علوية صبح: عالم يمجّد القهر وقمع المرأة!


كلمات مقابلة محمد ناصر الدين
«أريد قبل أن أشتري السمك، أن أراه بعينيَّ في الماء». هذا ما كتبتِه أكثر من مرة في «مريم الحكايا». هل هذه الجملة تعريف للكتابة الروائية؟

هذه الجملة مضيئة في الرواية لأن كتابتي تستند إلى مرجعية حقيقية للشخصيات التي أود أن أكتب عنها. هناك مرجع اجتماعي ومحاولة لفهم واقع الأبطال ومصائرهم وحركتهم ومساراتهم وعيشهم في زمن الحرب. أردت في الرواية أن أعرّي هذا الواقع وأعري التقنية في الوقت نفسه، بشكل ليس نافراً وإنما من نسيج الرواية ذاته. شخصياتي من لحم ودم لأن التخييل في العمل الروائي يستند إلى واقع اجتماعي حقيقي. إضافة إلى ذلك، حين تلحّ علي فكرة ما، أبدأ بالتخييل والتفكير بها. وحين أبدأ في الكتابة، تقودني العوالم المتخيلة إلى أمكنة وفضاءات لم أكن أدري مسبقاً أنني سأصل إليها، كما تقول نهلة في «اسمه الغرام»، حين جاءت الراوية إليها، قائلة: «اكتبي قصتي». قالت الأخيرة لها: أنا لا أعرف عنك شيئاً. فأجابتها نهلة: «اكتبي تستهدي». الكتابة استكشاف. لا أشعر أبداً أنني أكتب لأنني أعرف، بل لأنني أريد أن أستكشف وأفهم وأتقصّد عوالم وشخصيات وتقنيات لم أردها قالباً جاهزاً. بالطبع، هناك مرجعية واقعية، لكن إعادة هذا الواقع ضمن العمل الروائي له شروطه، ومنها التخييل والإقناع.

ينتهي مصير ابتسام في الرواية بالذوبان تحت جناح الزوج الرجعي والتقليدي، وياسمين تعود إلى طائفتها بينما تدفعين بمريم إلى باب الطائرة. هل نحن محكومون بثالوث الرجعية والطائفية والهجرة لحدّ اليوم؟
ما زال الواقع العربي أسير هذا الثالوث، لكن بالطبع لا يستطيع الروائي في عمل واحد أن يرسم مصائر شعوب أو وطن أو جماعات بأكملها. إنه يهجس بعالَم ما يريد أن يعبّر عنه. أي عمل فني يتقاطع مع الواقع، لكنه يحمل هواجس كثيرة لا يمكن أن تُحَدّ بمقولة أو بخطاب أو مصير واحد. لقد عدت في «مريم الحكايا» إلى الذاكرة الشعبية وتجارب الأبطال في الحرب، وليس هناك من هاجس واحد، بل ثمة مصائر كثيرة للشخصيات. وبالتالي، ما كان يعنيني هو تفاصيل حيواتهن وتجاربهن في الحب والسياسة، وسقوط مشروع الحداثة وصدمتي بنهاية الحرب. حين بدأت الحرب، كنت في أول عشريناتي، وعشت وسط شوارعها، وقاتلت وحلمت بالتغيير وبمجتمع مدني متعدّد وعايشت مثل هذه الشخصيات.

هل وُجدت مريم وابتسام وياسمين فعلاً، وكذلك دنيا ونهلة ومالك في غيرها من الروايات؟
إنها لعبة الفن الروائي الجيدة حين يخيل للقارئ أنني أعرفهن، وأنهنّ كن الصديقات الأربع. كذلك في أعمالي الأخرى، سُئلت كثيراً إن كنت أعرف نهلة أو مريم، أو دنيا، أو أياً من شخصيات أبطالي. إن قدرة الروائي على جعل شخصياته حية وإيهام القارئ بأنها حقيقية، هو التحدي الكبير أمامه. ربما كنتُ الشخصية الحقيقية الوحيدة في الرواية كما رأتني مريم. إنني مفتونة بالتخييل الروائي، إلى درجة أنه حين يمتزج بالتقنية العالية، وحين يذهب الإبداعي إلى ما هو حقيقي وصادق، هذا الإقناع في العالم الروائي يجعلني في قمة السعادة. ليست المسألة في توظيف الخيال بل بالذهاب عميقاً في المتخيل، إلى درجة تقود إلى الشعور بأن الشخصيات هي حقاً من لحم ودم وأن الحياة التي عشناها هي أكثر من حقيقية.

الرواية مكتوبة بتقنية لم نألفها من قبل في الكتابة الروائية العربية، في لعبة مرايا بينك أنت الكاتبة وراوية الحكايا «مريم»، وبين الأجيال المتلاحقة، وفي مزج متكرّر بين الفصحى والعامية، هل تعادل التقنية التخييل في أهميتها أثناء كتابة الرواية؟
في «مريم الحكايا» تحديداً، لجأت إلى تقنية تداخل الماضي مع الحاضر، وجعلت مريم تتنقل بسهولة ويسر بين الحاضر والماضي، وأنا أزاوج بين الفصحى والعامية وأدخل تقنيات لم أردها قالباً جاهزاً للتعبير عن صوتي وقلقي ووجعي وتصوري للعمل الروائي. لقد أدّت هذه اللعبة الفنية دورها: بيني وبين مريم هناك مرآة، وبيني وبين زهير هناك مرآة، وبين جيل البنات والأمهات والجدات هناك مرآة. هناك لعبة مرايا لجأت فيها إلى المحكي لأبني عالماً روائياً محكوماً بتقنية عالية باللجوء الى قدرة المحكي على السرد وعلى الكشف وعلى توالد الحكايا من بعضها بعضاً. التقنية عالية لأنها من لحم النص ودمه، فهي إذن شفافة وليست ثقيلة ومربكة للنص فيبدو من خلالها كأنه امتداد للحياة، يشتبك بها ويبدو كجزءٍ منها. لأعود إلى سؤالك، لا يمكن مطلقاً فصل تقنيات العالم الروائي عن موضوعه، الذي لا يجب أن يتحول نصه إلى شعار أو خطاب أو أيديولوجيا، وإنما إلى مقاربة للحياة.

هل «مريم الحكايا» هي تاريخ مصغّر للجنوب اللبناني في حقبة تاريخية معينة؟ وهل ينطلق الكاتب إلى العالمية مستنداً إلى تراثه المحلي، وموروثه القريب أو البعيد؟
في «مريم الحكايا»، لم أقصد أن أكتب تاريخاً للجنوب اللبناني، لست بالصوت الطائفي ولست ممن يقولون بأن مهمة الكاتب هي أن يعبّر عن مجموعة عرقية أو إثنية أو مذهبية معينة رغم أنّ هناك كتّاباً في لبنان والمنطقة يفعلون ذلك. أنا أعبّر عما يؤلمني وما أشعر أني بحاجة إلى التعبير عنه من دون أن أفكر بهذه المنطقة أو الطائفة أو تلك. تناولت في «مريم الحكايا» شخصيات من بيئة معينة، وفي روايات أخرى تناولت شخصيات أخرى. وما أسعدني أن الكثير من القارئات والقراء في اليمن ومصر والعراق والأردن، قد وجدوا أنفسهم في الرواية، فلعبة المرايا التي قمت بها انعكست عليهم حين وجدوا وجوههم وذواتهم فيها أو في الروايات الأخرى. واقعنا العربي قد يبدو مختلفاً بين بلد وآخر، لكن هناك أشياء متشابهة في عيشه وخبراته ومفاهيمه والسلطة الذكورية والبطركية التي تسيطر على ثقافته، والسلطات القمعية كلها أكانت سياسية أم ثقافية أم دينية واجتماعية، تتشابه إلى هذا الحد أو ذاك. قمع المرأة وتعنيفها كما صوَّرُته في «مريم الحكايا» واقع موجود في كل العالم، ولا أظن أنه حتى الغربيات اللواتي دفعن ثمناً للوصول إلى حقوقهن، لا يعشن الاضطهاد والعنصرية بالمطلق. بالنسبة للموروث، ليس هناك كاتب يولد من فراغ، إنما هو وريث لمخزون ثقافي وإبداعي. إلا أنه يجب أن يستهدي إلى صوته الخاص ويكتشفه في أعماله. أنا في ما أكتب أمينة لتراثي، لكن في الوقت نفسه لم أقلد «ألف ليلة وليلة» وغيرها، ولم أستعر قالباً جاهزاً من الروايات الغربية للتعبير عما أريد قوله كما يحدث لدى الكثير من الكُتَّاب. ليس لديّ استلاب ثقافي ولست أصولية في التعامل مع التراث وإنما أظن أنه توَّلدت وتمازجت لديّ إمكانات للتعبير عن عالمي الخاص وهذه قدرتي على السرد. أنا مفتونة بالحكايا، لذلك وجدت البطلة مريم نفسها ترمي ذاكرتها على امتداد زمن بكامله وهي تروي الحاضر.

لماذا كتبت «مريم الحكايا»، وهل وضعت لها مخططاً مسبقاً وهل راجعت ونقّحتِ مسودتها بعد كتابتها؟
حين تمسك بعملك الروائي، الرواية تقود نفسها بنفسها. فهي بالتالي استكشاف تام، لها منطقها الذاتي وخاصة أنني لست من أهل اليقين الروائي ولا اليقين الأيديولوجي، ولا أُشبهُ الروائي العالم والعارف الذي يسيطر بلغته على لغة أبطاله ويجعلهم كما لو أنهم كلهم ينطقون باسمه. لكن أغلب ظني أنه مهما تنوعت لغة الأبطال، فإن كل عمل روائي يبقى يحمل هواجس الكاتب وقلقه الوجودي والإبداعي والإنساني. بالنسبة إليّ، قادتني تجربة الكتابة لأكتشف تعدّداً للأصوات وتعدّداً للطبقات لتكتمل الرؤية من خلال العمل نفسه. أحياناً تكون الفكرة غائمة والشخصيات بعيدة مغبشة، ثم تقترب مني لأراها وأحسّ بوجودها الحي ثم أتلبسها وأتقمصها، وأتقمص حتى بعض شخصيات الرجال الذين أنفر منهم، وأجد نفسي أحاول أن أتفهمهم وأفهم منطقهم ومشاعرهم. العالم الروائي هو عالم رحب كلما اكتشفت فيه شيئاً يقودك إلى شيء آخر. لا أهندس عملي قبل أن أشرع في البناء، بل هو الذي يقودني إلى الهندسة وأجدني إتعلم أيضاً من رواياتي عندما انتهي منها. بالطبع حين أنتهي من الكتابة الأولى، قد أنتقل إلى كتابة ثانية وثالثة. ففي الكتابة النهائية لـ «مريم الحكايا»، تغيرت كل التقنية، بعدما اختزنتها وعشتها لسنوات طويلة. لقد كتبت مريم خلال أكثر من عشر سنوات، ومزّقتُ كثيراً وأعدت الكتابة، كنت مهجوسة بأسئلة عن أي مدينة أكتب، ومدننا لا تشبه المدن التي أنتجت قصصاً وروايات هي بنت مجتمعها. نشأت الحالة لديّ لتخييل مريم عندما شعرت بعجزي عن الكتابة، حولتني مريم إلى إحدى شخصيات الرواية التي تتحدث عنهن. ذلك أنها تقول آخرها أن ما كتَبَتْهُ علوية عن الحرب، ذهبَ في الوحل والمطر، أي أنها شككت بقيمة هذه الكتابة.

أنهيتِ «مريم الحكايا» بجملة ملتبسة، حيث تلمس مريم يد علوية اليسرى التي تكتب بها، لتتأكد من حرارة الحياة فيها، لكنها لم تتأكد من شيء. يقال إن الشعر يقينه صعب، هل الرواية كذلك؟ حين روت مريم ذاكرتها، وهي تفتش عن علوية، وجَدَت في نهاية الرواية أن يدها تؤلمها. هذا الألم دليل على أنها لم تكن تحت الأنقاض ولم تمت، بل إن صمتها كان كالموت. طوال فترة صمتي عن الكتابة بعد «نوم الأيام»، كنت حقاً أشعر بأنني ميتة لأن الكتابة بالنسبة إليّ هي حياتي. أن تجد مريم علوية حية في نهاية الرواية، هو نوع من المصير الإيجابي لا السلبي إذا قورن بمصير ابتسام التقليدي ومصير ابتسام الطائفي، فهما دُفعتا إليه بالضرورة لا بالاختيار. في تلك اللحظة حين أنهيت الرواية، كانت مريم قد تلبستني إلى درجة لم أعرف أنها حين انتشلت ذاكرتي وحَكَت، إن كانت قد أعادتني إلى الحياة. لقد أسرتني مريم لدرجة أنها حين وجدتني حية لم تتأكد من شيء. هل تأكدت مريم أنها حكت ذاكرتها التي هي الضوء وكتبتها علوية؟ أم أن الكتابة هي الضوء؟ ربما، وأقول ربما، ليس لدي من جواب نهائي حول الكتابة والذاكرة.

أنتِ اليوم مرشحة لجائزة مرموقة في بريطانيا هي جائزة «ايبرد»، إلى جانب كتاب عالميين كاسماعيل كاداريه وبعضهم حاصل على جائزة «نوبل» كأورهان باموق. هل أسعدك هذا الترشيح؟ وهل يمثل اعترافاً بالرواية العربية، أم بخصوصيتك أنت؟
أنا احترم كل زملائي وزميلاتي من رواد الرواية في لبنان والعالم العربي ولا أعتبر أنني أنافس أحداً. ترشيحي للجائزة أفرحني بالتأكيد، بما أنها السنة الأولى للجائزة، فقد أخذت لجنة «ايبرد» أعمالاً من كل العالم على مدى سنتين ودرَسَتها، مما يعني أكثر من ألف رواية وبالتالي أفرحني هذا الأمر. إن كان من شيء يقال في هذا الصدد، فهو أن جائزتي الكبرى هي عشق قرائي لرواياتي. القارئ هو الذي يعطيني الشهادة الأولى والأخيرة التي تسعدني وتشجعني على المتابعة.

يقال إنّ الروائي يكتب عملاً عظيماً واحداً، بينما الأعمال الأخرى هي امتداد أو تمهيد لهذا العمل. هل «دنيا» و«اسمه الغرام» امتداد لمريم الحكايا؟ أم أنها تشكل مع بعضها ثلاثية كما كتب بعض النقاد؟قد يكون الأمر كذلك، فلا شك أن هناك تواصلاً ما في ما بينها، لكن لكل منها عالمها وشخصياتها وتقنيتها أيضاً. في «دنيا»، الكاتبة تتلصص وتروي حيوات الأبطال من خلال حلمها: إنها ترى في حلمها ما تراه بطلاتها في مناماتهن. السؤال الأساسي هو: من يكتب من؟ الكاتب أم الأبطال. تحدثت فيها عن شخصية دنيا، وتَصَور أنني لم أنتبه أنني سمَّيتُ البطلة «دنيا» وزوجها «مالك» كأن اللاوعي يفضح كيف أن الرجل هو مالك دنيا المرأة في مجتمعاتنا. لم أستطع فيها أيضاً أن أنجو من الحرب، فطرحت موضوع سلطة الزوج الذي أصيب بالشلل بالصدفة في آخر طلقة في هذه الحرب. كان قبل ذلك ينوي أن يطلّق زوجته، لكن الضغط الاجتماعي والعائلي عليها جعلها ترضخ لتصبح ممرضته خوفاً من أن يحرمها من أولادها. صار هذا المشلول على السرير يحرك حياتها بعينيه ويجعلها مشلولة. لكن في آخر الرواية ثمة ضوء، فهي تشعر بأنها تريد أن تطير وأن تحلم بحريتها. طرحت في «دنيا» كذلك سلطة الأمومة، لأتابع كسر التابو حول هذا الموضوع بالذات. في «مريم الحكايا»، نجد نماذج لأمهات مختلفات، وكيف أنّ الأم هي من جنس ثالث، فهي تخشى أن تعِّبر عن رغباتها وحتى عن لذتها في الطعام. في «دنيا»، سيَّرت الأم بتسلطها حياة ابنتها فريال صديقة دنيا، فسلطة الأمومة هنا تضاف إلى سلطة الزوج القامع.

ماذا عن «اسمه الغرام»؟
هنا طرحت موضوع الجسد الأنثوي. البطلة نهلة أنثى غير نمطية، حرة في علاقتها بجسدها بالمعنى العميق الحرية، أي إنّها تعيه وتمتلكه. لذلك استطاعت أن تخلق تمثلاتها اللغوية له؛ ذلك أنّ الرجل دائماً هو من عبر عن جسد المرأة وهو يتوهم أنه يمتلكه، فهو بالتالي يعبر عن استيهاماته عن هذا الجسد. عاشت نهلة قصة حب طويلة مع حبيبها هاني الذي اعترف بجسدها. وإذا بهما يكتشفان معاً تعبيرات الجسد في كل مرحلة من مراحل العمر، وبالتالي طرحتُ موضوع الحب وجسد المرأة في منتصف العمر الذي بقيت نهلة تحبه رغم تهدلاته. ذلك أنها متصالحة معه ولو لم يعد مشدوداً كما في السابق، ولو أنها أيضاً خاضت صراعات نفسية حول ذلك. لقد احتفى العالم كله برواية غابرييل غارسيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» بين عاشقَين في زمن الكهولة، وفيها نقرأ استيهامات البطل أثناء اللقاء الجسدي، لكننا لا نعرف استيهامات البطلة ولا كيف عاشت التجربة. على كلٍّ، لم يكن هاجس ماركيز الحديث عن الحب في هذا العمر. في «اسمه الغرام»، حدثتنا نهلة عن لقائها الأخير بهاني قبل اختفائها وعن عيشها التجربة. كما أنني أعتقد أن ما بين هاني ونهلة هو ليس فقط تمجيداً للحب بل للحياة. أما صديقاتها المدفوعات أيضاً بتجاربهن مع الرجال، فانتهينَ إلى مصائر أخرى. سعاد التي هي مدرِّسة فلسفة في الجامعة حوّلها زوجها إلى مريضة وصامتة وتعيش الحياة من خلال نهلة. صديقة ثانية كانت تمجّد الحب العذري وتحب العفة في طفولتها، تحولت بعد تجارب وزيجات عنَّفَت جسدها إلى مومس، وثالثة قادتها تجارب الحياة إلى أن تصير سحاقية، وبالتالي هناك أربعة نماذج للعلاقة بالجسد. نهلة صارت رمزاً لكلّ ما هو حي في الطبيعة لكثرة ما هي حية ومتدفّقة ومكتملة الأنوثة ومكتملة الأمومة. إنّها الشخصية التي فيها جزء مني، وربما أحلم بأن أكونها أو أن تكون كل امرأة على صورتها.

الجنس حاضر في رواياتك كلها تقريباً، كأنه أقرب إلى عيادة فرويدية للكشف عن عقد المجتمع وتناقضاته. هل الأمر كذلك؟
الجنس دائماً في رواياتي كاشف لوجوه متعددة، ودائماً ما يكون موظفاً فنياً، أي لا يمكن أن ينحصر بمفرداته البيولوجية أو بالمعنى التقني المحض. وبالتالي يخرج من الحالة الإبداعية. إنه يكشف إما عن قهر الجسد أو عن الاعتراف به أو محوه. من خلال هذا الجسد، نستطيع أن نكتشف مجتمعاً بكامله. مثلاً، فالمشهد الجنسي بين نبيهة وأخوت الضيعة في «مريم الحكايا»، الذي هو بورنوغرافي بالكامل، هو كاشف عن قهر هذا الجسد وكبته وحرمانه وقمعه. الكتابة بالنسبة إلي أشبه بالحَفر، وكلما كنت أحفر، كنت أصطدم بعالم يمجد القهر وثقافة القمع ضد المرأة. قادتني الحرية إلى كسر كل التابوهات في السياسة والجنس والدين. مشروعي الكتابي لم ألجأ فيه مرة إلى الجرأة من أجل الجرأة، والمشاهد الجنسية والحميمة قادتني إلى كوى أطل منها على عالم يمجد العنف وتسوده القيم الإلغائية.

تقول مارغريت دوراس إنّ لكل كاتب «غرفة سوداء»، أو «مختبراً داخلياً» يمارس فيه طقوسه في الكتابة. هلا أخبرتنا عن غرفتك أنت؟
يسمي فرويد المرأة قارة سوداء. أعتقد أن المرأة لم تدخل أو تسهم تاريخياً في المعرفة إلا متأخرة. هاجسي هو أن أدخل هذه القارة في الكتابة. طقوسي في الكتابة صارمة جداً وأنا ممن يختلّ توازنهم حين يخرجون عن الروتين. هو راحتي، أبدأ منه طقوسي حين أجلس في المقهى في فترة محددة من اليوم حتى لو لم أكتب كلمة واحدة لفترات طويلة. حين أبدأ بالكتابة، ادخل في عالمي واغطس فيه إلى درجة أنسى أحياناً مَن أكون. كل مراحل الكتابة صعبة. لست ممن يستمتعون ابلكتابة، أنا أعاني عند الكتابة وأتألم إلى درجة المرض. حين انتهيت من «مريم...»، أصابتني حالة اكتئاب اضطررت فيها إلى تناول دواء. بعد نهاية «دنيا»، كان توتري أقل. وعند نهاية «اسمه الغرام»، شعرت بأنني حقاً امتلأت بالحب كأني اكتشفته وعشته في التخييل.

من تختارين من الروائيات في العالم العربي للتكريم؟
أختار الروائية العراقية عالية ممدوح لريادتها ومسيرتها الإبداعية.

هل من عمل روائي جديد في القريب العاجل؟
أعمل على رواية حالياً وأتمنى أن أصل إلى خواتيمها وأن تطلّ على القراء قريباً، لكن لست أدري متى أنتهي منها. أقول ما أتمناه، أعِد قرائي بشيء مختلف هذه المرة.

https://www.al-akhbar.com/Kalimat/246888/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%85%D8%AC-%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%87%D8%B1-%D9%88%D9%82%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9