ـ البساطة : قاعدة سلوك في الكتابة الحديثة ـ

عالية ممدوح /
تقول الكاتبة / علوية صبح / ، انها كتبت هذه النصوص بين عامي / 82ـ 84 / . لم تقل انها شعر او قصة او حفنة بوح مضروبة بكاتم الصوت . ثم يقول الغلاف الاخير ، بلسان مؤسسة الابحاث ، ناشرة الكتاب : {{ تتوحد نصوص علوية صبح في كتابها الاول ـ نوم الايام ـ في لحظتين متداخلتين ، الاولى ، لحظة المرأة الشاهدة ، فالمرأة لا تكتب عن الاشياء الا بوصفها اشياءها هي . الكتابة هي حوار مع الذات والذات تتحول في الاخرين حيث تشهد على نفسها معهم وفي زمنهم المكسور بالحروب والخوف والموت . واللحظة الثانية هي لحظة النص المفتوح على احتمالاته المتعددة ، فهذه النصوص لا تختار شكلها المسبق … الخ }} تخطفني الكتابات التي تشبه مناجم الالماس ، ما ان تبدأ من اول درجة حتى تنزل ، تلهث ، تحفر وتعرق ، تنقل توهجك من يديك الى رأسك وبدل ان تتخذ شكلا مقرفصا وانت في القاع تلتقط ببدنك حجر لماع ، تدري انه ليس من الزجاج الرخيص ولا الكرستال المرعب بضوئه . انك تتصبب عطشا وترتقي من وراء الكواليس / الكتابة والكتاب ، النصوص ، المرأة … آه ، كلما اقرأ كتابة جديدة لأمرأة جديدة اشعر ان حياتي تتضاعف .
{{ وأن حلمت بأمرأة تسليك ، ان حلمت بليل تتوج فيه من تحب اميرة ، فعليك ان تبعد عنك المرأة الشديدة الوضوح والحذر واليقظة ، اذ لا سعادة الا مع السذج }}
بعد ان قرأت نص ـ نوم الايام ـ طلعت لحديقة داري في المغرب . لم اجد احدا في طريقي لأقول له : اسعدت صباحا ايتها العلوية ذات الصبح الطبيعي . وجدت بضعة اوراد مكتومة على روحها وكأنها اشتاقت حالها فتكورت هكذا ، لمستها بحنان وانا ابتسم ، قلت ، ان نوم الأيام كتاب بسيط الى حد ان البساطة يجب ان تكون قاعدة سلوك في الكتابة الحديثة .
ما زلت اقترح ان الكاتب الأول للكاتب او الكاتبة يفحص اتجاه علاماتة الفارقة في العصر ولا يطمح الا ان يكون بذرة راسخة اثمن من شجرة تبدو مورقة لكنها ميتة منذ زمن طويل . خط سير الكتاب هو بيروت ، الحرب ، بيروت الموت ، بيروت الحب ، وهكذا ممكن ان نضع مطلقات ونعوت كثيرة وندور مثل بيضة ولا نصل الى حافة الايام ، ليس لأنها نائمة ، وانما لأن الامور ليست بسيطة كما يظنها الاخرون .
علوية صبح ، كنت اريد ان ارى وجهها ، اتعرف عليها فهي في هذا الكتاب تبدو في الثلاثين ، لا ادري لماذا ؟ فرسمتها : شعر اسود ، اصابع معروقة ، كف وارمة ، عيون محتقنة لكنهما بحريتان ، وجسد مستقيم . اريد التأكد من درجة فوضويتي في الرسم وبالتالي اريد ان اضحك مع الكاتبة . لا اتصور الكتابة الا بصور اصحابها ، غلط هذا الرأي ، ربما ، لكن كان يعنيني كثيرا حتى وانا اتابع ادبنا الكلاسيكي ، فكنت احوز عليه وانا اعبد الطرق امامي بمفردات اصحابها عندما يصفون احوالهم وسحناتهم . فجأة وانا اقلب احدى الصحف اللبنانية ، والتي مضت عليها بضعة شهور ، فاكتشف صورة الكاتبة :
{{ انا ، فقط ، واحدة وكثيرة .
وانت كثير ووحيد وليس فقط .
انا بجسد واحد واغار كثيرا .
وها انا في الكلام
اكثر من حقيقة الخطأ
اتصيد الكلام يلغيني .
افسر الكلام وجهي الاقرب اليّ.
افسر يدي الصغيرة ، حيث لا ايدي ولا سلام }}
ما زال الرأي السائد واعتقد انه سيظل حتى اشعار آخر او حرب عربية جديدة ليس من العدو وهم كثر ، وانما مع الذات اولا ، كأن الكتابة عن الحرب يجب ان تكون برمة التفاصيل ، متذمرة النبر . تستطيع الحرب ، وحروبنا لا تتعطل مثل ساعات سويرية ان تدع الكتاب ، الكاتبات في العموم يكتبون ويرسمون ويعزفون ولا ينتظرون السوط من داخل تلك الذات او من الآخر . يكتبون عن الوقت الضائع بين الموت الاول والموت الأخير . يكتبون عن ذلك الحب الغاشم الذي مات هو ألاخر بالمعنى الاشتقاقي من جراء الحرب .
في نوم الايام كانت الجثث قد انشأت حركتها هي الاخرى ، حوارها ، اسيادها ، قتلاها وابرياءها .. هذا النص مثلا اسمه : مدد ، مدد ، اعود من الكهوف الحديثة . عن علاقة النوم بالنائم ، علاقة الجثة بالحي الباقي داخلها ، اما الحي الحقيقي فلا وجود له . هذا النوع من الكتابة لاذع ومر في سخريته وهلاكه ، واعرف ان معظم هذا ـ كذب ـ ومع هذا اخطو مع الجثث وهي تتداخل في رأس الكاتبة ثم تنتقل الى رأسي ، ليس من الضروري ان تكتب عن الحرب ويجب ان نرى بقع الدم بين الاصابع وفي الملابس الداخلية : {{ اعتقدت لوهلة ان الاجيال الجديدة ولدت قبل القديمة ، وان الذي ولد في الآتي يمشي الى عصور ماضية . شعرت هكذا وانا ارى الى اجسادهم وحركة اصواتهم واشكال عيونهم وتأكدت حين شاهدت اعمارهم تتمدد في زمان طويل حتى بدا اصغرهم لا يقل عمره عن الالف ، ورغم ذلك احياء ويرقصون ، وكلما اغمضت عيني على المنام مدد ، مدد ، نعرني ، فأرى من جديد الى اجسادهم ، وكلما تحركت زادت سرعتها الى درجة البطء في حركة الزمان ، وكلما تصاعد صوت اتخذ نبرة ما قبله فتهيج الاجساد الاخرى وتلتف حوله وتبدأ بالتصفيق والحماسة … هكذا تبدل الصغار على مملكة النوم وانا جالسة القرفصاء في المنام ومع مدد مدد تمددت }}
قبل علوية صبح كان الكاتب اللبناني الياس خوري قد بدأ هذا النوع من الكتابة منذ كتابه الأول / عن علاقات الدائرة / بفوضوية السرد وتأويلات الراوي التي جاءت في بعض الاحيان جائرة ، لكن الخوري كان تكرس . وفي كتابه المبتدأ والخبر لكتابة تموت على صدر الحاضر ، اما الماضي ، اما المستقبل فهو في علم الكتابة الآتية . حنان الشيخ ، هكذا في وردة الصحراء مجموعتها القصيصية الاخيرة ، وعلوية صبح في نوم الايام ، كتابها الاول . ورغم انها تملك منافذ الهرب من القص الى الشعر ومن الرواية الى الراوي، من التكتم الى الحقيقة، الى : انها الحقيقة . فأن لغة علوية صبح تضحك . تضحك بعد كل اشارة قتل ، بعد تداخل الانسان والقرد ن بعد نضوج الرؤوس الصغيرة وبصورة غامضة وكيف تتحول الى مفهوم لا يخطىء في القتل . القتل في كتاب ـ نوم الأيام ـ ليس هو نفسه في شوارع بيروت : {{ضحكت لابد من الخوف . لكن الخوف لم يتبدد ، تكوم في وجهي وتكومت يدي في يدي وتكوم لساني تحت صوتي ، وتكومت نظراتي على عيني رجل كانت في حركة دائرية على صدر تلك المرأة ، وعلى دمعة في زاوية عين المرأة كانت معلقة بخيط الى تحت اذنها ان تتفاجأ من الذي حدث ، كيف ، وما الذي حدث ، ما الذي غير معالم الطريق ؟ تلمس عينيك ، تدخل بيتك في المساء وقبل ان يدخل المساء في الحرب ، فماذا تجد ؟ }}
ـ نوم الأيام ـ يلتقط تفاصيل التفاصيل ، اذا اخطأ العقل ، وهو بالمناسبة يخطىء بدرجة جد دقيقة ، فأن الضحك ، السخرية حاضرة لا تنتهي دائما في الموت ، موت الحروب الدجالة ، الحروب التي تقع وراء الفهم ، هنا يفرض الموتى عيشهم ويتصرفون بأرث الاحياء ويعلنون انهم بصدد امر واحد : مجاراة الحياة قليلا للتفرغ للهيام بالموت . .
الكتابات اللبنانية وفي السنوات الاخيرة كانت ابداعا صافيا بمعنى من المعاني للحياة في الموت .في الحرب تبدع في تدبير حالك جيدا ، تخفف من الملاحظات الكبيرة ، تتوقف في المقاه الصغيرة ، تملأ شراشف الطاولات قناني فارغة وتقضم مرفق الايام . ان وقت النوم في الحياة ليس هو الوقت الاعتيادي ، انك تنام في الساعة الفلانية وتستيقظ في كذا وكيت ، تجر السرير واقساط الأنوثة والذكورة ، تجر الحب المنهك والخبز البائت والكلام العتيق في حرب لم تتوقف مثل النوم ، مثل الايام ، مثل والله لا ادري مثل ماذا ، وكأننا يجب ان نشبه الامر بشىء افضل منه . دائما المشبه به اقل من المشبه ، وهذا يقود الى الاشتباه . ا ش ت ب ا ه ، هي حروف حلقية وانت تقولها تغص بدم مر ، حارق ، حنظل ، وانت تعرف انك تقرأ حالة عشق ليست رزينة ولا ماكرة ، آه يارب العالمين : غرام لبنانية بلبناني ، مات ، فر ، هرب ، جن ، او انتحر لكن ببساطة انه غير موجود .
{{ على الارض شاهدت اشياء ، كلام متروك منذ عمر ، حركت الكلام باصبعها فلم تعرف ان تقرأ من القتيل أي شىء ،هربت الى قلبه ، لم تكن أي شىء ، لم يكنها ، كانته . لم تكنه ، كان كل شىء ، اصبحت اللأشىء . ضحك . وقف على السواد ، اصبح سواد عينيها الفارغ . رائحة السواد ولا شىء آخر ، حذرته مرارا ان يدعها وشانها لنها ستموت حتما به او ترمي نفسها في البحر . لا تحتمل هذا القدر من الاشتعال . كيف يحدث هذا وهي تتنفس النوم من تفسخ اسنانها ودماغها والنعاس الاخرس من بين زوايا اصوات الرصاص }}
اول مرة اعترف ، ان جميع اللاتي كتبت عنهن لا اعرفهن مطلقا ، فيما بعد ، تعرفت عليهن ، كتبت بعيدا عن فخاخ الايحاء بصداقة فائرة ذات حماس ثقافي وفكري. فيما بعد تصاحبنا او تزاعلنا . كنت وما زلت اردد كلما اقرأ عملا صحيحا ، نظيفا وباسلا ، اصيح مع نفسي قائلة : آه ، لقد كتبوا ما كنت انوي عمله ، اولئك وهؤلاء ، أخذوني الى المزيد من الاشتعال البهيج . كنت اعيط وانا اقرأ عملا مميزا لكاتبة عربية بالذات . أجري واوزع الكتاب على الاصدقاء ، يصير كتاب ـ تلك الكاتبة ـ كتابي . هذا ليس لغزا ، انه لحسن الحظ امر في غاية البساطة : فالكتابة المغايرة ، غير المتغطرسة ، البسيطة مثل رغيف منشور في سطوح المنازل ، يراه الجائع ويأخذ حصته ، اقطع انا لقمتي بيدي ، أكل وادع لغيري وجبته .