ألبير كامو «الغريب» في جوقة الملتزمين


عز الدين بوركة
تتعدد أوصاف ألبير كامو (1913-1960) بين صفة الفنان كما يقول عن نفسه دائماً، والأديب كما يصنفه نقاد، والفيلسوف كما يراه آخرون... إلا أنه يبقى صاحبَ أثرٍ فكري غَيَّرَ مجريات التفكير العالمي في مناحٍ تاريخية عدة (الفكر والأدب خاصة). وكان رمزاً من رموز فترة كانت كفيلة بتغيير مجرى التفكير العالمي، فَترة ما قبل وما بعد وأثناء الحرب العالمية الثانية. لقد كان أحد «سماتها البارزة». بدأ الفيلسوف أو المفكر، أو الفنان أو الأديب ألبير كامو، حياته لاعب كرة قدم، حارس مرمى بالتحديد، ويا لها من مصادفة حينما جعل منه كسر بسيط «فيلسوفاً»، وإن كان لا يحب هذا اللقب. كامو الذي تنقل بين «الشيوعي» فـ «الوجودي» إلى «المشكّك» بقي مؤمناً بكون المثقف هو سياسي بالسلب، لا بالفعل والممارسة - بالضرورة - عكس صديقه - أو لنقل خصمه!- سارتر، هذا الأخير المتشبث بالالتزام السياسي للمثقف، ف«ليس الكفاح ما يجعل منا فنانين، بل هو الفن الذي يلزمنا بأن نكون محاربين. فالفنان - كما يعرب كامو- من طبيعة وظيفته أن يكون شاهداً للحرية، وهذا تبرير قد يدفع ثمنه غالباً». فبالمقابل مع سارتر نجد أن كامو، قبل كل شيء، فنان نبذ العنف بكامل أشكاله ومسوّغاته، ورأى في «المتمرد» بديلاً عن «الثوري»، فالأول له عقل مستقل والثاني يعقلن القتل. التمرد على شكل العالم الذي بات جافاً ورتيباً وروتينياً، تنخر عظامه الهشة البيروقراطية، التي يسخر منها الطاعون والحصار.
السَّخافات الحزبية
ابن الجزائر هذا، سيلتحق بالحزب الشيوعي سنة 1934، مثله مثل شباب جيل الثلاثينيات من القرن الماضي، المتأثر بفردوس روسيا، وأسطورة «الجنة الاشتراكية». اقتصرت مهمته داخل الحزب على نشر الدعوة بين العرب الذين كرّس نفسه لقضيتهم. إلا أن الحزب سيغيّر سياسته تجاههم، ما أثار في نفس صاحب «السقوط» صدمة كبيرة، فاختلف مع الحزب فتمّ طرده. أنهى إيمانه مع ما سماه «السخافات» بعد الخروج من الحزب، انتصاراً لقناعته تجاه الجزائريين والجزائر «وطنه». وفي تلك الفترة سيلج المسرح، حيث سيجد كامو «كامو الفنان»، وسيجد أيضاً «كامو الوجودي» فيلسوف العبث واللامعقول، الذي أنجز مؤلفه «الغريب»، إذ بقي «الغريب» لفترة طويلة مثالاً ورمزاً للشخص الوجودي، وتركت هذه الشخصية ملامحها على شباب ما بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت لفترة طويلة كمثال وأيقونة يتشبه بها الوجوديون في أنحاء العالم، والفضل يعود لأسلوب كامو في تسخير الأدب لخدمة الفلسفة.
الالتزام بين كامو وسارتر
بعد موت ألبير كامو قال الفيلسوف الوجودي سارتر في نعيه له: «إنه واحد من القوى الرئيسة في مجالنا الثقافي… لم تمنعني القطيعة من التفكير فيه». وظلت العلاقة رغم الاختلافات، تقول سيمون دي بوفوار، لأنه «كان هو الشخص الذي نجد في صحبته مصدراً للاستمتاع والمرح إلى أقصى حد. رأينا في علاقتنا به صفقة كبيرة، إذ تبادلنا قصصاً لا حصر لها». هذه العلاقة التي جمعت بين الثلاثة، انقطعت سريعاً بفعل خلافات فكرية تتعلق بقضايا جوهرية في التفكير لديهم، حول الانخراط والالتزام السياسي... قد تبدو ساذجة اليوم، إلا أن السياق العالمي آنذاك كان يتأرجح بين «النضال الطبقي» الملتزم والسالب (أي خارج الالتزام). فَضّلَ كامو الحرية - باعتباره فناناً- وعدم الانخراط في أي جهة كانت، والنضال عن بعد في كامل التحرر والحرية. وظل يردد جملته الشهيرة بأن «ليس الكفاح هو ما يجعل منا فنانين، بل إن الفن هو الذي يدفعنا إلى أن نكون مقاتلين»، لقد انتصر كامو لأولوية الفن، أي لأولوية الفرد وصلاحه وإصلاحه.
فأول اختيار يقوم به أي فنان، بالنسبة لكامو، هو بالضبط أن يكون فناناً، و«إذا اختار لنفسه أن يكون فناناً، فما ذلك إلا بسبب النظرة التي ينظرها إلى ماهيته هو والفكرة التي لديه عن الفن»، فقد سخر كامو من فكرة وجوب الانخراط والالتزام السياسي للفنان. فهذا الأخير مسؤوليته الأولى هي فنه، أي أن يكون حراً متحرراً من كل أشكال الأيديولوجيا، عليه ألا ينتمي إلا لفنه، وأن يناضل به وعبره، ويسمو به. كان هذا هو أساس الخلاف بين كامو وسارتر الذي رأى بضرورة التزام الفنان سياسياً واجتماعياً في أي وقت وفي أي مكان. لقد نظر صاحب «أسطورة سيزيف» لهذه الرؤية على أنها حكم بالسجن الأبدي للإنسان الفنان، وخرق لصفة «الحرية» التي تجعل منه فناناً.
لم يهاجم سارتر كامو بشكل مباشر، بل بشكل ضمني عبر ما كتبه صديقه الفيلسوف ميرلو- بونتي في مجلة «الأزمنة الحديثة» بخصوص فكر ألبير كامو، الذي لم يعتبره فكراً لا فلسفة. هذا الهجوم الشرس، سيدفع بألبير كامو لإنهاء الصداقة التي جمعته بهم... سيظل الخلاف قائماً حتى موت ألبير كامو في حادث عبثي، حينما كان برفقة صديقه الناشر غاليمار في سفر عبر السيارة (1960). رغم هذا الاختلاف لم يمتنع سارتر من أن يقول عن أهم كتب كامو: «ما كاد غريب ألبير كامو يخرج من المطبعة حتى نال أكبر قيمة دفعت الكثيرين إلى القول بأنه خير كتاب صدر بعد الهدنة، وإنه في وسط النتاج الأدبي لهذه الأيام، فقد تلقيناه في الطرف الآخر من ضفة البحر المتوسط، ليحدثنا عن الشمس في ذلك الربيع الشاعري الذي لا يعكره غبار الفحم».
الفن ينتصر على الأبسوردية
اشتد الخلاف والفراق بين «الصديقين - الخصمين»، خاصة بعدما أعلن كامو انفصاله عن الشيوعية، في الوقت الذي كان يُنظر إليها على أنها النظام المثالي لدحر كل أشكال التفرقة واللامساواة، وإزالة الفروق الاجتماعية والطبقية الناتجة عن الرأسمالية. هذا الانفصال بالنسبة لكامو كان طريقاً للتعلق بـ«الفن».
فقد كان الفن هو سلاح ألبير كامو للنضال ضد عبثية العالم ولامعقوليته، عبر كشفه وتعريته، انتصاراً للحياة ضد كل أشكال الموت وإن كانت عبر النضال... فلا يجب الانتحار من أجل أي شيء، إذ لابد من التشبث بالحياة، لكونها الشيء الوحيد الذي نمتلكه. فن الحياة هذا، بالنسبة للفنان، لا يتسنّى بلوغه إلا عن طريق المصالحة، إذ يعرب على أنه «ليس هناك عمل عبقري قط مبني على أساس من الحقد أو الاحتقار. فلا بد للخلاّق الحقيقي، في زاوية ما من قلبه، وفي لحظة ما من التاريخ، أن ينتهي دائماً إلى المصالحة». فالفن هو وسيلتنا الوحيدة للمصالحة مع العالم والذات والوجود برغم أبسورديته (عبثيته المطلقة).
أثر كامو على بارت
أما على مستوى الأدب، فقد كان ألبير كامو فناناً بامتياز، جعل من اللغة مطواعة في يده، لم يبحث عن أي تعقيدات لغوية لبناء معجمه السردي والمسرحي، بل جعل من تلك الكتابة البيضاء، أسلوبه الخالص والحر في كتابة نصوصه الخالدة (الغريب، الطاعون، كالغولا، سوء التفاهم...). فنقل الكتابة إلى ما سماه رولان بارت بـ«الدرجة الصفر من الكتابة»، أي ذلك الأسلوب الذي لا يرتهن إلى البلاغة العمياء والجارفة للمعاني، والقاتلة لإمكانية الالتقاء الحر بين القارئ والكاتب فيما هو مكتوب. لقد رأى رولان بارت أطروحته في كتابه هذا على أسلوب ولغة ألبير كامو في رواياته -خاصة الغريب-. لقد رأى بارت في نصوص كامو ذلك الأفق والانعطاف الأساسي عن الكتابة المؤدلجة في الأدب، والتي كانت تسود الوسط الأدبي آنذاك، إذ نظر الفكر اليساري لأولوية المضمون والرسالة عن الأسلوب والإبداع. فيعلن بارت أن الكتابة «ليست موضوعاً للالتزام الاجتماعي، بل إنها استجابة بلا اختيار»، وهو هنا يوافق كامو في الطرح حول الفن/‏الكتابة، من حيث إنه نوع نضالي لا يخضع للالتزام أو الانخراط، بل إنه نوع من النضال الحر وغير المرتهن للأيديولوجيات السائدة، التي تضعفه وتقتله. فكما يقول الناقد الفرنسي جرمان بري ف: «إن الأدب في رأي كامو نشاط جوهري، بل أشد نشاطات الإنسان أصالة. فهو يعبّر ويدافع عن تطلع الإنسان إلى الحرية، والانسجام، والجمال»، ما يجعل الحياة ذات قيمة لكل فرد، ويجعل من الفردانية تسمو عن الوحدة الجماعية التي تصهر الفرد فيها وتخنقه وتقتله.
لقد رأى كامو في كتاباته نوعاً من التمرد على الطغيان، لكن بلا شرط الالتزام. إذ كما هو الحال عند بارت فاختيار الكتابة هو نوع من الحرية، أي أنك تكتب لأنك حر: غير ملتزم بأي إيديولوجيا وأفكار ثابتة. فنجده يقول: «الكتابة باعتبارها حرية، لا تدوم سوى لحظة. لكن هذه اللحظة هي ممن أكثر لحظات التاريخ جلاء. لأن التاريخ هو - دوماً وقبل كل شيء- اختيار، وهو حدود هذا الاختيار»، فاللحظة -هنا- تأتي بنفس المعنى الذي يريد التعبير عنه كامو، وذلك حينما يعلن أنه للتغلب عن عبثية هذا العالم ولامعقوليته لابد من عيش اللحظة والاستمتاع بها، أي عيش الحياة لحظة بلحظة وابتعاد عن أي تعقيد مُعَقْلِنٌ للعالم. لقد اختار كامو «الكتابة الحيادية» المنتصرة لشفافية اللغة واللحظة في الآن نفسه، أي أنه بحث عن الكتابة من حيث هي فن وانتصار له لا للسياسي.
لقد وقع الاختيار مؤخراً في فرنسا على مائة أفضل كتاب في القرن العشرين، ولم تخلو القائمة من كتاب ألبير كامو «الغريب» الذي تصر القائمة، كما أنها لم تتجاوز كتاب رولان بارت «الدرجة صفر من الكتابة» الذي توسط القائمة... لقد شكل كامو وبارت أهم النتائج الفكرية والأدبية التي وسمت القرن الفائت، وتركت علامات غيرت مجرى الفكر والكتابة وحتى الفن. لقد استطاع كامو أن يخترق اللغة إلى «يوتوبيا اللغة»، إلى ذلك المكان الخيالي والمثالي حيث يبحث فيه كل الكتاب عن الكتابة الشفافة والقريبة من الكلام الشفاهي واليومي والمتداول، اللغة البسيطة والرنانة والتي تخاطب كل الفئات، والتي لا تبتغي عضلات وبلاغة دسمة، إنها الكتابة في الدرجة صفر من البلاغة. إذن، شكل كامو قفزة أساسية في تاريخ الكتابة الأدبية وحتى الفكرية... الكتابة التي سماها «فن»، إذ أن الكاتب مبدع خارق للمألوف مثله مثل الفنان التشكيلي والمعماري... فشكل بالتالي كامو برفقة أندريه جيد وصامويل بكيت وبول فاليري وجون بارث و-ينضاف إليهم بروست وكافكا- وغيرهم....إلخ، منعطفاً أساسياً للكتابة الما-بعد حداثية، وخرقاً كبيراً للكلاسيكية والكتابة البلاغية.
سلاح ضد العبث
كان الفن سلاح كامو للنضال ضد عبثية العالم ولامعقوليته، عبر كشفه وتعريته، وانتصاراً للحياة ضد كل أشكال الموت، وإن كانت عبر النضال... فلا يجب الانتحار من أجل أي شيء، إذ لا بد من التشبث بالحياة، لكونها الشيء الوحيد الذي نمتلكه. فن الحياة هذا، بالنسبة للفنان، لا يتسنّى بلوغه إلا عن طريق المصالحة، إذ يعرب على أنه «ليس هناك عمل عبقري قط مبني على أساس من الحقد أو الاحتقار. فلا بد للخلاّق الحقيقي، في زاوية ما من قلبه، وفي لحظة ما من التاريخ، أن ينتهي دائماً إلى المصالحة». فالفن هو وسيلتنا الوحيدة للمصالحة مع العالم والذات والوجود برغم أبسورديَّته (عبثيته المطلقة).
العبث يطارده
رحل ألبير كامو عن عمر ناهز 46 سنة، بعد سنوات قليلة من فوزه بجائزة نوبل للأدب سنة 1957، عن عمله الأدبي الروائي «الغريب» وبقية أعماله الأخرى، رحل وهو يؤمن إيماناً كبيراً بأن الفنان المبدع والخلاّق، هو ذلك «الإنسان العبثي على أفضله!». توفي كامو بعدما انحرفت سيارة صديقه غاليمار عن الطريق لتصطدم بشجرة ويتوفى الصديقان... ويا لها من مفارقة كبرى حينما سيتم العثور على تذكرة سفر عبر القطار كان يحملها صاحب «الطاعون» في جيب سترته، إذ يبدو أنه غيّر رأيه في آخر لحظة قبل السفر.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=25174&y=2018&article=full