أوراق | لكمة التيس في عين الجنرال

حرب الثلاثين عاماً بين ماركيز ويوسا

محمد ناصر الدين
«كان الطبيب يمسح له عينه اليسرى بمنديل، مستغرباً من أنه لا يفعل ذلك بنفسه، وهو الغيور على مظهره الشخصي. انتبه الى شروده عند مدخل المدينة، حين أوشكت مجموعة أبقار جامحة أن تصدم العربة» (غابرييل غارسيا ماركيز ـــ «الجنرال في متاهته»)

«الوحيد الذي لا يستطيع خيانتي بين جميع من يحيطون بي، حتى لو رغب في ذلك، هو أنت. لأنني الشخص الوحيد الذي يمكنك اللجوء إليه، والذي لا يكرهك ولا يحلم بقتلك.

 إننا متزوجان الى أن يفرق بيننا الموت». (ماريو بارغاس يوسا، من رواية «حفلة التيس»)

عند وفاة غابرييل غارسيا ماركيز (1927 ــ 2014) في نيسان (ابريل) ٢٠١٤، لم يتردد ماريو بارغاس يوسا (1936) بالتصريح لقناة تلفزيونية لاتينية بما يلي: «اليوم مات كاتب كبير. مؤلفاته حققت انتشاراً مذهلاً ونالت حظوة عظيمة في الأدب المنتمي للغتنا. روايات ماركيز ستعيش بعده طويلاً، وستستمر في إغواء القراء أينما وجدوا». لم يبخس يوسا «غابو» حقه، وهو على الأغلب يعني ما يقوله. لكن هذه الكلمات الدافئة ليست سوى رأس جبل الجليد لقصة حرب استمرت ثلاثين عاماً بين الرجلين كشفت عنها أولاً صحيفة «لاجوراندا» المكسيكية، ومن ثم «نيويورك تايمز» منذ أقل من سنوات عشر في مناسبة ثمانينية ماركيز، في فصل أسطوري من كواليس أدب القارة المدهشة.

اللقاء بين «غابو» وماريو

الزمان: ١٢ شباط (فبراير) ١٩٧٦.
المكان: قصر الفنون الجميلة في العاصمة مكسيكو.
المناسبة: العرض الأول لفيلم «أوديسة الأنديز» الذي يتناول تحطم طائرة فريق الرغبي من مونتيفيديو فوق جبال الأنديز عام ١٩٧٢، وتمكن قسم من اللاعبين من النجاة بفضل أكل لحوم أفراد الطاقم الموتى في الحادث.
لم يكن للفيلم أن يثير ضجة وقتها لولا أن الكاتب هو «السوبر ماريو» البيروفي يوسا الذي حظي بشهرة عالمية منذ صدور روايته الأولى «المدينة والجراء» عام ١٩٦٣. نجم آخر من روائيي أميركا اللاتينية يفاجئ الجميع بحضوره: الكولومبي ماركيز الذي أسر لب العالم بأسره بروايته «مائة عام من العزلة» (١٩٦٧). استُقبل «غابو» وزوجته بعاصفة من التحايا والقبل، هو الذي كان قد أوشك حينها على إنهاء رائعته «خريف البطريرك» وانتقل للعيش في مكسيكو، آخذا عهداً على نفسه بالامتناع عن الكتابة طالما بينوشيه على رأس الطغمة الحاكمة في تشيلي.

لتمضية الوقت، كان من المفيد لغابو الذهاب إلى السينما. عند أسفل الدرج المزخرف في قصر الفنون الجميلة، لمح ماركيز يوسا، فترك الحشد مبتهجاً، وتوجه نحوه فاتحاً ذراعيه. كان يفترض بالرجلين أن يكونا صديقين حميمين منذ لقائهما الأول عام ١٩٦٧: «غابو» هو عراب ابن يوسا، والبيروفي خصّص للكولومبي أطروحة دكتوراه كاملة بعنوان «غابرييل غارسيا ماركيز: قاتل آلهة». إنها إذن لحظة اللقاء المنتظرة. تصلّب جسد يوسا الذي أغلق قبضة يده بإحكام. وحين تقدم غابو نحوه فاتحاً ذراعيه، باغته بلكمة مباشرة في عينه اليسرى أطاحت به أرضاً في الحال: مشهد سينمائي بامتياز حمل بعض الحضور على الظن بكونه دعاية مقصودة للفيلم. تم «توضيب» لكمة يوسا بهدوء في الإعلام المكسيكي واللاتيني، وأُدرجَت ضمن نطاق الخلافات المعهودة بين الأدباء: فلاديمير نابوكوف مقابل ادموند ويلسون، ليليان هيلمان مقابل ماري ماكارثي، نورمان ميلر مقابل غور فيدال؛ فيدال المطروح أرضاً، هو الآخر، بواسطة غريمه بادر الى القول بطريقة ليست بأقل قوة «مرة أخرى، تعوز نورمان ميلر الكلمات».
قصة السويدية الحسناء

ما هو السبب الذي حمل البيروفي على العنف؟ مشادة أدبية مشحونة؟ نزاع إيديولوجي متصاعد؟ سارتر مقابل كامو؟ كانت السياسة في تلك الفترة قد بدأت تنخر بسوسها في الصداقة بين يوسا وماركيز. الثاني يتهم الأول بمحاباة اليمين ومغازلة الامبريالية، والأول ينتقد إعجاب الثاني بتجربة كاسترو، التي يقارنها بتجربة بينوشيه في القمع السياسي والسجون السرية وانتهاك حقوق الإنسان. ما كشفه تحقيق «الجوراندا» ومن ثم «نيويورك تايمز» هو القطبة المخفية خلف لكمة يوسا. قطبة أبسط وأعقد من الحرب الباردة في آن، لا تمت بصلة الى الليندي وبينوشيه وارماندو فالاداريس وكاسترو. زوجة غابو نطقت أمام الحضور في قصر الفنون بجملة صغيرة: «ليس يوسا سوى أبله غيور». شاهد عيان أكد للصحيفة أنه سمع يوسا يصرخ بماركيز: «كيف تجرؤ على عناقي بعد ما فعلته مع باتريسيا في برشلونة؟». باتريسيا هي زوجة يوسا وقريبته. عاش الرجلان مع أسرتيهما ردحاً من الزمن في برشلونة مطلع السبعينيات، حيث التقى يوسا بحسناء سويدية ليقع في حبها وينتقل للعيش معها في استوكهولم. لم تجد باتريسيا أفضل من صديق العائلة لمواساتها خلال الأزمة الزوجية. يقول الخبثاء إن الأمر تخطى المواساة قليلاً. لم ترق استوكهولم الباردة ليوسا، صاحب الدماء اللاتينية الحارة، لتستقبله باتريسيا من جديد في برشلونة. اعترفت باتريسيا لماريو بأنها لم تضع الوقت سدى أثناء غيابه في استوكهولم.

صورة طي الكتمان

وضعت صحيفة «الجوراندا» صورة ماركيز المبتسم بالدمغة السوداء حول العين على الصفحة الأولى من العدد المخصص لثمانينية غابو في السادس من آذار (مارس) ٢٠٠٧. المصوّر المكسيكي رودريغو مويا الذي التقط الصورة، تحول مباشرة إلى نجم تطارده وسائل الإعلام في الأرجنتين وكولومبيا وتشيلي. «استحوذت هذه الصورة بالذات على تفكيري قرابة ثلاثين عاماً. لدي الآلاف من الصور العظيمة، لكن هذه بالذات ليست كغيرها». يصرّح مويا بالإسبانية لإحدى الإذاعات في مكسيكو. يقول إنّ صديقه ماركيز طلب منه أن يأخذ له صورة بورتريه بالعين السوداء. رغم أن الصورة لم تنشر البتة، يعترف مويا بأنه طبع نسخة وحيدة منها لصديق علّقها فوق جدار في بيته. أحد الصحافيين الفضوليين علم بموضوع الصورة وطلب إذناً بنشرها في صحيفة محلية، «لكننا لم نتوصل الى اتفاق بشأنها». يتابع مويا: «حضر غابو الى بيتي بعد الحادثة بيومين، ظننت في البداية أنه قد ضُرب من قبل الشرطة المكسيكية. غابو وأنا صديقان كفاية، لكننا لم نتحدث بأمر الصورة فيما بعد، أو حتى عن الدافع لالتقاطها. لكني أظن أن هوسه بالتفاصيل، وهذا من صلب طبيعته كروائي، كان يدفعه الى تسجيل تفاصيل حياته وتوثيقها أيضاً، أو أظن أنه قد استهوته الفكرة بأن تكون له صورة بالعين السوداء. ثلاثون عاماً تكفي، لدي علاقة جيدة بالجوراندا وقررت أن أعطيهم الصورة» (ولـ «نيويورك تايمز» لاحقاً). قصة الحسناء السويدية وثأر باتريسيا تولى إخراجها الى العلن بابلو اسبينوزا، المحرر الثقافي للصحيفة المكسيكية الذي أوضح أنه «رغم أن قصة اللكمة متداولة في مكسيكو، الا أن تفاصيلها لا تعرفها الا فئة قليلة». حجز ريكوردو مويا وبابلو اسبينوزا مكانهما كبطلي كومبارس في السيرة الأدبية اللاحقة التي ستكتب للبطلين الرئيسيين للرواية والأدب في القارة الساحرة: ماريو بارغاس يوسا وغابرييل غارسيا ماركيز.

لقاء لم يتم

لم يشأ الروائيان العودة الى تلك الحادثة البتة. يوسا وعد مرة بكشف السر لكنه لم يفعل. لم يعقد صلح بين الرجلين من بعدها. مع الوقت، كان الشقاق الذي تغذيه الاختلافات الأدبية والسياسية يكبر بينهما. عام ١٩٩٧ مثلاً، في مناسبة المؤتمر الأول للغة الاسبانية في زاكاتيكاس في المكسيك، طرح ماركيز فكرة تبسيط الكتابة في قواعد اللغة الاسبانية. لم يتوان يوسا عن الرد «تموت اللغة إذا تم اجتثاث القواعد. لماركيز مخيلة خصبة، لكنه ليس فيلسوفاً، أو بحّاثة». ٢٠٠٧: تناقلت الصحف أن المصالحة قاب قوسين أو أدنى من الوقوع، وأن يوسا سيكتب مقدمة للطبعة المميزة لـ «مائة عام من العزلة» في مناسبة العيد الأربعين لصدورها، كان قد احتفظ بها منذ الزمن الجميل للصداقة.
٢٠١٠: يوسا ضيف الشرف في مهرجان كرتاجين للأدب في اسبانيا. فندقه على مسافة عشرين متراً من منزل غابو. هل تحدث الرجلان؟ على الأرجح، لم يحصل الأمر. لكن في مناسبة الحديث عن اساتذته في الأدب، أفصح يوسا عن أسماء ثلاثة: خورخي لويس بورخيس وخوليو كورتثار... وغابرييل غارسا ماركيز!
٢٠١٤: وفاة غابو ليرثيه يوسا بكلمات غلّبت إعجاب الأديب على أحقاد الإنسان، لتبقى الصورة الفوتوغرافية التي كما يقول بارت «الصورة تتصل في شيء ما بالبعث، هي نوع من مسرح بدائي، مثل لوحة حية، مثل مجازية الوجه الساكن المخضب الذي نرى الموت تحته». وجه لم يخصبه الموت، بل لكمة «التيس» في وجه «الجنرال».

كلمات
العدد ٣٢٦٠ السبت ٢٦ آب ٢٠١٧

http://www.al-akhbar.com/node/282333