الفيلسوف الفرنسي يرى أن الانحرافات الهويّاتية خلقت خطاب الحرب الدينيّة جاك رانسيير: نحتاج خطاباً يغذّي الحياة


حوار - اريك ايشيمان / ترجمة - احمد عثمان
ولد الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير في الجزائر العام 1940. شارك في كتابة «قراءة رأس المال» مع لوي آلتوسير. متخصص في الديمقراطية. مؤلف العديد من الدراسات المشهورة: «الفلسفة وفقراؤها» (فلاماريون، 1983)، «كراهية الديمقراطية» و«المشاهد المتحرر» (لا فابريك، 2005 و2008). في هذا الحوار يستعيد الفيلسوف الفرنسي أسباب الانحرافات الهوياتية المتعلقة بما هو ديني حسبما عرفتها فرنسا. كارثة من اللازم مواجهتها من خلال السياسة.. هنا تفاصيل الحوار.
* بعد اعتداءات شارلي، واعتداء باتاكلان، كيف ترى حالة المجتمع الفرنسي؟ هل نحن في حالة حرب؟
** الخطاب الرسمي يقول، إننا في حالة حرب طالما هناك قوة عدائية أعلنت الحرب علينا. تم النظر إلى اعتداءات فرنسا كأفعال حربية قام بها العدو. والسؤال يتمثل في معرفة من هو هذا العدو. اعتمدت الحكومة المنطق البوشي (نسبة الى جورج بوش) فيما يتعلق بالحرب الشاملة (التي تهدف إلى تدمير العدو) والحصار للهدف المعلن، «الدولة الإسلامية»، بيد أننا، حسب إجابة أخرى، يروجها بعض المثقفين، نعتقد أن الإسلام هو من أعلن الحرب علينا ويطبق خطة عالمية لكي يفرض قانونه على الكوكب. هذان المنطقان يتلاقيان وفق وجهة النظر التي ترى أن الحكومة، في حربها ضد داعش، يجب أن تعبئ الشعور القومي، وهو شعور مناهض للمسلمين وكذا للمهاجرين. ولفظة (حرب) المستخدمة تبين هذا الالتقاء.
انحراف هويّاتي
* ما هو داعش؟ دولة؟ تنظيم إرهابي؟ ألا يجب محاربته، في الحالتين؟
** يمارس داعش سلطته على أرض، يستحوذ على مصادر اقتصادية وعسكرية ويمتلك جزءاً من خصائص الدولة. ومع ذلك، يظل منطقه منطق الميلشيات العسكرية. تكوين قوته العسكرية الراجع إلى جيش صدام حسين بعد الغزو الأميركي، ولكن قدرته على حشد متطوعين لمعركته على أرضنا شأن يتعلق بنا مباشرة. يندرج (هذا الشأن) في إطار المنطق الكوني، السائد في عالمنا المعاصر، الذي يسعى الى عدم وجود سوى الدول والميلشيات الإجرامية. من قبل، هناك «تذييت (1) جمعي كبير» – الحركة العمالية على سبيل المثال – يسمح بالمستبعدين من الانضمام إلى العالم نفسه، جنباً إلى جنب مع هؤلاء الذي يناضلون ضدهم.
الهجوم النيوليبرالي «رقق» هذه القوى وجرَّم في الوقت الراهن صراع الطبقات، كما رأينا في حالة «(شركة إطارات) غوديير». لقد تم إلقاء المستبعدين إلى «التذييت» الهوياتي المتعلق بالنمط الديني، وكذا إلى أشكال من العنف الإجرامي والعسكري. هنا، علينا مجابهة هذا الانحراف الهوياتي والكراهية. إذا كانت الجرائم تعالج بواسطة الشرطة، فالكراهية تعالج بواسطة السياسة. القول بأننا في حالة حرب مع الإسلام، يرجع إلى الخلط بين الجريمة والكراهية، القمع السياسي والفعل السياسي، في منطق واحد ووحيد، وبالتالي تتم تغذية الكراهية. هي ذو المسألة العبثية لانسحاب القومية، العاجزة عن تدارك الجرائم، ولكنها وسيلة ناجعة لتغذية الكراهية التي تحيطها.
* لعدم الوقوع في هذا الخلط، ما الواجب عمله؟
** من اللازم عدم تناول هذه الحالة من الانسحاب الافتراضي لبعض الأفراد القابلين إلى التحول إلى محاربين بمنتهى الجدية. وهذا يتضمن توضيح الخطابات والإجراءات التي تحيط بالكراهية، ومجابهة البطالة وعدم المساواة والتمييز العنصري بكافة أنواعه بكل جدية، وأيضا إعادة التفكير في الطرق التي تمكن الناس الذين لا يعيشون في نفس المكان ولا يفكرون بنفس الطريقة من العيش معاً. إنه عمل صعب بالنسبة للجميع. مثاليا، فقط إعادة تأسيس «التذييت الجمعي» القوي، ما وراء «الثقافات» المختلفة من الممكن أن تعالج الوضعية التي نعرفها. ولكن، في الحالة الراهنة، يتمثل الحد الأدنى في الخروج من خطاب الحرب الدينية.
* هل تشير بذلك إلى الخطاب «الجمهوري»؟
** هذا الخطاب ساهم بقوة في تأجيج مناخ الكراهية. من اللازم النظر إلى نتائجه. ولكن هناك عمل مهم يجب تحقيقه لصالح الجميع. الشعوب المعروفة بكونها مسلمة من اللازم أن تقول كيف يمكنها العيش مع الشعوب الأخرى، كيف يمكنها أن تكون جزءاً من عالمنا وتبتكر أشكال المشاركات السياسية.
في أعمالي السابقة، اهتممت بالبروليتاريا خلال القرن التاسع عشر (2) التي تم تنحيتها من خلال التمثل المهيمن في عالم من نسيج خاص. كانوا موجودين، لأجل العمل، وعلى وجه الاحتمال يصيحون ويتمردون حينما لا يكونوا راضين، ولكن ليس للتفكير والكلام كأعضاء في عالم مشترك. ثم، ذات يوم، شعر بعضهم بكونهم يعرفون التفكير والكلام. كتبوا بيانات، منشورات تحض على الإضراب، صحفاً عمالية، قصائد. عرفوا بالكلام والصراع أنهم ينتمون إلى نفس العالم مثل الآخرين، مع احتمال القيام بهذه الأعمال كممثلين«للهامشيين». وبذا خرجوا من منطق الانفصال والكراهية، بينما من يعيشون اليوم على هامش المجتمع القومي يبتكرون صور الحرب الكلامية في العالم المشترك. ذلك أمر يمضي إلى ما وراء فكرة الاندماج، التي تنتمي بدورها إلى منطق الفصل العنصري.
خراب المثاليات
* قدرة جذب النزعة الجهادية لبعض العناصر، وهي لا ترتبط بأي رابطة مع الإسلام، مؤولة في بعض التحليلات كإشارة إلى تصفية الغرب لكل الإمكانيات المحتملة. أليس هذا بوقت ابتكار المثاليات؟
** خراب المثاليات موضوعة قديمة تمت الإشارة إليها في «بيان الحزب الشيوعي». البورجوازية، كما قال ماركس، «أغرقت الرعشات المقدسة للنشوة الدينية، للحماسة البطولية، للنزعة العاطفية لدى البورجوازية الصغيرة في المياه الباردة للأنانية». في «كراهية الديمقراطية»، بينت كيف أصبحت موضوعة رجعية وموصومة بالعار.
لقد تم تصوير شباب الضواحي بأنهم ضحايا عدمية الاستهلاك التجاري وأن الإسلامويين يقومون باستغلالهم باسم القوى الروحية في آن معاً. هذه التحليلات، المنطلقة من خراب المثاليات الرأسمالي وصولاً إلى الجرائم المتزمتة، تفتح – في إطارها التفسيري الكبير وممارستها الواضحة – فراغا تم ملؤه بالكراهية والوصم بالعار. ثم، لا أعتقد بأنه تنقصنا الأفكار. نحن محاطون بأناس يريدون إنقاذ الكوكب، يرحلون لمداواة الجرحى في أركان العالم الأربعة، يقدمون الوجبات للضحايا ويناضلون من أجل إنقاذ المحرومين. هناك كثير من المتطوعين اليوم عن ذي قبل. لا تنقصنا المثاليات، ينقصنا «التذييت الجمعي». المثالي، الذي يدفع الناس إلى الاهتمام بالآخرين. التذييت الجمعي، أي هؤلاء المثاليون، جميعا، يؤسسون شعباً.
* ما الذي يمكن عمله لتأسيس شعب؟ أهو ضروري على صعيد الأمة؟
** أي شعب، بالمعنى السياسي، يتأسس دوماً بعيداً عن الشكل الدولاتي للشعب. ولذلك، من اللازم تحقيق الترميز المساواتي، المفتوح على العالم بأسره، والذي، ما وراء الموضوعات النوعية (المهاجرون، الايكولوجيا، الضاحية)، يسمح بإدراج «الهامشيين»، بيد أن شعباً يتأسس أيضا على المستوى المحلي، بالنسبة الى الهيمنة التي تختبر على وجه العموم في الفضاء الوطني.
حركة 15 مايو في مدريد (الساخطون) تأسست على قطيعة مع منطق الأحزاب المحتكرة للسلطة العامة، وحركة ميدان (تقسيم) في إسطنبول تأسست حول فضاء مفتوح للجميع، بما أن الدولة تسعى إلى تحويله إلى فضاء تجاري. حتى وإن كان رأس المال عالمياً، يحدث التفاعل، وبالتالي تنبجس نقطة الانطلاق. الأمة ترميز جمعي و- كأي ترميز – هي رهان الصراع الدائم، في فرنسا كما في أي مكان آخر. في هذا المنظور، من اللازم التفكير في الدعوى لفكرة الهوية الفرنسية، بدءاً من الألفية الحالية، وهي ذروة الثورة الثقافية المضادة، التي «تنقي» الأمة الفرنسية من الإرث الثوري، الاشتراكي، العمالي، المناهض للكولونيالية والمقاوم، لكي تختزلها إلى أمة بيضاء ومسيحية. تنزع تحديداً إلى بناء هوية جمعية انكفائية. تقتفي الحكومات الحالية أثر درس بوش: على اعتبار أنه قائد حربي، تخلق الحكومات الالتحام الشعبي بصورة فضلى.
في مواجهة البطالة، من اللازم ابتكار حلول ومواجهة منطق الاستغلال: حينما يتم ارتداء زي الزعيم الحربي، فهذا أسهل بكثير، بالأخص في بلد يظل على الرغم من كل شئ أحد أفضل بلاد العالم. يعرف حكامنا جيدا تحقيق: ليس إدارة الأمن، وإنما الشعور بعدم الأمان. وهذا أمر مختلف، ودوما العكس. في نوفمبر 2005، كان من الممكن تجنب أسابيع من المجابهات الخطيرة لو أن وزير الداخلية وقتذاك انشغل قليلاً بإذكاء الشعور بعدم الأمان في برنامجه الرئاسي، وانشغل أكثر بصور التلطيف والحوار لضمان الأمن.
السياسة لا الاقتصاد
* كمفكر، يتم تصنيفك دوماً «يسارياً راديكالياً»، وبالتالي معارضاً للرأسمالية. ومع ذلك، في تحليلاتك، تهتم أكثر بالقوى السياسية والفكرية عن القوى الاقتصادية.
** هناك من يعتقد بأن الانتماء إلى اليسار يعني رد كل شيء لرأس المال. هذه الوضعية «اليسارية» تؤطر في آخر الأمر الخضوع الكئيب لقانون النظام. ففي الفضاء السياسي تتأسس أشكال التجمع الذي يتمم الهيمنة الرأسمالية أو التي تعارضها. المصرف والتمويل لا يصنعان أشكال الرأي العام التي تخلق شعبا موافقا لهما. وإنما يقوم بذلك السياسيون، المفكرون والطبقة الإعلامية. أفصل عنها بعض الماركسيات التي ترى، كمظاهر بسيطة، صور الترميز السياسي المنتج في مجال الرأي العام والمؤسسات. إنه صراع فعال. إذا قيل إن شيئا لن يتغير طالما أن الهيمنة الرأسمالية أبدية، من الممكن أن ننعم براحة البال: تظل الأشياء على حالها حتى نهاية العالم.
* ولكن ألا يعتبر تحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات تجارية، التي تتبدى من الآن فصاعدا راجحة على المستوى الكوني، أمراً محزناً؟
** هنا أيضا، يتحاشى الاختزال المباشر للأيديولوجيا إلى اقتصاد السؤال السياسي. إنها موضوعة رجعية. في العشرينيات (من القرن العشرين)، تم انتقاد السينما، بما أن الطبقات الشعبية سيفسد عقلها أمام الصور.
في الستينيات (من نفس القرن)، تم اتهام آلات الغسيل وسباقات الخيول بأنها ستغير اتجاه بروليتاريي الثورة... اليوم، يتم تعظيم قدرة السلعة، بما أن الوجود البسيط لجهاز (آي فون) هو الصيحة الأخيرة في واجهة المحل التي تسمح بوصول الوعي إلى بطن المسخ. اليوم، العجز السياسي لا يتأتى من السلطة المخدرة للآلة الأخيرة. وإنما من عجزنا عن إدراك قوة جمعية قادرة على خلق عالم أفضل من العالم الحاضر. هذا العجز تغذى على فشل الحركات الثورية في الستينيات والسبعينيات، على انهيار الاتحاد السوفييتي، على خيبات الآمال الديمقراطية المفتوحة، على هذا الانهيار، على العولمة وآثارها على الصناعة الفرنسية. لقد أفسدت السلطة الاشتراكية وليس السلعة القوى التقدمية في فرنسا.
السياسة لا الاقتصاد
* كمفكر، يتم تصنيفك دوماً «يسارياً راديكالياً»، وبالتالي معارضاً للرأسمالية. ومع ذلك، في تحليلاتك، تهتم أكثر بالقوى السياسية والفكرية عن القوى الاقتصادية.
** هناك من يعتقد أن الانتماء إلى اليسار يعني رد كل شيء لرأس المال. هذه الوضعية «اليسارية» تؤطر في آخر الأمر الخضوع الكئيب لقانون النظام. ففي الفضاء السياسي تتأسس أشكال التجمع التي تتمم الهيمنة الرأسمالية أو التي تعارضها.
المصرف والتمويل لا يصنعان أشكال الرأي العام التي تخلق شعباً موافقاً لهما. وإنما يقوم بذلك السياسيون، المفكرون والطبقة الإعلامية. أستثني بعض الماركسيات التي ترى، كمظاهر بسيطة، صور الترميز السياسي المنتج في مجال الرأي العام والمؤسسات. إنه صراع فعال. إذا قيل أن شيئا لن يتغير طالما أن الهيمنة الرأسمالية أبدية، من الممكن أن ننعم براحة البال: تظل الأشياء على حالها حتى نهاية العالم.
ثقافة التبرير
* فضح مانويل فالس البحث عن «شروحات سوسيولوجية»، يراها كطريقة لتبرير ما قام مرتكبو الاعتداءات به. كيف تحلل هذا الاعتداء، كما بينته بناء على سوسيولوجيا بيار بورديو؟
** «ثقافة التبرير» فزاعة بسيطة مرفوعة لكي تبين، بالمقابلة، أن المقاييس الرجعية وحدها هي الناجعة، بيد أن النتيجة غير مؤكدة. بالتأكيد، السوسيولوجيا في وسط غير متميز تكون دوما عاجزة عن قول لماذا يصبح عشرة أو عشرين فردا جهاديين، وأيضا عن منعهم من الفعل، ولكنها لا تميزهم ولا تبرر لهم.
وبالنسبة للصخب الأمني، يتبدى أن تهديداتهم لا يمكن أن تثير رعب من يعرفون العقاب الرهيب. بالمقابل، تدرج (هذه التهديدات) ثقافة التكفير، بما أن النزعة الجهادية هي شكلها المتطرف. هي ذي الثقافة الواجب مقارعتها. من الضروري أن نتمكن – من دون معاونة أي علم – من إقناع تلامذة الثانوي العرب من أنهم لن يثأروا من جرائم الدولة الإسرائيلية بقتل مدرس يهودي، ولكن، إذا كان ممكناً، من الواجب أيضا الكف عن النظر إلى معارضة هذه الجرائم (جرائم الدولة الإسرائيلية) على اعتبار كونها معارضة للسامية.
ضحايا خيبة الأمل
* بعيداً عن فرنسا، على المستوى العالمي، الفرد المنتمي إلى الطبقة الوسطى الصينية أو الهندية، الذي يستهلك مثلنا، ألا يعتبر أيضاً ضحية لخيبة الأمل؟
** على المستوى العالمي، هناك تشخيصات متباينة. الموظف الصيني الكبير الجديد الذي يتابع التلفزة على شاشة كبيرة في بيته الفاخر لا يمثل سوى قسم تافه في بلاده. بالنسبة لغالبية الشعب العالمي، لا تتمثل المشكلة في العدمية المؤطرة بالرأسمالية المتأخرة، وإنما في ارتقاء أو بعث أشكال الاستغلال المتوحش والأنظمة الصناعية المقيدة بالرأسمالية البدائية.
...........................................................
(*)Eric Aeschimann، Entretien avec Jacques Rancière، L›Obs، 07-02-2016.
تذييت، تحول نحو الذاتية.
«La Nuit des prolétaires. Archives du rêve ouvrier»، par Jacques Rancière، Fayard.

 

http://www.alittihad.ae/details.php?id=18774&y=2017&article=full