إن وُلدتَ يوماً

ترجمة أنطوان جوكي
إن وُلدتَ يوماً،
لا تظنّ أن العالم سيحتشد حولك،
مستعجلاً لرؤية وجهك،
ضمن جلبةِ وليمةٍ كبرى.
لا تتخيّل أنهم سيتدافعون،
أن كلّ واحد منهم يريد أن ينظر إليك، أن يحملك
بين ذراعيه، أن يوصي الآلهة بك. حدّثوك عن صراخ الفرح الذي نطلقه عند
ولادة طفلٍ،
عن الابتهاج
عن العيارات النارية في الهواء
عن الطبول
عن احتفال البشر الصاخب بالحياة،
انسَ كل هذا.
إن وُلدتَ يوماً،
لن يكون فرحٌ،
بل قلقٌ على وجوه الجميع،
كالعادة، قلقٌ
ينجبه قدومك إلى العالم.
تفكّر غالباً في يوم ولادتك.
تأمل به، تترقّبه، تعمل لحصوله.
حدّثوك عن العضلات المشدودة إلى حد
التمزّق،
عن العرَق،
عن الرأس المقلوب،
عن السوائل التي تسيل وتتحرّر،
حاملةً روائح اللحم وما في داخل الجسد،
قالوا لك إن الخلاص يأتي بعد ذلك،
لكن إن وُلدتَ يوماً، لن يكون خلاصٌ.
قالوا لك إنه في النهاية لن يتبقى سوى الدموع،
دموع الوليد الذي يشعر للمرة الأولى
بأن الهواء يمزّق رئتيه،
ودموع الأم التي تستقبل طفلها.
تحاول تخيُّل ما يمكن أن يكون عليه كل هذا،
ذلك الإحساس بالولادة
ذلك الألم الداخلي المغلّف بفرحٍ كبير.
لكن إن وُلدتَ يوماً، لن تكون دموعٌ.
لقد بكينا منذ زمنٍ طويل.
لم تعد لدى الأمهات دموعٌ تذرفها.
كمٌّ من الحيوات أفلتت من السكين،
كمٌّ من الحيوات أدمتها آلاف الوسائل التي
ابتُكِرت لاضطهادنا.
لن نطلق الصراخ
لأننا أطلقناه منذ زمنٍ بعيد.
صراخٌ في جبالنا حين طردنا العالم،
صراخٌ في قُرانا التي أفرغتها غيمة غاز
أطلقها الطغاة،
صراخٌ حين علمنا أن الأقوياء
كانوا يرسمون على الخرائط خطوطاً
تفرّق بيننا.
أكرادٌ نحن،
لكن على أراضٍ أربع،
ممزَّقون،
أكرادٌ،
مفسَّخوا الأعضاء،
من دون وطنٍ أبداً.
إن وُلدنا يوماً،
سيحصل ذلك بصمت.
وأولى أفكارنا الملتبَسة كوِلْدَان
ستكون لأمواتنا.
ننتمي إليهم أكثر مما ننتمي إلى عالم الأحياء.
هم الذين صنعونا،
هم الذين همسوا لنا بأناشيدِ جبالٍ
حين لم نكن نتقن النطق بعد.
إن وُلدنا يوماً،
لا تأمل بمعمودية.
القرابين، الأفعال المقدّسة، من أين تريدها
أن تأتي؟
مَنْ يسهر علينا منذ قرون؟
أعداؤنا فقط.
لتعميدنا لن تحضر سوى جبال زاغروس
وطوروس وقنديل
وحدها الجبال حليفتنا منذ البدء.
ولكن إن وُلدنا يوماً،
ستشعر ببداهة الاكتمال.
ستبتعد الجرائم التي تعرّضنا لها وتلك
التي اقترفناها، تاركةً سماءً مغسولة.
ستنبثق مدنٌ لن تكون مقابر.
سيولد أطفالٌ لن يكون في عيونهم
حجابُ الملعونين.
عندها سيكون علينا أن نقرر مِمَّن سنكون.
سننظر إلى أيادينا ونتذكّر أنها قتلت.
ثمة صورٌ في أرمينيا تحفظها العائلات
بصمتٍ،
حيث نحن الجلادون.
سنتذكّر أن دمنا قد سال أحياناً
في صراعات داخلية.
سننظر إلى أقدامنا ونتذكّر أنها نزفت
فهروبنا المتكرر منذ زمنٍ طويل
كان سفرنا الوحيد...
سننظر إلى أخواتنا ونتذكّر صباهنّ الذابل.
إن وُلدنا يوماً، علينا أن نقرر.
وعندها صلِّ كي نستلهم السماء
ونختار وليمةَ النجوم،
المتعددَ بدلاً من الواحد.
اليدَ بدلاً من القبضة.

http://www.alhayat.com/Edition/Print/22245064/%D8%A5%D9%86-%D9%88%D9%8F%D9%84%D8%AF%D8%AA%D9%8E-%D9%8A%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%8B