عن الظلامية والحرية والتعصّب والنساء وشيء من.. الجنون!

العظماء يضيئون لنا الطـــريق...

هاشم صالح
بعض الأقوال تذهب إلى الخلود. كلام آخر تذروه الرياح. التاريخ تصنعه الأفعال، وتصوغه الكلمات. الخالد من الكلام، هو بمثابة علامات، على القائل، وعلى الماضي، وعلى المستقبل أيضاً.
في بداية هذا العام الجديد 2018 دعونا نستبشر خيراً، ونستذكر بعض الحقائق والحكم التي خلّفها لنا عظماء التاريخ. كونفشيوس (551 479-) قبل الميلاد
سوف أبتدئ بكونفشيوس حكيم الصينيين الكبير. فعنده جواهر خالدة قد تفيدنا وتمتّعنا في آن. ونحن في عصر الظلمات الداعشية وغير الداعشية أصبحنا بحاجة ماسة لمن يضيء لنا الطريق. يقول حكيم الشرق الأقصى الكبير: «في مملكة الظلامية، الأعمى ملك»! لاحظوا ما أقوى العبارة، ما أبلغها. ولكن لا ينبغي أن نفهمها بشكل مباشر، مسطح، تبسيطي. فهو أبعد ما يكون عن كره العميان أو ازدرائهم. إنه يحترمهم كل الاحترام ويقدر إنسانيتهم ومعاناتهم وأحيانا عبقريتهم. فهو لا يقصد العمى البيولوجي الذي لا حيلة لنا به، وإنما يقصد العمى الفكري والعقلي. فكلما كنت أكثر عمى وتعصباً في الممالك الداعشية كنت أعظم وأفضل. وعلى هذا النحو تلاحظ كيف يزاودون على بعضهم البعض في فتاوى التكفير. فكلما ظهر شيخ جديد سرعان ما يكفر الشيخ السابق لأنه ليس متشدداً ولا متعصباً بما فيه الكفاية. بمعنى: مهما كنت أعمى فسوف يظهر شخص أكثر عمى منك. وهكذا دواليك.. حقاً إنها مملكة الظلام والظلامية.
من المعلوم أن كونفشيوس كان قد ولد في القرن السادس قبل الميلاد عام 551 ومات في القرن الخامس عام 479. وهذا يعني أنه تفصلنا عنه مسافة 2500 سنة على الأقل. ومعلوم أن ماوتسي تونغ حاول طمسه كلياً بحجة أنه تراثي رجعي ينتمي إلى غياهب الماضي ولم يسمع بالماركسية - اللينينية! لاحظوا مدى سخافة الظلامية الشيوعية. ذلك أن الظلامية ليست فقط دينية وإنما قد تكون حزبية أيديولوجية أيضا. فاليسار المتطرف والمراهق لا يقل خطورة عن اليمين المتطرف الفاشي. ولكن كونفشيوس استعاد الآن مكانته كأعلى ما يكون في الصين كلها. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
طاغور (1861 1941-)
انتقل الآن إلى شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور. وهو من أحب الكتّاب إلى قلبي. فماذا يقول؟ يقول من جملة ما يقول: «الوصايا كالعقاقير الطبية: أكثرها مرارة أفضلها». بمعنى إن صديقك من صدقك لا من صدّقك. ولا ينبغي أن تزعل من الشخص الذي يعطيك نصائح مزعجة. ثم يقول: أهم درس تعلمنا إياه الحياة هو تحويل الألم إلى فرح. بمعنى أنه حتى الأشياء السلبية يمكن تحويلها إلى إيجابية. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. ويقول أيضا: «أبحث عما لا أجده، وأجد ما لا أبحث عنه». كيف نشرح ذلك؟ كيف نفهمه؟ سوف أتخبثن قليلاً هنا وأقول ما يلي: أعشق امرأة لا تريدني، وتعشقني امرأة لا أريدها. وفهمكم كفاية. هكذا تلاحظون أن خبثي يلاحقني باستمرار ولا أستطيع منه فكاكاً. ثم يقول لنا ذلك الشاعر الملائكي العظيم طاغور: «على المسافر أن يطرق على كل الأبواب قبل أن يصل إلى باب بيته». ماذا يقصد بذلك؟ إذا كنت قد فهمته جيداً فإنه يقصد ما يلي: ينبغي أن تحب الآخرين قبل أن تحب نفسك. أو: لا يمكن أن تفهم نفسك قبل أن تفهم الآخرين. فالمقارنة هي أساس المعرفة والنظر. وربما يقصد شيئاً آخر لم أتوصل إليه. وعسى أن يساعدني القراء على ذلك. ولكني أعتقد أنه يقصد بالضبط ما يلي: لا يمكن أن تجد طريقك قبل أن تجرب كل الدروب. لا يمكن أن تجد مفتاح شخصيتك قبل أن تجرّب كل المفاتيح.
ثم يقول طاغور هذه العبارة المدهشة: «أحيانا نستطيع حل المشاكل المستعصية بأن نصبح مجانين. أقصد الجنون بمعنى البساط السحري الوارد في ألف ليلة وليلة. فهذا البساط الرائع قد يرتفع بك إلى الأعالي فوق كل المشاكل السخيفة للحياة اليومية». ما معنى ذلك؟ معناه خذوا الأمور بفلسفة لا تعقدوها أكثر مما ينبغي فسوف تنحل من تلقاء ذاتها يوماً ما. وعلى أي حال فجرعة معينة من الجنون قد تساعدنا على تحمل ما لا يطاق وما لا حيلة لنا به في الوقت الحاضر. ثم ارتفعوا فوق الأشياء والصغائر أيها البشر وجنوا قليلا تصبحون خفيفين ظريفين الخ.. ثم يقول هذه العبارة الرائعة التي لا تصدر الا عن بلاد التسامح واللاعنف التي أنجبت غاندي العظيم: «يا رب اذا أسأت إلى الناس فاعطني شجاعة الاعتذار، وإذا أساء إلى الناس فاعطني شجاعة العفو والغفران». كلام ولا أروع. ثم يقول: «ينبغي أن تؤمن بالحب حتى ولو سبب لك الآلام». بمعنى لا ينبغي أن تكفر بالحب لأن إحداهن صدمتك وسببت لك مرارات وخيبات كبيرة. فحياة من دون حب فارغة ولا معنى لها. ثم يقول هذه العبارة: «شكرا للأشواك، علمتني الكثير». وهذا يعني أن صدمات الحياة مفيدة جداً. فالإنسان لا يتعلم إلا من تجاربه وكل المحن والأهوال التي قد يتعرض لها.
بوذا (566 - 452) قبل الميلاد
أنتقل الآن إلى أحد حكماء الشرق الكبار بوذا. فماذا يقول لنا؟ ماذا يعلمنا؟ إنه يقول العبارة التالية: «إذا كان الحقد سيرد دائماً على الحقد فمتى سينتهي الحقد»؟ بمعنى: افتحوا قلوبكم على الحب أيها الناس وتسامحوا وغضوا الطرف، وإلا فإن الحياة تصبح جحيماً لا يطاق. وسوف يرد الانتقام على الانتقام إلى ما لا نهاية حتى تفنى البشرية.
ويقول لنا بوذا أيضاً: «السعادة تتولد عن الغيرية، والتعاسة عن الأنانية». كلام رائع ليتنا نطبقه ونتقيد به. كم يشعر الإنسان الطيّب بالسعادة عندما ينقذ عائلة شريفة من الفقر عن طريق بعض الدراهم اليومية؟ فعلاً السعادة هي أن تسعد الآخرين لا أن تسعد نفسك. أو قل بالأحرى: السعادة هي أن تسعد نفسك عن طريق إسعاد الآخرين. لو طبقنا هذه القاعدة البسيطة لما بقي فقير واحد في العالم العربي. ثم يوجّه لنا بوذا الحكيم هذه النصيحة الذهبية: «أياً يكن عدد الكلمات المقدسة التي تتلوها يومياً فلا معنى لها إن لم تكن أفعالك متطابقة معها». بمعنى آخر: لو صلّيت ألف ركعة وكانت أفعالك ذميمة لما استفدت شيئاً ولما حزت على مرضاة الله. يالها من نصيحة هائلة لو طبقناها لاصطلحت أمور البشرية كلها ولأصبحنا جميعا فاضلين، مستقيمين. ولكن للأسف الشديد كثيراً مايقول المتدينون شيئاً ويفعلون عكسه تماما. أنظر بعض مشائخ الفضائيات. يقال بأن رئيسهم أصبح مليونيراً كبيراً ويعيش في فيلا فخمة تشبه القصور! ومع ذلك فيلقي عليك دروساً في الأخلاق والمواعظ وأن القناعة كنز لا يفنى الخ..
ويقول لنا بوذا أيضا: «ذُرف على سطح الأرض من الدموع أكثر مما تحتويه مياه المحيطات»! عبارة شاعرية هائلة لا أعرف كيف أشرحها. ولكن هل هي بحاجة إلى شرح؟ وينص أيضا على هذه الحكمة: «من يسيطر على نفسه أعظم بكثير ممن يسيطر على العالم كله». رائع وهائل. وأخيرا يقول: «لا شيء ثابتاً في هذا العالم إلا المتغيرات»! عودة إلى الشعر، شاعرية العالم.
فولتير (1694 1778)
والآن اسمحوا لي أن أنتقل من الشرق إلى الغرب مبتدئا بزعيم التنوير الفرنسي الشهير فولتير. فماذا يقول يا ترى؟ بماذا يتحفنا؟ بأشياء كثيرة. يقول مثلاً هذه العبارة البليغة التي تناسب عصرنا تماماً حتى لكأنها كتبت خصيصا لداعش: «التعصب وحش قاتل يتجرأ على القول بأنه ابن شرعي للدين»! معاذ الله. ويقول أيضا: «الأحقاد الطائفية أكبر خطر على الجنس البشري والتسامح علاجها الوحيد». هكذا تلاحظون أن فولتير لم يمت وإنما لا يزال حياً، بل إنه الآن حيّ أكثر من أي وقت مضى. ولذلك طبعوا كتابه «رسالة في التسامح» بآلاف النسخ مؤخراً في باريس كرد فعل على التفجيرات التي أدمت باريس وفرنسا كلها. فأين هو فولتير العرب؟ ويقول فولتير الفرنسي هذه العبارة الشهيرة جداً: «لست متفقا معك في الرأي ولكني سأفعل المستحيل لكي تستطيع التعبير عن رأيك». هذه العبارة هي التي أسست الديمقراطية في الغرب كما هو معلوم. فلا ديمقراطية من دون اختلاف في الرأي وتعددية في المواقف والتوجهات السياسية. ولكن الإمام الشافعي رحمه الله قال شيئاً مشابهاً قبل فولتير بزمن طويل. لنستمع إلى عبارته الشهيرة: «كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب». لاحظوا مدى التواضع الجم في هذا الكلام. ولكن كيف نفرز الصواب عن الخطأ؟ عن طريق الحوار الحر بين الذوات العاقلة كما يقول لك هابرماس كبير المنظرين للفكرة الديمقراطية أو للعقل التواصلي الحواري في عصرنا. فلا ديمقراطية من دون حوار حر ومفتوح. وهو حوار يجري عادة بين النخب السائدة في المجتمع سواء أكانت ثقافية أم سياسية. أما أن تفرض رأيك عليّ بالقوة من فوق وتقمع رأيي وشخصيتي وتمنعني من فتح فمي فهذا ما يدعى بالديكتاتورية والاستبداد. ولكن الديمقراطية ليست شيئاً سهلاً على الإطلاق. فقبول الرأي الآخر أو الاختلاف في الرأي أمر عسير جداً وشاق على النفس. ولم تتوصل إليها الشعوب المتقدمة إلا بعد جهد جاهد وعلى مراحل. ويرى المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه أن الشعوب العربية لن تتوصل إليها إلا بعد عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. لماذا؟ لأن التنوير الديني لم يحصل بعد في العالم العربي، ولأن الإخوان المسلمين والأصوليين عموماً يسيطرون على عقول عامة الشعب. وهم لا يؤمنون بالديمقراطية إلا إذا أعطتهم السلطة. وبعدئذ يشطبون عليها مرة واحدة والى الأبد.
كان فولتير من أتباع نظرية المستبد المستنير. لماذا؟ لأنه كان يعرف أن الديمقراطية لن تتحقق في عصره وإنما في العصور اللاحقة بعد أن يتعلم الشعب الفرنسي ويتثقف ويستنير. وبانتظار أن يتحقق ذلك فإن المستبد المستنير هو الحل الوحيد. وإلا فسوف يحكمنا المستبد الأصولي الظلامي على طريقة الإخوان المسيحيين. أخيراً يقول فولتير هذه العبارة الجميلة التي تمثل وصيته الأخيرة قبيل موته وإسلام روحه لبارئها: «أموت وأنا أعبد الله، محباً لأصدقائي، غير كاره لأعدائي، كارها فقط التعصب الطائفي الأعمى».
نيتشه (1844 - 1900)
والآن نصل إلى صاحبنا نيتشه فماذا يقول؟ أشياء كثيرة من بينها هذه العبارة التي لا تكاد تصدق: «آه أيتها الحقيقة يا أكبر كذبة في التاريخ»! مامعنى هذه العبارة التي قد تصدمنا بقوة للوهلة الأولى؟ معناها ما يلي: في بعض فترات التاريخ تفرض فكرة ما نفسها وكأنها حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش في حين أنها خطأ في خطأ. نضرب على ذلك مثلا فكرة دوران الشمس حول الأرض. فقد سيطرت على البشرية طيلة قرون وقرون كحقيقة مطلقة، ثم جاء علم الفلك الحديث لكي يثبت خطأها ويقول لنا بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس على الرغم من كل المظاهر الخادعة. وقل الأمر ذاته عن كروية الأرض. فالكثيرون لا يزالون يعتقدون بأنها مسطحة. وهناك أفكار وعقائد أخرى عديدة أخرى لا أستطيع ذكرها هنا. وهي بالنسبة لأصحابها حقائق مطلقة ولكنها في نظر العلم الحديث مجرد خيالات أسطورية. ويُنقل عن ميشيل فوكو قوله: «التاريخ مليء بمقبرة الحقائق الميتة». ومعلوم أن فوكو نيتشوي راديكالي. لقد استخدم نيتشه عبارة أكبر كذبة في التاريخ وكان ينبغي أن يستخدم عبارة أكبر أسطورة في التاريخ لأن كلمة كذبة سلبية جداً ومزعجة بل وتشبه الشتيمة. ولكن المعنى واحد. فالواقع إن البشر بحاجة إلى أساطير خيالية لكي يعيشوا عليها. ليس بالحقيقة وحدها يحيا الإنسان وإنما بالخيالات والأساطير المزركشة الجميلة أيضاً. هذا لا يعني أنه لا توجد حقيقة في التاريخ، أو أنه لا يوجد صح/‏‏ وخطأ، أو خير/‏‏ وشر. أنا من هذه الناحية لست من أتباع نيتشه وفوكو وبقية النسبويين العدميين وإنما من أتباع كانط وبول ريكور وهابرماس وبقية العقلانيين. ولكن هذه مناقشة عويصة تتطلب دراسة خاصة.
والآن ماذا يقول نيتشه عن الحب والمرأة والصداقة. يقول هذه العبارة: «الحب أعمى ولكن الصداقة تغض الطرف». بمعنى أنك عندما تقع في الحب تفقد ملكاتك العقلية والنقلية ولا تعود ترى في معشوقتك إلا إنسانة مثالية نموذجية لا تشوبها شائبة. كل نواقصها وعيوبها تخفى عليك كليا بسبب الحب. ولا تظهر لك إلا عندما ينتهي الحب. أما الصداقة فليست عمياء كالحب. فأنت ترى بوضوح مزايا صديقك وعيوبه ولكنك تغض الطرف عن هذه الأخيرة.
ثم يقول لنا نيتشه هذه العبارة البليغة: «يوجد دائما بعض الجنون في الحب ولكن يوجد أيضا بعض العقل في الجنون». وهذا يعني أن العقل ليس مفصولا عن الجنون بشكل كامل كما كنا نتوهم. ويبدو أن علم النفس الحديث أثبت صحة كلام نيتشه. ثم يقول لنا هذه العبارة الخبيثة ولكن الصحيحة أيضا: «لا يمكن للمرأة أن تكون صديقة للرجل إلا بشرط واحد: ألا يكون جميلاً». والعكس صحيح أيضا. وهذا يعني أنه من أصعب الصعب أن تقيم صداقة مع امرأة حلوة تعجبك وتجذبك. ينبغي أن تكون غير جميلة لكي تصبح صديقتك ولا تعود تفكر فيها كأنثى. والمرأة أيضا يمكن أن تسعى إلى صداقتك بشرط واحد: ألا تعجبها كرجل. من المعلوم أن نيتشه وقع في حب تلك الحسناء الفاتنة «لو أندريا سالومي» التي جنّنته وذبحته ذبحاً. ولكنها رفضته لأنها كانت معجبة به كمفكر لا كرجل. وهذا ما قتله قتلاً. مسكين نيتشه لم يكن يعجب النساء أبداً. وربما لهذا السبب سخط عليهن وقال بحقهن كلاماً جارحاً وغير مقبول على الإطلاق. فمثلاً يقول: «لا تذهب لملاقاة النساء إلا وبيدك سوط أو عصا»! شيء مخجل. ماذا نفعل لك يا سيد نيتشه إذا لم تكن جذاباً لبنات حواء؟ ألله يساعدك. وحدها أمه كانت تحبه وتعتبره رجلاً جميلاً. ولكن المشكلة كما يقول المثل العامي هي أن القرد في عين أمه غزال! هنا أمارس خبثي الشخصي إلى أقصى حد ممكن وبشكل مجاني ومخجل أيضاً. وأعتذر. لا أعرف لماذا أتخبثن من وقت لآخر. حقا «ان النفس لأمارة بالسوء» كما يقول القرآن الكريم.أخيراً إليكم هذا الاستشهاد الأخير الدال على مدى كرهه للمرأة: «فيما يخص الانتقام في الحب فإن المرأة أكثر وحشية من الرجل». ولا أعرف لماذا؟ الرجل أيضاً قد ينتقم من المرأة بعنف إذا ما تركته وبخاصة إذا ما ذهبت مع رجل آخر غيره. عندئذ قد يجن جنونه!
رابليه (1483 - 1553)
وتعجبني أيضا هذه العبارة للمفكر الفرنسي رابليه أحد كبار مفكري عصر النهضة: «علم بلا ضمير خراب للروح». ولكن كثيراً ما يستشهدون بها ناقصة. فهي في كليتها تقول ما يلي: «الحكمة الأخلاقية لا يمكن أن تدخل إلى روح شريرة، والعلم بلا ضمير خراب للروح». وهي من أقوى العبارات في تاريخ الفلسفة. لماذا؟ لأننا كنا نعتقد أن العلم وحده يكفي، وأن التقدم التكنولوجي سيحل كل مشاكل البشرية. ولكننا اكتشفنا لاحقاً أن الحضارة العلمية التكنولوجية إن لم يرافقها ضمير أخلاقي قد تدمر البشرية. أنظر كيف دمروا البيئة والطبيعة والمناخ بسبب شرههم إلى المال والرأسمال. أنظر كيف تهدد القنابل الذرية العالم بأسره. هذا ناهيك عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وبالتالي فالعلم سلاح ذو حدين: فقد يُستعمل في طريق الخير وقد يُستعمل في طريق الشر. ومشكلة الحضارة الغربية الحديثة هو أن تقدمها التكنولوجي الهائل لم يرافقه تقدم أخلاقي بنفس المستوى. هنا يكمن أكبر خلل في التاريخ. وهذا ما يعترف به حكماء الغرب أنفسهم. فهل هي حضارة بلا قلب ولا أخلاق ولا إحساس؟ لا يصل بي الأمر إلى هذا الحد. ففيها ميزات إيجابية لا تنكر: كالنظافة المدهشة في الشوارع، وكالنظام الطبي المتقدم والمشافي التي لا مثيل لها، وكالجامعات المتفوقة، وكالحرية الفكرية والنقدية، وكسيادة دولة القانون والقضاء النزيه عموما، وكالقضاء على التعصب الديني ومحاكم التفتيش، وكانعدام التمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو مذهبي، وكتأمين حرية الضمير والمعتقد بشكل كامل. هذا بالإضافة إلى تطبيق المنهجية التاريخية النقدية على جميع التراثات الدينية والدوغمائيات المتحجرة دون استثناء. وهذه ميزة هائلة تنفرد بها الحضارة الأوروبية الحديثة ولا نجدها في أي مكان آخر في العالم. ومع ذلك فإنها تعاني من انحرافات شذوذية خطيرة من جهة، ومن عدم التضامن الكافي مع آلام الشعوب الفقيرة من جهة أخرى؟ فأين هي النزعة الإنسانية أيها الحضاريون؟ وهل يمكن أن توجد حضارة حقيقية من دون نزعة إنسانية وأخلاق مثالية رفيعة؟
ريلكه (1875 - 1926)
أخيراً اسأل نفسك بنفسك: «هل ستموت إذا ما منعوك عن ممارسة الكتابة؟» هذه هي الوصية التي يوجهها ريلكه لشاعر شاب طلب نصيحته. وكان يقصد بذلك ما يلي: لا تكتب إذا لم تكن الكتابة بالنسبة لك شيئاً حيوياً كالماء والهواء. لا تكرّس نفسك لمهنة الكتابة إذا لم تكن بالنسبة لك مسألة حياة أو موت. وإلا فاشتغل شغلة أخرى. فهناك في الحياة مهن أخرى عديدة غير الكتابة. وأصلا الكتابة ليست مهنة في نظر ريلكه وعيب أن نصفها هكذا. الكتابة هواية أو عشق وغرام أو نزف دموي حاد تحت الجلد. الكتابة هي التي تفرض نفسها عليك وليس العكس. إذا لم تكن حاجة الكتابة متغلغلة في عروقك وشرايينك فلا تكتب سطراً واحداً. ثم يضيف: شيء واحد فقط ضروري لنا كشعراء أو ككتاب: الوحدة. أقصد الوحدة الكبرى الداخلية. سافر في أعماق ذاتك..
المدرسة
فيكتور هيغو
(1802 ـ 1885)
يقول أديب فرنسا الأكبر هذه العبارة المقتضبة التي تغنيك عن مجلدات: «من يفتح مدرسة يغلق سجنا». هل هي بحاجة إلى شرح؟ لنترك أمر ذلك له. يقول ما معناه: «هذه الرأس لابن الشعب الفقير الجاهل ثقفوها، نوروها، علّموها مكارم الأخلاق وعندئذ لا تعود تفكر في السرقة والكذب والتعصب والإجرام وكل أنواع الموبقات». هل من زائد لمستزيد؟ تحية لأستاذنا ومعلمنا الكبير فيكتور هيغو..
العِلم
باستور
(1822 ـ 1895)
أحب هذه العبارة لذلك العالم الفرنسي الشهير الذي اخترع الكثير وخفف من آلام البشرية. يقول حرفيا: «القليل من العلم يبعد عن الله، والكثير منه يعيد إليه». كم هي صحيحة هذه العبارة. كم هي عميقة. فعلاً تجد ذلك الشخص الجاهل الذي نال بعض الشهادات وقد أصبح مغروراً يستهزئ بالدين والإيمان ويتوهم أنه عبقري زمانه، في حين أنه شخص سخيف لم ينل من العلم إلا قشوره السطحية. أما الشخص الذي تعمق في العلم فعلا وتبحّر فيه وغاص في لججه، فإنه يصبح متواضعاً ومؤمناً بالله كل الإيمان عن معرفة حقيقية واقتناع. إنما يخشى الله من عباده العلماء.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=2316&y=2018&article=full