دراسة تحليلية في أدب المفكر الراحل عزيز السيد جاسم

*د. محسن الموسوي
لم يتعرض مفكر عراقي لاجحاف من محيطه المباشر كما تعرض المفكر الراحل عزيز السيد جاسم، قبل وبعد اعتقاله في 15 نيسان (ابريل) 1991، والظلم يذكره بعض الاوفياء لأنفسهم ولثقافتهم، وجاهر به عديدون، ولكنني لست بمعرض هذا الحديث. فالذي اعنيه هو ذلك التواطؤ الذي درج عليه مثقفون ينتمون الى مؤسسات واحزاب يظنون انها يمكن ان تعترض على مواقفهم المعلنة انتصارا له، ولهذا اثروا الصمت! ومن الجانب الاخر، أخذت هذه الجماعات تشعر بوطأة العناية الأكبر، تلك التي يستحثها مفكرون عرب وعالميون،
وهم يكتبون عن عزيز السيد جاسم، او ينتصرون له بعد اعتقاله الاخير وتغييبه. لم يكن غالي شكري ورفعت السيد وفاروق البقيلي وجمال الغيطاني وعشرات من الكتاب غير بعض من هؤلاء، لان المثقفين والمفكرين العرب المبرزين في الساحة المعرفية العالمية من امثال ادوارد سعيد، هشام شرابي وحليم بركات واخرين من انصار الفكر الحر من على شاكلة مايكل هدسن وبيتر غران اعلنوا منذ زمن، وفي مذكرة رفعوها الى الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان في وقتها) يرجون فيه توسطه لنجاة المفكر العراقي عزيز السيد جاسم وضمان حريته. ان فلاح البلدان والأمم هو من فلاح مفكريها، ومن قدرة السلطات، مهما كان نوعها، على رعايتهم، أوتجنب تدميرهم على الاقل، من خلال الضغط أو التعذيب أو التوقيف أو السجن والتغييب ، وتجاوز ذلك لمنع تداول مؤلفاتهم. والذي ينبغي تأكيده على الدوام ان عزيز السيد جاسم أديب ومفكر مبتكر، وعلاقته بالأطراف السياسية عابرة ازاء اهتماماته، وهي عبارة عن مسعاه لوضع افكاره في مجال التنفيذ لتغذية المسيرة لا غير. انه المثقف بامتياز، صاحب التنوع، وكذلك الاستقلال الفكري والسلوكي، والتعالي عما هو مصلحي وشخصي. انه الضمير الذي يعوزه المحترف السياسي، والمبدأ الذي ينقص الانتهازي، وكما يقول المخزومي عن الخليل بن احمد الفراهيدي: «فالعبقري أبدا غصة في حلوق المتحذلقين المبهرجين». وليس مستغربا ان يتكاتف اصحاب المصالح والمسؤوليات ضده، وهو الأعزل المعوز وما علينا الا ان نقرأ قصصه، «الديك وقصص اخرى» (1987)، ورواياته «المفتون» و»الزهر الشقي» و»المناضل» لنعرف اي معدن تنطبق عليه وتنبثق عنه معايير جوليان بندا في المثقف النقي. ولابد من الاشارة الى ان كتب عزيز الاولى في نقد الحركات الاستقلالية أو الثورية الاولى، وتنبيهاته الى احتمالات خطأ هذه الحركات وأفرادها، تعد بمثابة وثائق مهمة في التنبيه الى المشكلات البنيوية داخل الاحزاب، وهي تفسر ايضا مداخل فشلها اللاحق.ويعد كتابه «الحرية والثورة الناقصة» الصادر في بيروت سنة 1970، أحد أبرز الدراسات النظرية في هذه المشكلات. ولهذا ليس مستغربا ان يثير تعليقات الاستاذ عبد الله العروي وغيره.اما كتبه في نقد الشعر، فينبغي ان تقرأ في ضوء المستجدات النظرية في قراءة التاريخ وسلطة النقد. ولم تكن قراءاته للتاريخ العربي قليلة الأهمية، ذلك لان كتابيه عن الرسول الكريم والامام علي يعدان نقلة مهمة في اعادة قراءة التاريخ، بما يتيح تفسير وضعه بين السرديات الاخرى. اما عن اسباب صدور روايته الاخيرة (المفتون) بعد تغيير النظام في 2003 فخيراً فعلت الروائية العراقية المقيمة في باريس عالية ممدوح وهي تنشر متابعتها عن رواية «المفتون» للمفكر العراقي الراحل عزيز السيد جاسم الذي قضى اثناء سجنه بعد اعتقاله مساء 15 نيسان ابريل 1991 في محلة شارع السعدون في بغداد. وظهرت متابعة القاصة العراقية في ملحق «تيارات» في 16 ايار مايو 2004. ولعالية ممدوح الحق في ان تثير تساؤلات عن صدور الرواية الآن بعد مضيّ هذه الفترة الطويلة على كتابتها. وخشيتها مبررة في ضوء هذا التاريخ، وكذلك في ضوء ما تراه مختلفاً عن كتابات المفكر الراحل. لازمت عالية ممدوح المفكر والكاتب والروائي منذ قدومه الى بغداد، ولغاية مغادرته إياها. اي انها تعرفه خلال النصف الأول من السبعينات على اقل تقدير، وبحكم صداقتها، لها كل الحق في ان تبحث بحثاً مدققاً. ولها يرجع الفضل في عودتي الى النص وقراءته وهو في شكل كتاب صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
في مكان آخر يضيف هارون في تحليل انعكاسات «الخلل الآسيوي» على الوضع الجاري: «حين ضاعت الامبراطوريات بعد ضياع الفتوحات، بقي الهاجس الأمبراطوري، والحس الاستيلائي، الذي لم يكن امامه موضوعاً للعمل، فأصبح المواطن هو موضوع التطبيق، موضوع الاستيلاء الامبراطوري. إن كل السيوف والرماح والسكاكين والسنابك التي كانت تستخدم في الفتوحـــات، أطبـقــت على رأس المواطــن وصدره، وعلى وجوده بأكمله…» 163. ينبغي ان نتذكر ان الرواية تنشد الى الاثنين، وترحل معهما، وهما يبحثان عن الأمر الآخر: هارون ساعياً الى داخل مريضه، وجولاته، وصولاته ما بين القرية والمدينة، ويوسف الذي يتابع الطبيب عن بعد وقرب. الرواية هي ثورة البحث، تنقطها هذه الشروح كلما وضعت الحال داخل مهاد اكبر وحاضن اوسع. لكن الطبيب هارون يعي انه ليس مثالاً كاملاً: «لست مثالاً صافياً 124». وحتى عندما يعجب باستحياء بأم يوسف المطلقة وببيداء، كان يعي انه موزع ما بين «الريف والمدينة في تناقضهما… لكنه مع ذلك احس بأن ما بين خافقيه شيئاً من هنا، وشيئاً من هناك 153». لكنّ الرواية تنتهي بهارون عاجزاً عن فهم اسرار يوسف لحين قيام الأخير بالاعتراف، بينما فوجئ هارون بيوسف عارفاً عنه انه كان قيادياً بين الطلبة والفلاحين. لكنه تنحى عن العمل السياسي ولاذ بمهنة الطب النفسي. وبين رحلتي البحث، وحوارات الشخوص المختلفين من امثال بيداء ونجوى وسالم اليعقوبي والد يوسف وخلف الأعور، تظهر امامنا صورة للعراق ايضاً. تاريخ القهر الإقطاعي قبل 1958، ثم إخفاق الثورة، وانتحارها، وضياع الفلاح داخل العمل السياسي تحت وصاية الأحزاب بعد التحرر من وصاية الإقطاع ص134. والرواية تقدم مثل هذه التمثيلات سريعاً 80- 81، 87- 90 لأن انشغالها بالسياسي يتم من خلال الرحلة النفسية في دواخل هارون ويوسف اليعقوبي، ومعادلات ذلك موضوعياً في التنقلات داخل المدينة، وبينها وبين الريف.. لكنّ سؤال عالية ممدوح وارد ايضاً. فما الجامع بين هذا النص وغيره من كتابات عزيز؟ إن كتابة السيد جاسم تضمر هذه الإشارة الى فشل الثورات الوطنية، وتبادل الأدوار فيها على حساب المواطن.

*البروفيسور محسن جاسم الموسوي أستاذ الادب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك

http://albayyna-new.com/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%B9%D8%B2%D9%8A/