أوراق | «عينا إلسا» تفيضان بالدموع


محمد ناصر الدين
لويس أراغون وإلسا (1946)
ولدت إلسا كاغان في موسكو لأسرة يهودية ميسورة عام ١٨٩٦، من أب محام وأم عازفة للبيانو. متأثرة حتى النخاع بالثقافة الفرنسية، ستختلط السا بالانتلجنسيا الثقافية الروسية في موسكو، وبخاصة ماياكوفسكي، شاعر ثورة أكتوبر. بعد دراستها للهندسة المعمارية، ستتعرف إلى موظف حكومي فرنسي، اندريه تريوليه، ليتزوجا عام ١٩١٩. يجول الثنائي حول العالم، برلين ونيويورك وتاهيتي كتجربة اكزوتيكية تخرج منها السا بروايتها الأولى بالروسية. ينفصل الزوجان بعدها بالتراضي لتحتفظ السا بكنيتها الفرنسية وتمكث في العاصمة الفرنسية عام ١٩٢٤، في مونتبارناس تحديداً حيث انجذبت بشدة الى الأعمال الفنية للسورياليين وغالباً ما صارت تتردد على الصالون الأدبي للزوجين دولوناي. ستحظى كتابات السا الشابة بالمزيد من التقدير في الأوساط الأدبية الباريسية. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٢٨، ستلتقي السا في مقهى «لا كوبول» الشهير بالشاعر الذي ستصبح ملهمته الى الأبد، لوي أراغون. ولد أراغون في تشرين الأول (اكتوبر) ١٨٩٧، من علاقة خارج الزواج بين أمه مارغريت ومفوض للشرطة. يشرع أراغون الشاب في دراسة الطب ليعين طبيباً حربياً في منطقة فال دو غراس.
يلتقي بعدها بأندريه بروتون، دريو لا روشيل، وبول إيلوار، وسريعاً ما يترك ممارسة الطب. يخصص أراغون جلّ وقته لحركة «دادا» التي قلبت وقتها مفاهيم الفن وفي أبحاث مطولة مع صحبه أفضت إلى انبثاق الحركة السريالية. عام ١٩٢٧، ينتسب أراغون للحزب الشيوعي الفرنسي، ليلتقي بعدها بسنة في «لا كوبول» بالمرأة التي يبدو كأن القدر قد أرسلها هدية له، لتكون شريكة في الحب والأدب والثورة. يتزوج الثنائي عام ١٩٣٩ بعد نضال طويل الى جانب الجمهوريين في إسبانيا ومتاعب بدأت تواجهها منشورات السا في روسيا الشيوعية، وبخاصة في كتابها الأخير حول ماياكوفسكي. لا ينفك الزوجان في تنظيم المقاومة الأدبية للاحتلال النازي بعد انتقالهما للعيش في الجنوب في الحرب الثانية. عند التحرير، سينشر اراغون رواية حب اوتوبيوغرافية بعنوان Aurélien وستكون إلسا في الفترة ذاتها أول امرأة تحصل على جائزة «غونكور» (1944).
إن ألمي يزعجك، لذلك يُحظر
عليّ أن أتألم، خاصة حين تكون
كثير المشاغل

 

بعد ديوان «عينا إلسا»، يكتب أراغون رائعته الشعرية «مجنون إلسا» عام ١٩٦٣، لتنطفئ شعلة حياة ملهمته بعدها بسنوات سبع (حزيران/ يونيو ١٩٧٠) ويلحقها أراغون بعدها بـ 12 عاماً. هل كانت الحياة وردية دائماً بين العاشقين؟ هل تعكر صفو العلاقة بين الحبيبين في السنين الأخيرة لحياة إلسا؟ هل خف نبض قلب أراغون لعيون إلسا، خاصة بعد القنبلة المدوية التي أطلقها دانييل بوغنيو كاتب السيرة الأدبية لأراغون والتي لاقت امتعاضاً كبيراً من جان ريستا، الابن الروحي لأراغون والوصي على إرثه؟ إذ زعم بوغنيو أن اراغون وجه له إيحاءات جنسية قوية في لقائهما الأخير. في ما يلي مقاطع من قصيدة أراغون الخالدة، «عينا إلسا»، ورسالة توجهها إلسا لأراغون قبل وفاتها وتنشر للمرة الأولى في موقع Des Lettres الأدبي، قد تكون جواباً شافياً عما تؤول إليه نار الحب مع الزمن.
عينا السا (1942)
«عيناك من شدة عمقهما رأيت فيهما وأنا أنحني لأشرب
كل الشموس تنعكس
كل اليائسين يلقون فيها بأنفسهم حتى الموت
عيناك من شدة عمقهما...اني أضعت فيهما ذاكرتي
في ظل الطيور يوجد المحيط المضطرب
ثم فجأة يشرق الطقس الجميل وتتغير عيناك
الصيف يطوق الطبيعة العارية بمئزر الملائكة
السماء لم تكن أبداً زرقاء كما هي فوق القمح
...عيناك في الحزن تفتحان شقا مزدوجاً
عن طريقه تقع معجزة الملوك
عندما رأوا ثلاثتهم بقلب خفاق
رداء مريم معلقاً في الحظيرة...
حدث ذات مساء جميل أن تهشم الكون
على صخور الشاطئ التي أشعلها القراصنة
أنا قد رأيت تتألق فوق البحر
عينا إلسا عينا إلسا عينا إلسا»

رسالة إلسا الى أراغون
إنه ليس من السهل الحديث إليك. يبدو أنك نسيت أننا نعيش خاتمة حياتنا، وبعدها
لن يكون شيء يتوجب قوله، وإن الفهرس بحد ذاته سيقرؤه آخرون، وليس نحن.
إني اتهمك بأنك تعيش منذ خمسة وثلاثين عاماً كأنما عليك الركض من أجل أن تطفئ حريقاً. في سباقك هذا، لا يجب بخاصة إزعاجك، أو تخطيك، أو مرافقتك، أو اقتفاء أثرك ـ مهما تكن القضيةـ حتى في قطع الأغصان اليابسة، لا يجب على وجه الخصوص الالتزام بأي شيء لفعله معك، شيء مشترك بيننا. هذا الأمر الأخير هو بالضبط ما قد عشته بأفظع صوَر الحزن. أنت هنا لترتعد فرائصك أمام مبادراتي، لا تناقش البتة، ولا تفعل شيئاً سوى الصراخ أو «تتحامل على نفسك». اللذة العادية بأن نفعل أي شيء معاً، أنت لا تعرفها. تكفي كلمة تافهة حول هذه القصة، لتقابلني بشرح الجبال الهائلة من الأشياء التي يجب عليك فعلها. تماماً كما على الهاتف، تشرح كل نشاطاتك، لأي شخص، لتفسر للشخص نفسه أنه يتعذر عليك رؤيته الآن. في المحصلة، لم يتغير شيء بيننا منذ زمن الفعالية المعارضة للاستعمار تلك.
مع ذلك، قد يكون من الضروري أن نتقابل أحياناً بعد. ما تبقى لنا هو وقت قليل للغاية، وأنت تعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر. يا إلهي، كم تعوزني السكينة، حياة بأكملها كأنني في السيارة حيث لا يمكنني أبداً أن أقول لك «أُنظر»، لأنك تقرأ طوال الوقت، أو تكتب، ولا يجب بخاصة إزعاجك.
إني أختنق من كل الأشياء المكتومة، العديمة الأهمية، ولكن التي كان بمقدورها أن تجعل الحياة بسيطة، وبلا محظورات. الحاجة دائماً الى تدوير الكلمة مرات سبع قبل التجرؤ على التفوه بأي جملة، مخافة اثارة زوبعة. وحين لا يمكنني ذلك، لا يمر الأمر أبداً. لي الحق بالاختناق...
لماذا أقول لك هذا كله؟ من أجل لا شيء. مثلما حين نصرخ، رغم أن ذلك لا يواسي البتة. الوحدة ليست الثيمة الكبرى في كتبي، كلا، بل هي الأثيرة في حياتي. اعتدت عليها، وها إني أحبها في نهاية الأمر. في هذه الساعة، نقيض الوحدة قد يزعجني. ماذا أريد؟ لا شيء. فقط أن أقول ما في داخلي. أن تتنبه لما أقوله. لكني كنت قد حاولت من قبل، وأعرف أن هذا مستحيل. لو كررت ثانية على مسمعي كم تواجه بمفردك، سأحطم كل ما في المنزل. أنا لا أشحذ أياً من وقتك أو مساعدتك. ما لست أقدر على تحمّله هي الطريقة التي تضع نفسك فيها موضع الدفاع، والأسلاك الشائكة والخنادق. إن ألمي يزعجك، لذلك يُحظر عليّ أن أتألم، خاصة حين تكون كثير المشاغل. أنا أيضاً أتحامل على نفسي، حتى أني لا أفعل غير هذا. أفعله حد الانفجار، حد القفز والارتطام بالسقف. حتى موتي، كأنه سيصيبك أنت! ومن ثم اللعنة. أَفترضُ أنه حين لا أملك الدموع، يعوزك صمام أمان آخر. هيا فلنقل إن ما أحس به هو باثولوجي محض ولنواسي أنفسنا بذلك. بشكل آخر ستقول لي «ها أنت قد ارتكبت خطيئة جديدة...» ولو كان هذا صحيحاً؟ خطيئة مقابل تظاهر كاذب بالفرح. ها أنا أذكرك بالساعة فقط: إنها الآن إلا خمس دقائق. لا تقل لي إنها إلا ست دقائق ونصف، لأنه تماماً الأمر نفسه».

المراجع:
* قصيدة عينا إلسا، ترجمة عبد الوهاب البياتي وأحمد مرسي، عن كتاب أراغون شاعر المقاومة، ط ٢، ١٩٩٤، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
*موقع Des lettres المتخصص في الرسائل الأدبية..

http://www.al-akhbar.com/node/286243