الغلامة والمحبوبات


رجاء عالم
«أقرأ الغلامة وأعرف لماذا أُحبكِ» . عبارة تتردد في رأسي لأيام .
في معرفتنا القصيرة (التي لا تزيد عن شهر في معتزل الكاتبات بهيدج بروك بجزيرة وديبي قرب سياتل، وربما خمس لقاءات متفرقة على سنتين بباريس) كثيراً ما كنت أتأمل في عالية وأقول :«كائن كهذا من الصعب حصره في كلمات، مجموعة التناقضات هذه، الضحكة التي حين تترك نفسها تخلع المكان، مقرونة بالحذر في العين التي ترقب حتى وهي تضحك، والمراقبة التي لا تكف لأدق أدق تفاصيلك، في الأشعة المغناطيسية والأشعة المقطعية لاتشعر بمثل هذا الكشف الدقيق لتفاصيلك كما يحدث بنظرتها، كل ذلك تفعله بينما تغلف وجهها بمشاعر وينطق لسانها بمشاعر أخرى، ينجحُ صوتُها في خلق مجاله الانفعالي الخاص به بعيداً عما يحاول عقلُها صياغتَه في كلماتٍ .»
أتناول عالية بصفتها ظاهرة وجودية، الأمر لا علاقة له بالإعجاب ولا بالتقييم ولا بارتباط الطرق، هي عملية تأمُّلٍ محضة، كما تتأمل عُقْلَةً ترسم لوحةً فنية بجذع شجرة أو كما تتأمل منقار طائر لا يكف ينقب الخبز من سَلَّةٍ على طاولة غدائك، ينقر بعين ويرقبك بذات العين ويطير في ذات اللمحة، عالية هي كأي شخص حولك ولا تنجح في قبض كامل دخيلته، الإعجاز في التكوين البشري وأغواره الذي يفوتنا كقطارٍ، تتوالى عرباته بينما نحن على الرصيف غافلين عن أكوان كل عربة والوجهة التي تنتظرها ودهشة الطريق . إلا أن قطار عالية لا يفوت، فالآن أعرف أن عالية هي التي تحاول القبض على عالية، تُقَسِّطها في الكتب، من الولع الذي يبدأ كنواة تحوي كل عناصرها ككيان حي، ومنه تتفرع كيانات تتسمى بالغلامة والمحبوبات وغيرها .
راحة تغمرني، من أن شخصاً حيِّاً ينجح في إدراك الإعجاز في تركيبته الوجودية، الإعجاز الذي يتوفر في الجميع ولايعتني أحد بدراسته في ذاته أو في الآخر . في الغلامة زخم وجودي، مشاعر تتدفق في الكلمات التي تتدفق في المواقف التي تغوص لقاع الذات البشرية ولقاع المكان (العراق وصهد شمسه وأعذاق رُطَبِه في الشخوص) . شحنة التاريخ والسياسة ليست هي التي تعطي للكتاب تفرده وإنما شحنة هذا الذي يقبضك ليجعل كل شيء له عرق ومذاق بفمك . قراءة عالية جعلتني أعيد النظر لا في عالية وإنما في الكتابات العربية عموماً، تلك التي لا تُهادن النفسَ البشرية، فتستنبط الجمال المخفي حتى في الألم والموت والهزيمة واليأس، صَوَّرتْ عاليةُ اليأسَ بصفته الوجود الذي يمنح وجوداً فوق الوجود في الحي والميت، جعلت اليأس ضارياً وفي ذات الآن مرغوباً بين الجلد والعصب، محراكاً حتى للموت .
نتحدث عن الموت دوماً بصفته اللوعة في فقد الآخر، بينما الموت في فقد هذا الأرشيف الكوني الذي يؤرخ لنا ويفتح شُرفات بأبواب ونبات متسلق لأدق تفاصيلنا، أرشيف تمشي صفحاته ومجلداته على قدمين، البعض يمنحنا من زمنه ليحمل عنا مجلدات، والبعض ربما مجرد كلمة، وبالنهاية فإن كل تلك التفاصيل - بَحرها وقطرتها - حيوية لنبقى، الموت لا يحصل بذهاب الواحد منا، وإنما بذهاب الإرشيف الذي يحتوينا، أولئك الذين أحبونا وصادقونا وحملوا عنا ولو حتى قطرة تعب . لذا فإننا وفي الحقيقة نرثى أنفسنا في رثائنا للذاهبين .
يراودني أن : الأفدح من الموت هو فزعُ أن تنظر حولك لترقب أولئك الذين سقطوا من صلواتك واحداً عقب الآخر، لا بالموت وإنما بالهجر، بالغربة ! هل حقاً موت الغربة أقسى من موت الجسد؟ حين تفقد الطوق الروحي المحيط بروحك، ويتباعد الأحبة ليصيروا أغراباً تتلقى أخبارهم عبر صفحات الصحف وإعلانات الوفاة؟
بالرجوع لموت أبي أدركُ أن موت الجسد هو الانسلاخ، جسد من أجسادك يُسلخ عنك، له فعل جسدي موجع، وإن كان يتم وأنت تحت تأثير مخدر كامل، يُحْقَنُ لقلبك فور وقوع الجسد . يتم الانسلاخ، ويعقبه انبعاث وحشي، حيث في غياب الجسد تكتمل تفاصيل الآخر التي تلبس وجوداً مكثفاً يطاردك ليملأ صدرك برائحة الذاهب من مُجَرَّدِ هبَّةِ قهوةِ أو هجمةِ فواكه الصيف، هذه الخوخة أبي، وحبَّات الكرز التي تترك على لساني قتامة، ورائحة البطيخ التي تقاطر لها الأولاد الصغار مثل زواحف تغادر جحورها للرواء، وأروقة قرآن الفجر، والنور السهَّاري، وقطط أمي اليتيمة تتوالد صيفاً وشتاء . من الكثافة التي لا تُطاق للحياة ينبعث الذاهبون، من هنا - يخطر لي ذلك كثيراً - جاءت تسمية الغياب الجسدي (وفاة)، حيث في كلمة الوفاة استيفاءٌ للوجود الأرضي واكتمالٌ يُوْقِدُ أولئك (المكتملين) المتوارين عن مسرحنا بقلوبنا جمراً نافذ العذوبة والوجع . فماذا عن الموت بمفهوم العدم، أ نتخلَّى عنه؟ هو لا يتخلى ! لذا يتحتم علينا الاحتفاظ بالموت وفقط للأصدقاء الذين كف طريقُهم عن قطع طرقنا، ليظل فقد الأصدقاء مميتاً، حيث يَتَحَوَّل لهباءٍ من كان صوته لجذعكَ ضمادة ونظرته جبيرة لهيكلك، حين تصحو ولايصحو برأسك، تتحرك في الكون وهو/ هي آخر من يخطر لك الرجوع إليه بصغائرك بضحكاتك بسقطاتك، أجمل ما في الأصدقاء القدرة على مشاطرة السقطات وصياغتها في نكتة، وأفدح الموت حين تصير سقطاتك غريبة عليهم .
من قال : «كلما تقدمت في الحياة تقشَّر أصدقائي عن جسدي وسقطوا في الطريق »؟؟
و ما علاقة كل هذا بالولع وتداعياته؟
أسمح لنفسي فأقول : وسط النفي والدمار العشوائي وسياراته المفخَّخة، أشعر أن عالية، تستميت وتكتب من داخلها والشخوص لتنقذ حفنةً من العراق .
الخميس 17 جمادى الآخرة 1427هـ - 13 يوليو 2006م - العدد 13898

 

http://www.alriyadh.com/170873