يخلخل الشعور الوهمي بالراحة

كازو ايشيغورو: الذاكرة توقظ الأحقاد النائمة

حوار: مينه تراي هوي
تقديم وترجمة: أحمد عثمان
في تعليل اختيارها للكاتب البريطاني الياباني كازو إيشيغورو، قالت لجنة جائزة نوبل، إنه «أزاح الستار، في رواياته ذات القوة العاطفية الكبيرة، عن الهوة التي تقبع تحت شعورنا الوهمي بالراحة في العالم». ومن ناحيتها، حيَّت سارة دانيوس، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، إيشيغورو «كروائي لامع للغاية»، وقالت: «إذا مزجتم بين جين أوستن وفرانز كافكا، سوف تحصلون على كازو إيشيغورو في قشرة جوز.

من اللازم إضافة شيء من مارسيل بروست ثم اخلطوا، ولكن ليس كثيراً، وسوف تتوصلون إلى فكرة عن كتابته، بيد أن كازو ايشيغورو على وجه الخصوص مؤلف ذو موهبة كبيرة طور عالماً جمالياً بطريقته الخاصة».
بتتويج كازو ايشيغورو ــ «إيش» كما يناديه أصدقاؤه ــ بعد عشر سنوات من تتويج دوريس ليسنغ، التفتت الأكاديمية السويدية إلى كاتب بريطاني، ولكنه الأكثر يابانية من جميع الكتاب اليابانيين.
في حوار منشور «بالغارديان» (2 ديسمبر 2016) أسرَّ كازو ايشيغورو بقلقه إزاء تكنولوجيا «كريسبر» التي تسمح بتغيير أو حذف بعض الجينات. «في الديمقراطيات الليبرالية، لدينا فكرة أن الذوات الإنسانية، جوهرياً، متساوية. الآن، نحن قريبون إلى حد ما من نقطة خلق ذوات إنسانية أسمى من ذوات أخرى».
في روايته، «لا تدعني أذهب أبداً»، أطفال نشأوا في مدرسة داخلية مثيرة للقلق. في سن الحادية عشر، يتعلمون أنهم لن يحوزوا على سلالة. «ثم، بعد ثلاث سنوات، يأتي شرطي ويبلغهم، تحت المطر وخفية، أن أياً منهم لن يستطيع أن يتحصل على مهنة إلا مهنة واهبين، أو مرافقي واهبين. وأن جسدهم سيحرم من ثلاثة أو أربعة أعضاء، يتم نزعها تدريجياً وسط الآلام». إذن، يتعلق الأمر بمستعمرة من الخلايا التي يتم تربيتها لمنح أعضائها حتى لحظة يكف فيها جسدهم عن أن يكون قابلاً للاستغلال. تم تحقيق الرواية سينمائياً في عام 2010 على يدي المخرج مارك رومانيك.
بعد حصوله على نوبل للآداب، سوف تساهم شهرة إيشيغورو العالمية في الترويج بقوة لآخر رواياته: «العملاق المطمور»، وهي رواية تغوص في عصر قروَسْطي جديد، حيث نلاقي الغيلان، الشياطين، العفاريت ومسوخاً أخرى. ولكن المضمون مختلف: «منذ الصفحات الأولى، نفكر في لانسولو وأساطير الفروسية الآرثرية»، بيد أن كازو إيشيغورو يفسر هذا، بأن أقصى ما يطمح إليه: «الكلام عن العنف البيوتقني من دون أن يموضعه داخل إطار محدد. أرضية الأسطورة تمنح نوعاً من المناخ المحايد، الخيالي على الوجه الأكمل».
ككاتب يعمل على حفظ ذكريات طفولته، بنى كازو ايشيغورو نتاجاً كاملاً عن الذاكرة، التي مكنته من التعمق بصورة مثلى في العواطف التي تحيط بمشاعر الفرد والأزواج، أو الأمة.
أعمدة عالمي الداخلي
* كيف تأتّى تفضيلك لموضوع الذكريات كلية الوجود في نتاجك؟
ـ بالتأكيد، أصبحت كاتباً لكي أحافظ على ذكريات طفولتي، حتى وإن لم أكن أعيها وقتذاك. ولدت في ناغازاكي، ولكن في سن الخامسة، رحلت رفقة والدي إلى انجلترا. كان على والدي، المتخصص في علم الأوقيانوغرافيا، متابعة أبحاثه في هذا البلد. نتحدث اليابانية في البيت، وكنت ألهو بذكرياتي. حينما كبرت، أصبحت هذه الذكريات أعمدة عالم داخلي يقتات على الألعاب وكتب الأطفال التي أرسلها جدي، وأيضاً الأفلام اليابانية المنتجة وقت مولدي. اعتقدت وقتذاك أن إقامتنا في انجلترا وقتية، حتى جاء يوم، وكنت في الخامسة عشر من عمري، فهمت فيه أنني لن أعود إلى اليابان. وفي العشرين من عمري، تساءلت ما الذي سأفعله بهذا العالم الثري نوعاً ما الذي بنيته: هل يجب تركه يتلاشى؟ بينما في روايتي الأولى «نور شاحب على الروابي»، تسيطر موضوعة دقيقة، مثل المسؤولية العائلية. يتمثل هدفي الرئيس في وصف اليابان التي تغلفها الأساطير كما الحقائق. وشعرت بالراحة والأمان على وجه الخصوص بعد روايتي الثانية، «فنان عالم عائم».
*هل كفت الذاكرة عن أن تكون سبب الكتابة وأصبحت مع الوقت موضوعاً كاملًا؟
ـ بالتأكيد، منذ روايتي الثانية «آثار اليوم» كبير الخدم ستيفنس يرجع إلى وجوده ويلاحظ أنه كان فشلاً ذريعاً، بل وفشل مزدوج، مهني وشخصي، بما أنه لم يرد أن يحيا الحب الممنوح له. دوماً، معظم كتبي، بدءاً من هذه الرواية، و»حينما كنا يتامى» أو «بالقرب مني دائماً»، رحلات إلى ذاكرة السارد والشخصية الرئيسة. الذاكرة أصبحت تقنية كتابة. جعلتها عدسة مكبرة أرى من خلالها الذوات الإنسانية والطريقة التي يرون بها ماضيهم، وكذا حكمهم عليه ومواجهتهم له. يمنح لبس الذاكرة وذاتيتها حرية فنية كبيرة. من وجهة نظر عاطفية، أحب أيضاً الحبكة الغامضة والغائمة للذاكرة. هذه الخاصية المضطربة، الضبابية، لا تتبدى في «العملاق الدفين»، التي لا تروى بضمير المتكلم وغير المركزة على الشخصية.
السبب والنتيجة
* في رواية «بالقرب مني دائماً»، قمت بمغامرة في سبر أغوار طريق مجهول بالنسبة لك. مع «العملاق الدفين»، دخلت إلى جنس أدبي آخر: الفنتازيا، اللجوء إلى «ما وراء الطبيعة»...
ـ أكتب عن العلاقات الإنسانية والمسائل الوجودية مثل الحب والموت. من السهل بالنسبة لي تغيير الثوابت الخارجية التي تتعلق بالأمكنة، العصر، عمر أبطال الرواية أو أيضاً جنسهم. ولكن، في الحقيقة، لم أختر كتابة روايات عن عالم الواقع المرير أو الفنتازيا. بالأحرى أقول أنني انجذبت إليهما. في «بالقرب مني دائماً»، وددت أن أبيّن الشباب المجبرين على مواجهة التجارب الخاصة بكبار السن. ولكي أصل إلى هذه الوضعية، اختبرت أكثر من ساحة، تخيلت مثلاً مرضاً يصيب سريعاً أبطالي، ويمكنني من الحصول على تركيز زمني أبحث عنه. ولكن بعد أكثر من محاولة، فهمت أنه يجب علي الاتجاه نحو الخيال العلمي، مرتكناً على فكرة الخلايا «المحفوظة» والمحكوم عليها بالوجود القصير العمر. لم يكن الجنس الأدبي نقطة انطلاق، وإنما «نتيجة». منذ فترة طويلة، كنت في حاجة إلى إدراك طريقة الأفراد والمجتمعات على وجه التحديد في كبت ذكرياتهم. ومن هنا أتت فكرة العالم الغارق في فقدان الذاكرة المجهولة، التي تطرح كثيراً من المشاكل على الثنائي آكسل وبياتريس. خوفاً من أن يمحي فقدان الذاكرة الحب الذي يربطهما منذ سنوات، يقومان بأعمال تساعد على انبثاق الذاكرة المتلاشية، من دون أن يعملا حساب الثمن. فبالنسبة للمجتمع الذي يعيشان وسطه، العثور على الذاكرة من الممكن أن يوقظ الأحقاد النائمة ويغرق العالم في الفوضى. كنت أستطيع عقد صلة مع الخيال العلمي، تخيل شيء ما في هواتفنا المحمولة التي «تستهلك» شيئاً من ذاكرتنا مع كل اتصال، مثلًا... ولكن كنت منجذبا أكثر إلى شفرات الفانتازيا.
* لماذا لم تغرس عملك في سياق واقعي، كما فعلت مع «آثار النهار» ؟
ـ فكرت في ذلك الأمر. فكرت في فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو أيضاً جنوب أفريقيا ما بعد الآبارتهايد، حينما لزمني العثور على توازن مقبول بين الذاكرة وضرورة وضع بين قوسين الصراعات الماضية للمحافظة على السلام. فكرت أيضاً في يوغوسلافيا السابقة أو رواندا ما بعد الإبادة. تخيلوا هذا البلد الصغير الذي بدأ سكانه يعيشون جنباً إلى جنب من جديد. ساعي البريد أو تاجر الخضراوات الذي قتل أختكم، أو والدكم وعليكم أن تحيوا كأن شيئا لم يكن.. الحكومة تمارس رقابة مشددة للغاية على الصحافة، التعليم، كل شيء يتعلق بعملية التغيير. كل ما عاشه سكان هذه الدول يثير اهتمامي، بيد إنني لم أكن متأكداً من قدراتي. وبالأخص، كان من الممكن النظر إلى الكتاب على أنه رواية عن البوسنة أو رواندا، بينما أسعى إلى إدراك العالم بأسره.
اختبارات الذاكرة
* قلت إنك مررت باختبار الذاكرة الفردية إلى اختبار الذاكرة الجمعية؟
ـ في «العملاق المطمور»، استغللت طريقة عمل الذاكرة في علاقة قائمة بين اثنين. هنا، الزواج، ولكن من الممكن أن تكون علاقة أخ بأخته، أصدقاء، الخ.. في الحالة الأولى، الذاكرة ثمرة التفاوض المعقد، بما أن كل شخص من الممكن أن يمتلك ذكريات مختلفة عن ما جرى سلفاً: حينما تنبجس الصراعات من حكايا العائلة، يحتفظ كل فرد برؤيته.. في الحالة الثانية، المنظور مختلف. أبطال من رواياتي السابقة، مثل «فنان عالم عائم» أو ستيفنس في «آثار اليوم»، تم النظر إليهما في بعض الأحيان كرمزين لبعض مظاهر المجتمع: جيل كامل من الفنانين القوميين الضالين بالنسبة للأول، ونظام قيم بريطاني عتيق بالنسبة للثاني. أي شخصية لا تعبر عن جماعة عريضة. الأشخاص مختلفون عن المجتمعات. وبالتفكير في ما يميز بينهم، تحديداً في طريقة ضبط الذاكرة، التي عملت على كتابتها في «العملاق المطمور». تأخذ الذاكرة أيضاً بعداً سياسياً. أفكر في طريقة ميلوسفيتش (الرئيس الصربي الأسبق) التي استغل بها الذاكرة الجمعية خلال حرب البوسنة، أو إلى التذكر الطقسي في إيرلندا الشمالية، حيث تنتقل ذكريات المعارك من جيل إلى جيل عبر الموسيقى العسكرية، الأغاني، القصائد. ألا يمكن اعتبار عبادة الذاكرة شيئاً خطيراً مثل اجتثاث الذاكرة؟
* أبهذه الصورة يتم بناء ذاكرة الشعوب؟
ـ فكرت مراراً وتكراراً في هذا السؤال. كيف يمكن، على سبيل المثال، قياس تأثير الثقافة الشعبية كعامل نقل؟ أنظروا إلى أفلام مثل «النزهة الطويلة»، الذي يبيّن أبطالاً ناجين لأنهم لجأوا إلى «المنطقة الحرة»، أو «شيكاغو»، الذي يبدأ بسود وبيض يرقصون في حفل. بالتأكيد، الفيلمان غير دقيقين على المستوى السياسي. أهي مشكلة؟ من الممكن أن تحقق التسلية تأثيراً عاطفياً كبيراً، أعلى من أي تعليم رسمي: أهذا يعني أن علينا فرض الرقابة عليها أو تصويبها؟ فضلاً عن ذلك، التكنولوجيا الحديثة تطور «التوزيعة». في الماضي، كان لدينا الكتب، السينما، الصحف. في الوقت الراهن، لدينا الشبكات الاجتماعية، من الممكن أن نتساءل عن ما سوف يتبقى ـ خلال خمسين أو مائة سنة قادمة ـ من آلاف المقاطع المنشورة يومياً على «تويتر»، «فيسبوك» وغيرها. هل سنتمكن من الكلام أيضاً عن الذاكرة بما أننا بلغنا درجة من التشظي؟
* هل «طرح السؤال» هو دور الروائي من وجهة نظرك؟
ـ أعتقد أننا نكتب عن العواطف التي تنسال من هذه الأسئلة. هو ذا ما يميز مؤلفي الخيال عن مؤلفي الخيال العلمي: نفهم بصورة فضلى الثمن الإنساني للذاكرة التي نقمعها أو التي نجبر على مواجهتها. في بادئ الأمر، كان آكسيل وبياتريس متماسكين، ثم بدأ كل منهما يخشى أن لا تتصدع روابطهما مما سوف يكتشفانه. ومع ذلك، حينما تتبدى ضرورة العمل على إبقاء بعض ذكرياتهما مدفونة في ذاتهما، نتساءل هل حبهما حقيقي؟ أسئلة عاطفية كما فكرية، ولا أنظر إليها كما يفعل السياسي، لا أفكر بمصطلحات تطبيقية: لا يتعلق الأمر بحلها وإنما في تجسيدها والسعي إلى أن يشعر الناس بها.
في أحضان السيوف
ولد في ناغازاكي العام 1954، واستقر مع عائلته في المملكة المتحدة في سن الخامسة، ولم يحصل على الجنسية البريطانية إلا في العام 1982.
في سن الثالثة والستين، لم يزل يرى نفسه كنتاج ثقافتين متباعدتين، بيد أنهما لا تستبعدان النقاط المشتركة التي تجمعهما؛ اللاانفعالية والرقابة الذاتية على وجه الخصوص.
ابن عائلة أرستقراطية يابانية، عاشت ويلات إحدى قنبلتين ذريتين ألقتهما الولايات المتحدة على هيروشيما وكذا على مدينته ناغازاكي: «أتحدر من عائلة ساموراي ونشأت مع كل هذه الحكايات، هذه الموضوعات القديمة. كان الساموراي يشكلون طبقة ذات نسيج خاص في اليابان، طبقة المحاربين. أحتفظ بصور طفولتي وأمامي سيوف الساموراي.
نقطة مشتركة
هناك نقطة مشتركة مع بوب ديلان، الحائزنوبل للآداب في عام 2017. إذ كتب ايشيغورو أربع أغاني لمغنية الجاز الأميركية ستيسي كنت.
............................................
(*) Minh Tran Huy, Kazuo Ishiguro: «J’écris sur la face cachée de la mémoire», Books, 2015/‏‏6 (N° 66)

 

http://www.alittihad.ae/details.php?id=59803&y=2017&article=full