جمال ناجي.. ممنوع الموت خارج الرواية


باسل طلوزي
هل يحق لجمال ناجي أن يموت خارج الرواية؟ سؤال لا أطرحه على الأحياء، بل أخص به كاتبنا الراحل قبل أيام؛ لأنني، شخصيًا، لا أعترف بأي موتٍ للمبدع خارج نصّه، فكيف إذا كان النص روايةً حافلة بشخصياتٍ من لحم ودم، يخلقها الكاتب وينثرها بيننا لتعيش معنا وتقاسمنا رغيف الحلم والخبز، حتى نكاد ننسى الكاتب مع الألفة مع شخصياته، ولا نتذكّره إلا حين يموت. "من خلّف ما مات".. مقولة يردّدها المتورّطون بالنسل الفادح لتحدّي الموت الهازئ بهم، غير أن من يهزأ بالموت، حقًّا، هو الكاتب من أمثال جمال ناجي، وكنت أسمعه في النعش الغارب صوب المقبرة يهمس: "من كتب ما مات". وأنا مؤمن بكل ما يقوله جمال، بدليل أنني لمحت "منصور"، بطل رواية "الطريق إلى بلحارث"، يجري محمومًا بين جموع المشيعين، لا للقاء "ظفرة" التي وجد فيها بديلاً موضوعيًّا لكل أحلامه المهشّمة على رمل الخليج، بل ليمسح حبّات العرق الحار عن جبين أبيه المرتعش في النعش، وليتعهد له أنه سيواصل طريق الحلم، حتى لو أطبقت الصحراء العربية على كل ربيعٍ واعد.
ومع جمال ناجي، أقف نصيرًا لمقولة الناقد رولان بارت "موت المؤلف"، لأنني على قناعةٍ أيضًا بأن الكاتب الحقيقي يموت لحظة ولادة أي عمل إبداعيّ له؛ لأنه يتخلى عن حياته لصالح كائناته الوليدة من رحم القلم أو الريشة أو النوتة الموسيقية، كأنه، اعتبارًا من تلك اللحظة، يعلن تناسخه مع تلك المخلوقات الجديدة التي يجعلها بديلًا له، حتى وإن جاء النذر بغير قصد، فنحن بتنا نعرف حنظلة أزيد من ناجي العلي، و"بحيرة البجع" أزيد من تشايكوفسكي، والجوكوندا أزيد من دافنشي، و"الأطلال" أزيد من إبراهيم ناجي.
ما يؤلمنا في رحيل جمال ناجي ليس الموت، بل التوقف عن ولادة كائناتٍ جديدةٍ على غرار كائناته التي أحببناها. أما الموت فلا نعترف به لأن كل تلك الكائنات التي تعيش بيننا تحمل روحه وملامحه، كائنات عابرة للأجيال تحمل سمة الخلود التي لا يتقنها غير المبدع، فمن منا لم يعايش إسماعيل أبو حلّة، وسبلو، وبهاج، وهجير، ونوفل؟ ومن منا لم يضبط وقته على إيقاع رواية "وقت"؟ أو يجد نفسه مركومًا ضمن "مخلفات الزوابع الأخيرة"؟، ومن منا لم ينتظر "ظفرة" في "الطريق إلى بلحارث"؟
من الصعب حقًا أن نعترف بموت جمال ناجي؛ لأن أبطال الورق لا يموتون إلا على أوراقهم البيضاء المنبسطة كالحقول المعدّة للبذار أمامهم، وشخصياتهم هي التي تحمل نعوشهم إلى مراقدها لا نحن، وهي التي تظل محيطةً بأضرحتهم حين ينفض الجميع من حولهم، وهي التي تعود إلينا لتذكّرنا بأن "المؤلف لم يمت" بعد.
لم يخرج جمال من أوراقه منذ دخلها أول مرة، فالرواية "غوايةٌ" تسحب الكاتب من كل ما حوله، وتستحيل إلى وطنٍ فعليّ، وما خارجها هو المنفى، والذي يرى جمال، جيدًا، يدرك أنه لم يكن يراه، ففي مقلتيه كان ثمّة انسحابٌ دائم إلى تلك العوالم الغامضة التي تستدعيه على مدار النبضة، دائمًا. وكان سرعان ما يؤوب إلى وطنه، كلما أنجز ضرورات الحياة في المنفى. وكان صعبًا على مثله أن يتآلف مع أي شرطٍ خارج الورقة، بدليل أن أول خروج له قاده إلى الزنزانة كسجين سياسي، حاول أن يسحب حرية الورقة على حرية الواقع، فاصطدم بكائناتٍ أخرى، أنجبها مؤلفو روايات الاستعباد والاستبداد، ففضل أن يعود إلى أوراقه حال خروجه من السجن. وما يشبه ذلك تكرّر معه، حين حاول الانخراط في العمل العام رئيسًا لرابطة الكتاب الأردنيين، فوجد بعد طول عناء أن رابطة الورق أهم من رابطة الدم حتى، فآثر أن يكرّس ما تبقى من حياته لوطنه الحقيقي على أرض الورق.. وهناك حفر ضريحه بيديه وانسحب.
لهذا كله أهتف لجمال ناجي: ممنوع الموت خارج الرواية.

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/5/12/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%8A-%D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-1