واستقبل مارادونا والفريق استقبال الأبطال، مع إعلان العاصمة عن نيتها إقامة نصب تذكاري لأسطورة كرة القدم دييجو مارادونا، وقال أحد النواب في البرلمان الأرجنتيني: “.... بعيوبه ومميزاته، وبتوفيقه وأخطائه، بالمشكلات نفسها التي تواجه أي شخص، تمكن مارادونا من تجاوز كل معوقات الحياة الحياة بروح كفاح لا بد من إبرازها”. وأوضح ذلك النائب: “رغم وجود كل شيء في متناوله، دافع مارادونا في كل لحظة عن مصالح أبطال كرة القدم الرئيسين: زملائه اللاعبين”، مضيفاً أنه: “من أجل ذلك واجه قيادات في كرة القدم وسياسيين ومصالح كبرى”، كما نبَّه إلى أن مارادونا “ظاهرة اجتماعية تتخطى شعبيتها حدود ما هو رياضي ما هو رياضي”، وقال: “الشعب لا يحبه فقط لأهدافه ومراوغاته، الحب يتعدى ما يمكن لأي رياضي أن يناله”. كما أشار إلى أنه “خلال العديد من مشاهد حياته، جسّد (مارادونا) رغبات من هم أكثر احتياجاً، من لم يكونوا قد احتفلوا قط، من أقصاهم التاريخ إلى الأبد. الذين وجدوا آمالهم في حياة أفضل متجسدة فيه”. وقال: “دفاعه عن وحدة أميركا اللاتينية واعترافه بمعاداة الإمبريالية يشهدان على ذلك”. واعتبر: “أن الشعب الأرجنتيني قدّم دليلاً على أنه إذا كان الأمر يتعلق بمارادونا، فإن النتائج لا تهم”، وباختصار، حسب ذلك النائب دوماً فإن “مارادونا تحول إلى رمز في الثقافة الشعبية”.
ـ “لو كان مارادونا عربياً، ورجع بتلك الخسارة المفجعة إلى بلده، لسحبت منه الجنسية”.
قال صديقي، فلم احتف بما قاله كثيراً لأني لا أحب التوبيخ الصارم للذات الجماعية، وكما يمارسه العرب في كل آن. وعموماً، فإن ذهاب الفرقة الأرجنتينية لم يكن هو الذهاب الأمرّ للكبار والأبطال في هذه البطولة (إذا ما قورن بفرنسا مثلاً). لكن في الإقبال برز في هذه الدورة أبطال من لاعبي كرة القدم ومدربيها لم يكن الإعلام والإعلان يحتفي بهم من قبل (يقال إن عصابات الإعلان خسرت كثيراً على مراهناتها الواثقة تجاه أسماء لاعبين استخدمتهم بالملايين ولكنهم ضاعوا، كما تضيع الإبرة، في هذا الخضم من المهرجان الكروي)، كما برز أبطال من نوع آخر، منهم (منها) مثلاً آلة النفخ “الفوفوزيلا” التي أطلقت دبيباً مزعجاً في الملاعب من أول الدورة إلى آخرها.
- “لو كانت الدورة في العالم العربي لمنعت هذه الآلة من أجل عيون الأجانب والسياح من أول الدورة، وربما للأبد. ولكن الناس هناك تحترم رموزها ولا تتخلى عنها بسهولة”.
قال صديقي، والذي على الأرجح يصعب إسكاته، كما صعب إسكات “الفوفوزيلا”. وهنالك بطل آخر أصبح الآن من أكثر نجوم هذه الدورة شهرة، إنه الاخطبوط “بول”، والذي كانت توضع أمامه علبتان تحملان علمي الدولتين اللتين تلعبان، وهنا يتنبأ بالفريق الذي سيفوز عبر تفضيله الأكل في علبة هذه الدولة الأخرى.
الأخطبوط يعيش في أحد مراكز الأحياء البحرية بإحدى المدن الألمانية، ولقد صدقت تنبؤاته في مجمل المباريات التي خاضتها ألمانيا في الدورة، وقبل المباراة الحاسمة بين ألمانيا وإسبانيا نقلت إحدى القنوات المشهد أو الطريقة التي تنبأ بها ذلك الأخطبوط على الهواء مباشرة، فإذا به يصدم الألمان، ويتنبأ بفوز إسبانيا:
ـ “لو كان ذلك الأخطبوط في العالم العربي لمُزِّقَ إرباً فوراً ولزورت تنبؤاته كما تزور الانتخابات”.
قال صديقي الذي لا يكف. لكن الألمان بشر أيضاً وحين تحققت نبوءة الأخطبوط وفازت إسبانيا، تلقى “بول” تهديداً بالقتل عبر البريد الإلكتروني، ونصح بعض الألمان برميه بحوض مملوء بأسماك القرش فوراً، وقالت مشجعة ألمانية، تعمل أصلاً بائعة للأسماك:
ـ “لا شيء أروع من الأخطبوط المشوي يقطع إلى شرائح صغيرة ويتم شيه، ويصب عليه زيت الزيتون وعصير الليمون والثوم”.
بينما رد رئيس الوزراء الإسباني على مثل هؤلاء، وبمنتهى الجدية، بأنه على استعداد لحماية “بول” عبر إرسال حراس شخصيين. لكن “بول”، الذي أصبح يعرف باسم “بول العرَّاف”، والذي يعيش ككل الأخطبوطات على ثلاثة قلوب، كائن هرم، وقد لا يعيش ليتنبأ بما قد يحدث في عام 2011، أو في أقصى التقدير، العام الذي قبله.
أمَّا الصحافة العربية بالذات، فلقد انشغل الكثير منها بتلك المقارنة البليدة والمغلوطة بين الثقافة والرياضة عند تعليقها على كأس العالم. ولقد قرأت مقالاً للكاتب راسم المدهون اعتبر فيه ما يقوله كثير من الكتاب عن كرة القدم وعلاقتهم بها نوع من “التعالي الزائف”، واعتبارهم “الثقافة حالة فوقية، تتعالى عن النشاط الإنساني بمختلف أشكاله، وتحديداً تلك الأشكال من النشاط التي تقوم على مجهود بدني يرى أصحاب تلك النظرة أنه معزول عن العقل، ولا يمت إليه بصلة إلا من بعيد. يتباهى بعض المثقفين بأنه لم يتابع يوماً مباراة كرة قدم محلية كانت أو عالمية، وهم يحرصون على قول ذلك في مناسبة وغير مناسبة، تشديداً منهم على انتمائهم هم إلى عالم آخر مختلف تماماً، عالم يحتكم إلى الفكر وتقوده قوانينه”.
ولهذا فإنهم، وكما يكتب المدهون يصدمون حين يعبر أحد رموز الثقافة عن علاقة مختلفة، حدث ذلك في مناسبات، ولكنه وقع، كما يتذكر الكاتب، “في أعقاب مونديال الكرة عام 1986. يومها نشر الشاعر الراحل محمود درويش مقالة جميلة في مجلة “اليوم السابع” عنوانها: مارادونا (سأبحث عن هذه المقالة، فأنا أحب كثيراً ما كتبه درويش نثرياً)، وكانت كما هو واضح من العنوان تتناول اللاعب الأرجنتيني الظاهرة (و) أتذكر ـ ودوماً حسب المدهون ـ أن نشر المقالة فتح باب لقاءات صحافية فاجأت بعض المثقفين بأن الشاعر الراحل كان يعشق لعبة كرة القدم، ويتابع مبارياتها وبالذات دوراتها الكبرى بطقوس خاصة، بالغة الحميمية، تعكس مدى اهتمامه، ومن ذلك حرصه مثلاً على فحص جهاز التلفزيون والتأكد من صلاحيته، وشراء بطارية احتياط تحميه، كما كان يقول من أي مفاجأة بانقطاع التيار الكهربائي أثناء بث إحدى المباريات”.
هذا عن محمود درويش، أما عني، فقد انتهى “شهر كأس العالم” ولا أعرف ما الذي سأفعل بعده، ويبدو سؤالي هذا قريباً من سؤال المتدينين عن ماذا بإمكانهم فعله بعد شهر رمضان.

 

http://www.alittihad.ae/details.php?id=43350&y=2010&article=full