السفير : يبدو الكاتب عندنا كأن في يده عاهة ويكسب من عاهته

عالية ممدوح: علينا الاعتراف بالحق بالمرض والكسل والهزيمة
عناية جابر

عالية ممدوح التي ترحلت بين بغداد وبيروت وباريس. سجلت رحلتها تلك وحياتها في بغداد وفي كل مكان في روايات تتابعت واحدة بعد الأخرى وشكلت في نهاية الأمر أثرا مهما وخاصا في الرواية العراقية والعربية. لم نقرأ عالية ممدوح بعد كما ينبغي لكن الارجح ان لا نجد في الرواية العربية أعمالا كثيرة تناظر شاعريتها الخفية وعوالمها الأنثوية العامرة بالأسئلة والرغبات حول روايتها الأخيرة <<المحبوبات>> الصادرة عن دار الساقي. كان هذا الحديث.

في <<المحبوبات>> اصدارك الجديد، ثمة غوص كتابي أنثوي حتى منتهاه مع الشخصيات النسائية الطاغية في الرواية. هل تقدم الشخصية النسائية لك ككاتبة، الجموح السردي اللازم، والعمق والكثافة اللازمين، ليستوي بوحك في شكله الأغنى؟
 عموم من كتبت عنهن ولهن، كن حيوات ثرية منحنني وقبل النص عضلات من حرير ومحبرة من المكر والحنان. يستهويني هذا التلاطم من الضعف الذي لا اتستر عليه، والسرية والفضول الشديدين فيخيفني، ان أصاب بلكمة من أحداهن. هنا عليّ الاعتراف بجميلهن وجمالهن مع التماس الاعذار لشطط بعضهن، فكارولين السويدية على سبيل المثال، اتقنت وحدتها تماما بالتخاطب مع الالة، وما غيبوبة سهيلة الا انصعاقهن أمام ما قد يحدث لهن.
محبوبات البلد لم يقدرن ان يكن سيدات أنفسهن بعد نتانة الأسياد. النحاتة رباب فرت لأنها رفضت نحت تماثيل القادة فغادرت الى روما، وافقت على ان تشطف خراء النساء الثريات وعمل منحوتات نظيفة من القيح والقبح الذي عاشته هناك. كأن، الغائط أقل فظاظة وذلا في المنافي من جنائن زهور الوطن.
› لكن بدت المحبوبات بمعنى من المعاني مديحا غائر الصدى للصداقة بالدرجة الأولى.
 النساء يقدمن تأويلات واقتراحات شديدة الاثارة والتحدي بالمعنى الوجودي. لكني لم أحاول رفعهن كرايات خفاقة ولا أقمت على شجنهن ولائم للمواساة. أتذكر، حين قتلت صديقتي بلقيس الراوي في حادث مروع في بيروت في أوائل الثمانينيات، كتبت في الولع ما معناه: انني فقدت نصف أهلي. ان علاقات الدم تسبب لي ارهاقا فائضا، كأنك مطالب بالاخلاص لدم قد يكون فاسدا، وربما غير موجود اصلا. في الصداقات الصحيحة نقدر على اجراء عملية نقل دم من قلبك الى قلب الصديق. فالصداقة، كما تبدو لي أقل ورطة ومأزقا من الحب، بها تتقوى على زمانك ومكانك، على سخافاتك وطيشك.
› لكن هذا يقودنا الى كشف التهديدات بين بعض الاطراف ووضعها على الطاولة، أعني بها التصرفات والأفعال ما بين القوي والضعيف.
 ما نقوم به في أثناء سرد الحكاية هو مراجعة شروط اللعب كما تقتضي آداب الألعاب. الكاتب أحيانا لا يلتفت للغش الذي قد يحصل بين الجولات، انه مفتون بمن له استعداد الى المغامرة والاعتراض، أما الاكتفاء بجرح ولوم النفس لأنه غير قادر إلا عليه فسوف يضخم الخوف وينشره على من حوله كشريط حياة سهيلة، بالرغم من ان هذا الخوف يطال الجميع، الاقوياء والضعفاء. ان مراقبة الخائفين هو الذي يدفع الكاتب بالذهاب الى ما وراء القسوة والعنف والظلم، ذلك الذي يحدث فيما بيننا وما نحاول اكتشافه لدينا. فقد تكون القسوة من أجل البقاء، من أجل ان لا يرى أحدنا ضعفه البشري، كما بدت بعض تصرفات سهيلة مع كارولين الأجنبية، فالانسان مخلوق أضعف مما يدعيه هو نفسه او ما يتصوره غيره عنه، وأي ادعاء بعكس ذلك قد يرضيه لفترة قصيرة لكنه سوف يتحطم بسرعة.
أظن ان وضعية القوي أكثر تعقيدا من الضعيف. في بعض الاحيان، تحتل جاذبية الضعيف كادر الصورة أكثر من القوي، حين يتصور هذا الأخير، ان جميع الاشياء والقرارات صارت بحوزته لثقته الزائدة عن الحد الطبيعي. لكن، من جانب آخر، قد يقوم الضعيف بمغامرة أعنف وأخطر، كأن يتصور نفسه أقوى من القوي، بمعنى: الضعيف يحاول باستماتة ان يكون أقوى، يحاول الوقوف على قدمين ويختار موقع الخطر. في المعنى الشعري، الذهاب للخطر يكفل النجاة، فالقوي لا يستطيع التنازل او التراجع قط فقد يحمل ذلك حتفه، هو سائر الى امام، هذا في الظاهر، إنما في العمق، القوة الفاجرة تنضّج الكآبة وتقوي تشكيل بذور الضعف. من هنا على الكاتب مصاحبة هؤلاء الذين يعرجون في سيرهم لأنه يتمنى ان يكملوا الطريق، وهو يشاهدهم يحفرون بالأظافر لاستدعاء قوتهم وعدم الانسحاب من الملعب، فلا شيء يحضر من الخارج قط.
› الابن في روايتك ناب عن الزوج والحبيب والصديق والأب. هل حملت شخصية الابن فنيا كل هذه الاسقاطات العاطفية التي أردتها لكتابك، بمعنى هل نجح حضور الابن الرجل في التعويض عن رجال حياتك الآخرين؟
 لا أحد ينوب عن أحد، هو تحايل ولعب لكي نذهب الى الأبعد في التخييل. كانت جدتي تردد دوما: كلنا مرضى. اليوم، لا أحد يعترف بدرجة المرض حتى لو كان في النصوص. علينا ان نحرص على التواضع لكي يتم الاعتراف بالحق بالمرض، الحق بالهزيمة، كما هي حقوق الكسل والفشل الخ. علينا الاستجابة لما يتطلبه المرض والخسارات من اشارات معقدة وقاسية لاستخراج السموم. الابن شريك متواطئ انتبه لأخطاء والديه منذ البلوغ وإذا ما حظي بشيء من التكريم في النص فلأنه معرض للتهديد والخطر أكثر منهما؛ الأب، مجهول المصير والوالدة التي تعفنت من الاغتراب الطويل. لا، لم ينجح هذا الولد، ولا أظن ذلك مع باقي الابناء، ان يكون لديه نائب الفاعل، وإذا كان الفالس يتطلب اثنين، فبكل اسف لن يكون الثاني هو الابن، فرقص الاحبة به شيء من المساومة والرشوة. سهيلة كانت تنوي يوميا سرد قصة غرامها المكبوح على ولدها لكنها أحجمت خشية الاستنكاف. حتى الحب القليل بينها وفاو، او هكذا تخيلت، حب محكوم عليه بالفقد قبل بدئه. يبدو لي، كامرأة، ان خفايا الحب أهم مما نحاول اضفائه على فعل الحب ذاته. فعملية البحث عنه تحمل بجانب الضنى لذة أكثر من الارتواء منه، لأنه فعل صعب، صعب جدا ان لم اقل مستحيلا.
الحياة خارج البشر
› الانتباه والملاحظة، والروائح والأصوات والنباتات هي شخصيات أساسية أيضا في المحبوبات، هل تعتقدين ككاتبة، ان الحياة الاعمق تجري خارج البشر، أم ان للمتوحدين حيوات خلفية متخيلة؟
 اشعر انني كاتبة حسية، وان الجانب الحيواني لم يروض ولا انوي ذلك وأنا في هذا العمر. حين أتحدث معك أحاول لمسك، أشعر ان حركة يدي تحاول ان تنظم مسيرة صوتي، ونوايا افعالي. حواسي هي التي تقودني لتشوف المدن والبشر والاشياء. هذه طريقتي في رؤية شعرية الوجود، وهي جزء من ثقافتي العربية والإسلامية الشرقية، نحن شعوب هذه البقعة الفاتنة والملعونة من العالم. لدينا مفاهيم خاصة في المقدس والدنيوي كانت ارثا جماليا ووجوديا، مع المرارة الشديدة حين ابتعدنا عنها سنوات ضوئية.
هل تدرين يا عناية، ستضحكين، حين كنت أكتب النفتالين وأنا أسير وسط الأسواق والحمامات الشعبية، وأنا أراقب اهرامات البهارات، البخور والعطور والفاكهة المجففة كنت أبدأ نوبة من العطاس القوي لا تتوقف إلا بعد انتهاء كتابة الفصل. انني أرى هذا الجانب من الأشياء من سرها الدفين وعلاقته بالبشر، من خلطها ببعضها ما يدع لعابي يسيل وصوتي يزداد بحة، كما افعل مع اطباقي المفضلة. هكذا خلطت ملامح سهيلة في المحبوبات، صبيحة في الغلامة بعشرات التصاوير. أحب انفي وهو يشم رائحة الطرائد التي ستكون في حوزتي حيث تقودني الشخصيات الى ضجرها ومائها السري، بلى، انني اخلّي بعض المناطق في الحياة والنصوص لكل هؤلاء فهذه كنوز ارفع بها الغبن عن دناءة بعض الوقائع فتعج المخيلة بأسرار القوم.
› ثمة أزمنة ماضية وحاضرة في روايتك، فيما لا يتراوح المكان خارج غرفة المرض، للشخصية الأساسية، التي تستدعي الأزمنة الى غرفتها، كما تستدعي شخصياتها. هل حضرت لهذا النوع من البناء الروائي، أم استدعاك هذا البناء أثناء السرد؟
 الاثنان حضرا سويا. الماضي يمنح رخصة للحاضر بالتوهج وهذا الاخير يستحق عناء السير الطويل نحوه لما يحمل من غواية. الازمنة ادوات ارهابية للكاتب قد تنفجر بوجهك شحنة الحاضر ويتمخض من جراء ذلك انقلاب في تشوف ذات الماضي، الذي من غير الصواب القول انه قتل وشبع قتلا. لا وفاء نهائيا في استخدام هذه التقنية او غيرها، انك وحدك امام خطوط النار وما عليك الا ان تفلّي شخصياتك جيدا، وتحاول ان تمنع عنهم حرب الثأرات. انت محظوظ فيما اذا استقامت عندك مواد البناء لضيافة اهل بيتك الجديد. لن انسى تلك المقولة التي تقول: انت كيفما انتهيت، لا كما بدأت. وإذن، علينا فحص مصائر وأزمنة الجميع، في النصوص والحياة لكي نشهد على ما يخبئه الكائن من فضائل ورذائل، عندها، سوف نصاب بالرعب من تحولات البشر في الماضي وصولا الى الحاضر، ولماذا نذهب بعيدا والاحداث امامنا لا زالت نيئة ودامية.
؟ هناك التباس لا يزال قائما، بين تعاطفي مع الشخصية الاساسية وبين إحساسي بقوتها المكتفية بذاتها. في كتاباتك كلها لا تتوسلين القارئ ولا تستجدين تعاطفه، هل تملؤك وحدتك الى هذه الدرجة؟
 التنظير يتطلب بعض المقارنة وأنا مفلسة في هذا الجانب. اعرف امراً بسيطا جدا يخصني، حتى الضوء الخافت يبعثر عزلة وسكينة الكاتب. أرى فيما حولي، في الغرب والشرق، ان النجومية المدوية تجعل البعض كالمهرجين، ينتقلون من مكان الى آخر، وأحيانا يذهبون الى المكان الخطأ ويبدو احدهم يثير الرثاء في محاولة فراره مبتعدا عما اسميه ب دلتا الكتابة والبقاء في الظل ما بين اسلابك وذاتك، في بقعتك المعتمة وانت تدمدم فجرا وليس بين يديك الا حفنة من هواء جاف لا يندي بشرتك حتى. من حق البعض الانشداد لذلك الضوء، الذي قد يشوش ويربك اكثرمما ينير البصيرة. اعلم ان الكاتب سلعة، هكذا يعرّف وفي جميع انحاء العالم. شيء لطيف الترويج له لكن، علينا ان لا نسقط ضحايا ذاك السعار، لسبب بسيط، ان الكتاب الجيد يعيش عمره غير الافتراضي اذا كان يمتلك عافيته فسوف يضمن له وعلى الاغلب، قارئا سريا جميلا، محتملا او حقيقيا. ما من احد لا يسعده رواج كتبه، لكن افق القراءة اليوم مغلق، وتوقيرها مختل. يظهر الكتاب عندنا كأنه يحط في برية موحشة، فيبدو الكاتب ان ما يحمله بيده عاهة، وما عليه الا الكسب من عاهته وهو امر مجحف ومحبط، ربما بسبب هذا علينا مواصلة الكتابة. الآن، اتذكر وباعتزاز كبير، ان حقوق كتبي، وهي قليلة، اشترتها اكثر الدور العربية والغربية رفعة وتألقا، وان احدى رواياتي تحولت الى كتاب جيب في احدى الدور الغربية، وهذا تقليد جميل لم يصلنا بعد. على الاعتراف هنا ان بعضهم كان كريما والبعض اقل كرما. اظن، ان اعادة طبع واحدة من رواياتك او نشر رواية جديدة لك لما كان ليتم لولا انك مدعوم بثقة الدار والقراء المميزين. اليوم، وللمرة الاولى سوف اروي لك قصة قديمة، حين اصدرت مجموعتي القصصية الاولى، افتتاحية للضحك عن دار العودة في اوائل السبعينيات في بيروت، وهي مثل اي مجموعة، تحمل عثرات وثقوب الكتاب الاول، كتب عنها ناقدان، الاول، ناقد وشاعر، وضعها في مقال طويل في <<خانة توسيع المد القصصي النسائي>> والثاني، هو اليوم اسم نقدي بارز، شتمني بسطور وبطريقة كمن يطالب بعودتي الى رحم أمي والبقاء هناك حتى يتم تحرير العرب من سوء الطالع وتجاهل الاخرين. افطن وبعد مرور كل هذه الاعوام الطويلة جدا، انني مدينة للناقد الثاني الذي طردني من جنة نقده. ان محاولة سحق الذات او تضخيمها المميت، اي ذات من اجل الجماعة بكل فروعها ودلالاتها: (اصولية، نسوانية، ماركسية، قومية، ونقدية) يبدو لي، هو واحد من قائمة طويلة من الاسباب، هي التي ألحقت الاذية الشديدة في قيمة الاثنين سويا. ربما، في اللاوعي المبرمج، كنت، كلما انجز كتابا، اشعر ان فلانا سوف يزداد غيظا. هذا يتطلب استطرادات كثيرة اشتغل عليها ببرودة، في كتابة نصوص فيها الفكاهة والطرافة، عن بعض تلك الحكايات، عن قصص المنفى مثلا، كيف يولع بك الآخر فيقوم بحفر ملامح جديدة لوجهك ويجعلك تسكن في اوراق ثبوتية مغايرة، يفعل ذلك من اجله بالدرجة الاولى فلا يرمش له جفن. اليوم لديّ فرصة ثمينة وأنا اعيش هنا للفحص الطويل، لتلك الاحلام المغرر بها، للاوهام القاتلة التي تدعو للفضح والادانة، وللوعي المعاق لجيلي المدمر. ففي نهاية المطاف الجميع غير بريء، نخبا، احزابا، نقابات، مؤسسات، جامعات، كتابا وفنانين عن هذا التيه والانكسار الفريدين، اللذين سنهجع فيهما اعواما، ان لم اقل قرونا آتية.
؟ اين انت من عراقك حاليا؟ كيف ترين الى اوضاعه الصعبة؟
 في اثناء الحروب والكوارث تتفاوت ردود افعال البشر وتختل الألباب. بعضنا يقوم نافضا الغبار وبقع الدم عن ثيابه وبهزة من كتفه يدخل الحشد ثانية. البعض ينتصر بالالفاظ والكلمات كما في جميع الحقب الدموية، والبعض كان يعيد تخصيب دورة اصدار الاحكام دون فحص او روية، هكذا بمجرد حركة من اصبعه او اشارة من رأسه ينال التبجيل. لا زلت اشعر بالاحتراس الشديد من رطانة الكلام اكثر من السكوت المريب. ترى، اية قواعد، واي رهان على الكتابة بعد الهول. نعم، علينا الخروج من الترنح وعدم التوقف عن التفكير، ليس لأن ما يحدث وبالسرعة المميتة عصيا على الفهم، على العكس تماما، لقد جهز له منذ دهر وهو يطالنا جميعا. فبعد الاقترافات المروعة وباسم الايديولوجيات، بدا، ان الجميع يقوم بتخوين وتأثيم الجميع ومن كل الاطياف. فلا الاسراف بالصراخ، ولا المبالغات بشكوى المصاب، قادرة قط للاعتذار الطويل عن الابادات لشعوب عفر جبهاتها الاذلال الفظيع والسفاهات التامة، بدءا من فلسطين مروراً بأفغانستان وليس انتهاء بالعراق. ترى، اي بلد سوف نتكئ عليه ونقوم بحراسته بعدما اعلنت خطة بناء سفارة الولايات المتحدة في بغداد، بأنها ستكون الاعظم والاكبر في العالم مكتسحة النهر واليابسة وإرث بيوت الاهل. الذوق العراقي العام، يتطلب منا تهيئة الحياة للضيوف الجدد وترك التسكع لنا، او الجلوس في الجهة الشرقية من جزيرة ام الخنازير، نكشّ الذباب ونجمع لهم سمك الشبوط والاختفاء عن انظارهم داخل ملح الارض العراقية. هذا منطق السحر الجديد وعلينا الاستعداد له، ليس بالريح الخبيثة التي اطلقت سراح تسلط العشيرة، الطائفة، المذهب، المنطقة، الحي وصولا الى خشب التابوت وشواهد المقابر. شعرت يا عناية، انكم في <<السفير>> بالذات، انتم، كلكم، عباس وجوزيف وأنت تخصصتم ببلدي دوني. حتى مقطوعتك الحنونة عن الصديقة العراقية، شعرت وأنا اقرأها كأنها صاروخ موجه ضدي، سامحيني يا عزيزتي. في اثناء الاستسلام المشين لبغداد كنت اخلط اصوات حسين نعمة وداخل حسن وصوتك في الشريط اياه. سمعت هؤلاء اكثر من غيرهم، كنت اريد صوتا يحبني لا صوتا احبه. صوتا على مقاس الشجن العراقي النهائي، لم اذهب لقراءة التاريخ وقصص الانبياء الوافرين، كنت اريد دويا اشد وأعنف ما يمكن ان يصله النص لكي يغطي على يوميات الحرب، فعدت ثانية الى رواية مريم الحكايا، لماذا، لا ادري؟. علوية صبح الكاتبة العربية الوحيدة التي مستني كالمولد الكهربائي في تلك الايام. لديها كرم وغنى لا مثيل لهما فكنت اشعر انها تهديني شبابها، أنا المرأة المحشوة بالسنين والضنك. حتى ألمها كنت اقرأه بمتعة لكي اتحرر من ألمي، ألمها موجود غير مخترع او ملفق، وهذه اجمل مكرمة من كاتبة لكاتبة وقارئة. علوية شباب الكتابة العربية. ثم انتبهت لمقولة جوليت الصاعقة حين قالت لروميو وهي تموت بين ذراعيه، كما نحن بدون روميو: حبي الوحيد ينمو من حقدي الكبير. في تلك الاوقات، شعرت، على الابداع ان يحمل لكنة فصيحة من الحقد الضاري وأجزم ان رواية الروايات سيكتبها جيل جديد من الفلسطينيين والعراقيين. عمليا، انني مشغولة اليوم بنصوص اليائسين امثالي في الداخل المجنون والخارج المميت من البرودة والوحشة. لا زلت اتمايل من التصدع والتلاشي ولا اعرف صدقا، اي عراق سوف احمي به ظهري، اما صدري فهو لا يملك الا اياه بسبب ما اشاهده من بعض الأبناء والأعمام والأخوال وهم يوزعونه كالاسلاب كما كان يحصل خلال الثلاثين عاما، التي تبدو، انها لم ترتحل حتى اليوم.