هيرمان هيسه في «سحر الكتاب»: عالم الكتب هو المكان الأجدر بالمعيشة


ترجمة: إبراهيم الملا
يقول الكاتب والروائي السويسري الألماني الأصل هيرمان هيسه الحائز جائزة نوبل للأدب عام 1946 في مقالة له بعنوان (سحر الكتاب): «من ضمن عدة عوالم لم يعشها الإنسان كهبة من الطبيعة، لأنها خلقت خارج وعيه وكينونته، فإن عالم الكتب هو المكان الأجدر بالمعيشة، فبدون الكلمات، وبدون تأليف الكتب، لا وجود للتاريخ، ولا وجود للمحتوى الإنساني، وإذا أراد أي شخص أن ينحاز للعزلة، أو أن يعيش في منزل صغير، أو في غرفة مفردة، ثم يخوض في ذات الوقت، التجربة الروحية الهائلة في مسيرة التاريخ البشري، فإن القراءة وحدها قادرة على ملء هذا الشغف».
يشرح هيسه هنا افتتانه الشخصي الجارف عند رؤيته لرف من الكتب الصامتة والمغلقة على أسرار وحكايات مثيرة للحاسة الجمالية المتعطشة فينا أبدا، ولكن ما هي طبيعة هذه الكتب، وما هو محتواها، وما هو تأثيرها، هل ستكون مثل: «الفأس الذي يشق البحيرة المتجمدة في ذواتنا» كما يصفها كافكا، هل هي القادرة على جعل الإنسان جزءا من اللعبة السحرية للحياة كما يقول «كارل ساغان»، وهي مقولة قريبة لوصف العالم غالاليو عندما شبه القراءة بالوسيلة القادرة على منحنا قدرات ذاتية خارقة، أو هي طريقة لتغيير مصائرنا، كما يشير «جيمس بالدوين»، أو يمكن تشبيه هذه الكتب «بعربات تقودنا إلى الأعماق السحيقة للوضوح» كما يصفها «نيل غايمان».
وإزاء كل هذه التوصيفات العميقة للكتب ولفعل القراءة، فإن هيرمان هيسه يضع في اعتباره أيضا الدور التاريخي للكلمة الموثّقة، ويشرح ذلك قائلاً: «بالنسبة لمعظم البشر فإن الكلمة والكتابة ثيمتان مقدستان وسحريتان، إن العنونة والكتابة كانتا في الأصل فعلا يمارسه السحرة لامتلاك الطبيعة من خلال الروح، وكان التفسير الشائع لموهبة الكتابة، هي أنها ذات منشأ سماوي، وبالنسبة لفهم معظم الشعوب القديمة فإن فن الكتابة والقراءة ما هو إلا علم سريّ ومقدس».
ويضيف هيسه: «ولكن هذا التفسير أو هذا الفهم قد تغير بشكل كامل في الأزمنة الحديثة، لقد باتت القراءة والكتابة اليوم فعلا يشبه التنفس بالنسبة لغالبية البشر، الكتابة والكتاب على ما يبدو تم تفريغهما من المنزلة الخاصة، وتم تحييدهما عن طاقة الماوراء، وذلك من وجهة نظر الليبرالية الديمقراطية، وهذا هو جوهر التقدم، وعلينا أن نتقبل وجهة النظر هذه كمسألة طبيعية، رغم وجود وجهة نظر أخرى ترى في الأمر انتقاصا من الجوهر الروحي للكتابة».
ومع ذلك، فإن هيسه يقدم موقفا متفائلا تجاه تقنيات السرد، وتجاه مقاومتها للنظرية المستقبلية المتشائمة حول «موت الكتاب»، وذلك قبل نصف قرن من الزمان منذ كتابة مقالته هذه.
كتب هيسه بعد بضع سنوات فقط من التحذيرات الحماسية التي أطلقتها الروائية الأميركية «فرجينيا وولف» ضد شرور السينما، قائلاً إن أشكال وسائل الإعلام الجديدة مثل الإذاعة والسينما لا تشكل أي تهديد للكتاب، لأن الكتاب يمتلك كما يرى قيمة روحية فريدة في حياة الإنسان.
يستطرد هيسه في تأكيد هذا الموقف: «نحن لا نحتاج إلى الخوف من القضاء على الكتاب في المستقبل، على العكس من ذلك، فكلما ازداد احتياجنا لعناصر محددة لها علاقة بالترفيه والتعليم من خلال الاختراعات الجديدة، كلما زادت منزلة وأصالة الكتاب، ورغم ارتباط البعض وبشكل طفوليّ ومتضخم بفكرة التطور السريع ونبذ الأنماط التقليدية، فإن الجميع سوف يضطرون إلى الاعتراف بأن الكتابة والكتب لديها وظيفة ذات صبغة أبدية. وسيكون من الواضح أن تأليف العبارات والمفردات ووضعها في سياق مقروء داخل الكتب، هو العمل الأهمّ، والوسيلة الوحيدة التي يمكن للبشرية من خلالها أن تصنع تاريخها، وأن تخلق وعيا مستمرا تجاه ذاتها».
يضيف هيسه: «لم نصل تماما إلى تلك النقطة الحرجة التي تمكّن المنافسين الأقل سنا مثل الإذاعة والسينما من هزيمة الكتاب المطبوع، لأن الجزء البسيط الذي احتلته هذه الأنماط السمعية والبصرية الجديدة في حياتنا، هو ذاته الجزء الذي يمكن لنا الاستغناء عنه في أي وقت» !!

http://www.alittihad.ae/details.php?id=30970&y=2017