نيتشه.. المُعتزِل في فردانيّته


كتابة آلات رولان
ترجمة أحمد حميدة
يتمفصل الفكر النّيتشوي عن الفرد قبل كلّ شيء حول أكثر الثّنائيّات إثارة: هي تلك التي تضع وجهاً لوجه «الضّعفاء» و«العبيد» من ناحية و«الأقوياء» و«السّادة» من ناحية أخرى. وعلى عكس ما يذهب إليه بحماس أولئك الذين لم يقرؤوه البتّة، فإنّ نيتشه لا يعني بذلك أن الطّرف الثّاني يهيمن أو أنّه مطالب باستعباد الطّرف الأوّل، وإنّما أنّ المنتمين إلى الطّرف الأوّل، والذين يمثّلون السّواد الأعظم، هم عبيد ضعفهم، ضعف مردّه إلى غياب الإرادة وعدم الإقبال على الحياة، إذ هم يؤثرون، وهم المبغضون لأنفسهم، ألاّ يكونوا «أفراداً» والذّوبان في الاختلاط وفي امتثاليّة «الدّواب الجريئة.. الجماعيّة» أو «القطيع».. عبارة لا تنفكّ تتردّد في جميع أعماله، وتحتشد بكلّ معاني الازدراء. وفي «جينيالوجيا الأخلاق» كانت له هذه الكلمات:«وهم يرغبون في التخلّص من حزنهم الدّفين وإحساسهم بالهوان، يتوق كلّ المرضى غريزيّاً إلى تشكيل قطيع».
الطّريق إلى الذّات
في نفس المقطع يوضّح نيتشه أنّه «بقدر ما يميل الأقوياء بشكل طبيعيّ إلى التّباعد، بقدر ما يميل الضّعفاء إلى«التوحّد». و«القويّ »الذي يريد من أعماقه أن يكون سيّد نفسه، يحبّ أن يكون فرداً – ذلك التّكوين الأكثر حداثة – إذ أنّ سعادة القطيع أقدم من سعادة الأنا» (هكذا تحدّث زرادشت). رافضاً أن يكون حيواناً اجتماعيّاً وقربانيّاً، فإنّ الفرد النّيتشوي لا يمكنه التنفّس إلاّ خارج الصفوف المرصوصة لأولئك الذين لا يسعون إلاّ جماعة: «أريد المضيّ نحو غايتي فأسعى إليها بخطوتي» (هكذا تحدّث زرادشت)، ففي انفلات عقله الظّمئ إلى الحريّة يجد صوابه وبهجة الحياة (وهذا ما يجعله يزدري الكائنات الجماعيّة). نيتشه الذي اشتهر باسم «الفكر الحرّ» - ذلك الذي يفكّر بطريقة أخرى غير متوقّعة، بالنّظر إلى أصله، ووسطه وحاله ووظيفته، أو باعتبار الآراء السّائدة في زمنه (إنسان مفرط في إنسانيّته). إنّه الاستثناء لأنّ «الحريّة لا يدركها إلاّ عدد قليل من النّاس، فهي امتياز للأقوياء (ما وراء الخير والشرّ). وضمن هذه الأقليّة، فإنّ قدر كلّ واحد أن يعيش لوحده، بمنأى عن الحشد من النّاس:«أوتريد أن تتوحّد؟ أوتريد البحث عن الطّريق التي تقودك إليك؟» (هكذا تحدّث زرادشت). كلّ أعمال نيتشه، مسرودة بأيما أسلوب، تمثّل العزلة فيها الخيار الأوحد المتاح، السّبيل الملكيّة الأكثر قساوة وتحفيزاً.. تلك الموهوبة للكائن الذي يريد أن يعيش فرادته كفرد حرّ ينشد الكمال». ذلك الذي يمضي في دروبه الخاصّة، لا يلتقي فيها أحداً، لا أحد فد يأتي ليسعفه وينير طريقه: مخاطر، صدف، شراسة وعواصف.. وكلّ ما يباغته وينقضّ عليه، ينبغي له وحده التغلّب عليه.. ذلك أنّ تلك السّبيل هي سبيله (فجر).
ولكن إلى أيّ أمر تراه ينذر نفسه ذلك المعتزل؟ ذلك الّذي يقول: «إنّه لمن البغيض لديّ اقتفاء أثر الآخرين أو إرشادهم. أن أكون خاضعاً ومطيعاً؟ لا.. أبداً.. أبداً.. لن أسوس أو أحكم (العلم الجذل). إنّه يتهجّى العيش كـ«فرد.. سيّد نفسه»، كـ«فرد مستقلّ بذاته وفوق الأخلاق»، كـ«إنسان يتمتّع بإرادة حرّة، مستقلّة ودائمة»(جينيالوجيا الأخلاق). إنّه متى شرع في التخلّص من كلّ الرّوابط التي تقيّده، وتضامَنَ رغماً عنه مع من لا يألف، فيقيناً أنّ دوافع ذلك لن تكون سلبيّة وتفاعليّة (الخوف من الآخرين)، وإنّما إيجابيّة وفاعلة، ألا وهي أن يتذوّق متعة أن يكون نفْسه:«لتعش مختفياً كيما تتمكّن من العيش لذاتك»(العلم الجذل).
ويرى نيتشه أن قدرة المرء على أن يحبّ ذاته، تمثّل أرفع درجات الاستقامة، تلك التي، وبعيداً عن الملاطفة النّرجسيّة المريحة، تُفرّد الكائن وفقاً لضرورة التّجاوز، وبذلك يهتف زرادشت بقوّة، إذ في حبّ الذّات لا تكون العزلة انسحاباً مشوباً بالخوف ولا أسراً، وإنّما مباركة للحياة:«وحيداً تطرق درب أولئك المحبّين، وأنت تحبّ ذاتك..». ويستمدّ الفرد النّيتشوي قوّته من:«وهج ذاته الخاصّة»(إنسان مفرط في إنسانيّته)، فلا حاجة له بالآخرين كيما يكون معترفاً به، طالما أنّه يشعر بذاته، ويثبت وجوده ويعترف بنفسه «في سياق توقه إلى المتعة الأنانيّة». ولئن كانت تلك الفردانيّة نابعة من الأنانيّة، فذلك أنّ تلك الأنانيّة تجسّد السّخاء الخلاّق (ولا علاقة لذلك مع التّطويق والإبقاء) لإرادة القوّة.«إنّ مثل هذه الأنانيّة صحيّة ومقدّسة، إنّها فرحة ذاتيّة، إنّها الأنانيّة النّافعة والجريئة التي تنبع من نفس أبيّة وأنوفة»، كما يؤكّد ذلك زرادشت. وأوكد مهامّ الفرد تكمن في النّفس المعانقة للإرادة وتنشد إكمال الذّات: وعليه «خلق قيمه الخاصّة»، وهو يخلق ذاته من ذاته. «كن ما أنت عليه حقيقة» (العلم الجذل).. «كن من أنت» (هكذا تحدّث زرادشت).
القطيع يقاوم الفرد
إنّ مشروع خلق الذّات من ذاتها الذي يمثّل ذروة الفردانيّة النّيتشويّة ليس بالأمر الهيّن، إذ يهدّده من الخارج دوماً أعداء «الكائن.. سيّد نفسه». ذلك أنّ همّ المنساقين مع القطيع هو «تدمير الأفراد المستقلّين بذاتهم، الأحرار، الذين لا أحكام مسبقة لديهم (فجر). هكذا تكون المجتمعات الحديثة «محكومة بالخوف من كلّ ما هو فرديّ، ويشكّل فيها الفرد كبش فداء لما هو جمعيّ. وكلّ شيء يبذل كيما يصغّر الفرد» و«يتحدّد دوره في مهمّة من أجل الجميع» (العلم الجذل).
بالنّسبة للفرد الذي يرفض «التّضحية بحماس» و«يهب نفسه كذبيحة» (فجر)، الخيار الأوحد المتاح أمامه هو إشهار الحرب على كلّ ما يعمل على استرقاقه وإفنائه من أجل الخير المزعوم للجماعة والكلّ. ليس هناك من خيار غير الردّ الهجوميّ على ضراوة المسيحيّة التي تأمره «بالتوقّف عن التّفكير في ذاته»، وأن يتناسى نفسه لصالح الآخرين، ولكن أيضاً من أجل الدّولة: «لقد عنّفونا كيما لا ننشغل (بجزئنا الشّخصيّ) ومنحه قربانا للدّولة» (إنسان مفرط في إنسانيّته)، ثمّ أوضح: «إنّي لأرى في أعراف الدّولة والمجتمع عائقاً للتفرّد: وإن كانا يرجوان من البشر أن يكونوا عاديّين ومتساوين، فذلك لأنّ الضّعفاء يخشون الفرد القويّ الفعّال ويؤثرون وهنًا شاملاً على التطوّر المؤثر على الفرديّ ». وبالنّتيجة فإنّ صرخة الحرب للفرد الحرّ هي «لنقلل من وجود الدّولة قدر الإمكان» و«لتمت الدّولة».. ولكن ليس لإحلال الاشتراكيّة التي تنشد ترسيخ سطوة الدّولة إلى حدّ الاستبداد، وتُزايد على الماضي مستهدفة محق الفرد وهلاكه (فجر). إنّ ديموقراطيّة الحشود التي تقرّ مبدأ - مصلحة الأغلبيّة تمرّ قبل مصلحة الفرد – تكفي لتجعل البشريّة تتقهقر خطوة خطوة نحو أحطّ درجات الحيوانيّة. والعكس (مكانة الأفراد أهمّ من مكانة الجماعة) هو الذي يرفعها.
وماذا سيتبقّى من الأخلاق؟ لا شيء أكثر من ذلك، فهي توصي بالإيثار (نسيان الذّات، التّضحية بالنّفس..)، وتجسّد الإغواء الأكثر مكراً لتدمير الفرد من الدّاخل، حين تجعله يشعر بالذّنب وتتركه منهوباً لتأنيب الضّمير.
بعيداً عن الجميع.. قريباً من البعض
«الفردانيّة» النّيتشويّة تمعن في التّأكيد على سيادة فرد ليس بحاجة إلى التّجاوز بقدر ما هو بحاجة إلى التحقّق، هو بحاجة إلى أن يتشكّل انطلاقاً من مصيبة أولئك الذين سيتفوّقون، وهم ليسوا بالكثر، في التغلّب على أنفسهم وتجاوزها من أجل صقل الذّات، والارتقاء إلى مرتبة شرف الفرد الجوهريّ، «ذلك الجسر الذي يقود إلى الإنسان المتفوّق». قد يبدو من غير المرغوب فيه الاعتماد على «المفهوم الملتبس والمبتذل» للفردانيّة لوصف عاطفة تكون قد جرّدت الفرد من «وهم الأنا»، فلا ترى في الفردانيّة غير «الشّكل المتواضع الذي لا يزال غير واع لإرادة القوّة».
يبقى السّؤال الملحاح والبالغ التمرّد: هل كان المسار الوجوديّ لنيتشه الإنسان مسار معتزل، نافر وغير اجتماعيّ؟ بعيداً عن كلّ إرادة اعتزال مطلق، كان هذا المسّاح الخياليّ للقمم الثّلجيّة وللصّحاري المقفرة، يظلّ على العكس من ذلك على قيد السّهر - بعيداً بالطّبع عن الحشود الجماعيّة – وهو يؤمّن لنفسه شرنقة من الصّداقات والارتباطات المنتقاة. ولم يمنع هذا من أن يعيش في الأخير عزلة باطنيّة شجيّة ومرَضيّة. ومن ناحية أخرى، فإنّ مسيرته الفكريّة كانت دوماً سابغة، لتواصلٍ عابرٍ للتّاريخ مع عدد قليل من المفكّرين والكتّاب، (من مفكّري ما قبل سقرط إلى ستاندال...) الذين كان يرى فيهم السوالف المتقدّمون أو الملهمون: ودائماً ائتلافات منتخبة ومنتقاة. ومع ذلك، فإنّ العزلة التي عاشها نيتشه كانت دون عزلة ستيرنار أو كيرككارد، إذ لم تتخذ أبداً منحى طاغياً أو شكل أنا وحديّة منطوية على الذّات، اللّهمّ في الأيّام الأخيرة من مسيرته الفكريّة. لعلّه، وراء فرادة تلك الأنفس القويّة كان يختفي ضعف سريّ، إنسانيّ، بل بالغ الإنسانيّة.
فلسفة «الفرد المرتاب»
يظلّ نيتشه بالطّبع متمرّداً جامحاً على كلّ أشكال الوصاية لأيّما فكر اختزاليّ، ليعلن في العلم الجذل: «أمّا في ما يخصّنا، فإنّنا نريد أن نكون من نحن حقيقة، الأوائل.. المتفرّدين، الذين يتحوّلون وحدهم إلى قانون، أولئك الذين يصنعون أنفسهم بأنفسهم»، حيث لا تحيلنا «نحن» على أيّ جماعة ولو كانت نخبويّة، ولكنّها تترجم ميتافيزيقيّا الإرادة المتفرّدة والأرستوقراطيّة في أن نكون في أقاصي عالم «الفرد المرتاب»: من ذلك «الإنسان الأخير»، الذي أضحى يسود في زمننا الفائق الابتهاج، المسرف في أموميّته، الممعن في نزعته القبليّة.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=59436&y=2016&article=full