هل نجحَ مشروعُكِ؟

زليخة أبوريشة
سألتني أول من أمسِ الصديقةُ الأستاذة جمانة غنيمات: بعد 37 سنة من الكتابة المنتظمة، هل تعتقدين أن مشروعك النضالي والصداميّ قد نجح؟
تأملتُ في السؤال الضرورة الذي قدّمَتْه إليَّ كهديّةٍ في عيد ميلادي الألماسيّ (75)، رئيسةُ تحرير صحيفة الغد. فهو سؤالٌ يصلحُ لكلِّ ذات/ذي مشروعٍ، لنقف صوبَه ونحاول الإجابة عنه.
هل نجح مشروعي الذي أزعم أنه مشروعٌ تنويريٌّ وضدَّ الظلامية الفكرية وباسم الدين؟
أوَّلاً، يمكنُ القول إنه مشروعٌ ما يزالُ قائماً وشغّالاً وفعّالاً، وهذا بحدِّ ذاته نجاح، فيما أرى. إذ لم يستطعْ أحدٌ أن يُصمتَ هذا الصوت حتى الآن.
وثانياً؛ ينبغي أن أذكّر بملابسات الثمانينات التي بدأتُ فيها الكتابة كأول كاتبة عمود في الأردن، في العمود المسمى "7 أيام" في صحيفة الرأي الأردنية. عندما نشرتُ ثانيَ مقالاتي "هذا الدين الحقّ" الذي انتقدتُ فيها نقابَ المرأةِ ووضعَها كمعوّقةٍ في فكرةٍ سياسيةٍ تكتم أنفاسَها باسم الدين، هبّت جموعُ الإخوان المسلمين تحتجُّ على ما أقول، إلى درجةِ أن الشيخ علي الطنطاوي السوري اللاجئ في السعوديّة، وله برنامجٌ إذاعيٌّ هناك، خصَّص لمقالتي حلقةً كاملة يشتمني فيها ويكفّرُني ويستعدي ملك بلادي لعقابي والأخذ على يدي كمجرمة!
إذن، دخلتُ إلى مشروعي الكتابي، ودون أن أدري، من باب الصِّدام مع القوة التي كانت تتشكّل وتقوى بفضل المال الخليجي، وظروف التحالفات الإقليميّة والداخليّة، وهي الإسلام السياسيّ. وحقيقةً لم أكن أدري أني كنتُ أدخلُ عشَّ الدبابير، مع أنني كنتُ متزوجةً من أحد رموزهم. لقد بدت كتاباتي نشازاً صارخاً في محيط زواجي، أنا التي كانت مؤسِّسةً لأول مركز نسائي إسلاميّ عام 1970 مع فاديا الطباع وفيروز عصفور وزوجات عدد من رموز الإخوان آنذاك وسواهن. وأنا التي كم دُعيتُ لأكون داعيةً إسلامية، أنا التي فُطِرَت على كُره مؤسَّسة الوعظ والإرشاد.
بصراحةٍ، كانت روحي التي خبِرَتْ التزمّتَ الإخوانيَّ، تعلنُ عن نفسِها في قراءةٍ مختلفةٍ للنصِّ الدينيّ، وكان ذاك، عندهم، أكبرَ أخطائي التي سأدفعُ أثمانها غالياً فيما بعد؛ فليس مسموحاً، لا لي ولا لغيري، أن نمرَّ على هذا النصِّ بعينٍ ولا بقلمٍ يُعيدان التذكيرَ بما عوقِبَ عليه الشيخ علي عبد الرازق والشيخ الطاهر حدّاد. فالتأويل الذي ذهبَ إليه المُجدّدان الكبيران هو عند الإخوان وما بدأ يتسلّلُ إلى مجتمعنا من سلفيّة، تحطيمٌ مباشِرٌ لأصل فكرة دولةِ الخلافةِ الإسلاميّة التي يسعونَ إليها، ولصورة المرأة المبتغاة مكتومةَ النّفَسِ ضائعةَ الهويّة. وكان طرحُ أساسين مهمّين من أسس الفكر لدى الإخوان المنسوبةِ إلى الإسلام (الحكم باسم الدين، وتحجيم المرأة) كفيلاً بحربٍ مسعورةٍ ضدَّ من يفعلُ ذلك! وكنتُ أفعلُ ذلكَ وحدي تماماً!! وما من ضرورةٍ للتَّذكير باغتيال الشخصيةِ التي تعرّضتُ لها، ولا بالتهديدات بأنواعِها التي كانت تُزجى إليَّ بالرسائل الورقيّة وبالتلفون، وبوقوف الجسد الثقافي برمّته متفرّجاً، بحجّة عدم امتلاكه للمعرفة الدينيّة التي كنتُ أمتلكها، برغم تأييده المطلَق لما أكتب. لقد كنتُ في عزلةٍ ووحدةٍ تامَّتَيْن، أبتدئ سجالاً في الساحة الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة الأردنيّة، دون أن يكون معي شخصٌ واحدٌ يؤيّدُ ما أذهبُ إليه من تأويل! وكانت صحيفةُ الرأي، بعد رحيل محمد الكايد عنها، تُفتَحُ على مصراعيْها للخصوم لكي يأتوا على شرفِ هذه الكاتبةِ ومقاصدها، دون أن يتجرّأ قلمٌ واحدٌ من اليسار الذي كان حيّاً ومتحرِّكاً، أن يسندني بحصاةٍ. وبعد سنواتٍ دخل المعركةَ معي الكاتب إياد القطان لعدد قليلٍ من الأعوام قبيل رحيله المبكّر.
وغنيٌّ عن القولِ التذكيرُ ربّما بمقالتي عن أسلمة الأمكنة والعلوم والأشياء إثر ما قام به وزراءُ الإخوان من فصل الموظَّفات عن الذكور في وزارات أربع تسلّموها إثر فوزهم في انتخابات 1989، حيثُ تولّى الشيخ الكيلاني وزيرُ الأوقاف آنذاك هجوماً كاسحاً على شخصي، في خطبةِ جمعةٍ شهيرةٍ على الهواء مباشرةً، ستتبعُها فيما بعدُ كلمةٌ متلفزةٌ لجلالة الراحل الملك الحسين كان فيها غاضباً منهم بوضوح، ثم جرى تعديلٌ وزاريٌّ أُخرِجَ فيه الإخوان من المعادلة. وهذه أحداثٌ سأشرحها في سياقٍ آخر.
ولكي أُجيبَ عن سؤالِ الأستاذة جمانة، سأقول لها: انظري أينَ كنتُ في الماضي وأينني الآن. صحيحٌ أنني ما زلتُ أُهدَّدُ في حياتي على رؤوس الأشهاد، وحدث ذلك ثلاث مرات في العام الأخير، ولكنَّهُ صحيحٌ أيضاً، أيَّتُها العزيزة، أن هناك الآن عشراتِ الأقلامِ المتمرّسة التي تكتبُ في الشأن الإسلامي من داخلِه كإسلامٍ معتدلٍ وتأويلٍ حضاريٍّ، وفي شأنِ الإسلام السياسيّ كطامحٍ للسلطة ومهشِّمٍ للحريّات، وهذا بحدِّ ذاته فوزٌ عظيمٌ لمشروعي ما كنتُ لأحلمَ أن أحضرَ حدوثَه في أكثر أحلامي تفاؤلاً.
أرأيتِ؟ لقد حدثَ الأملُ.. وسيظلُّ يحدثُ... فما من خيارٍ أمامنا إلا أن نؤمنَ بمعناه...

http://alghad.com/articles/1822522-%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%AC%D8%AD%D9%8E-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D9%8F%D9%83%D9%90