ضحكة الميدوزا


ترجمة: سهام العريشي *
سأتحدث عن كتابات المرأة، عما يمكن أن تفعله تلك الكتابة. على المرأة أن تكتب نفسها، أن تكتب عن النساء، وأن تدعو الأخريات للكتابة. الكتابة التي انتزعت منهن قسراً كما سبق أن انتزعت منهن أجسادهن، لنفس الأسباب، وبنفس السلطة، وبالغايات المميتة ذاتها. على المرأة أن تضع نفسها في النص، كما لو كانت تضع نفسها في العالم وفي التاريخ، وبتخطيط كامل وذاتي منها. لن يكون المستقبل خاضعاً للماضي كما كمن قبل. أنا لا أنكر أن الماضي لا زال يؤثر فينا. لكنني أرفض تقوية هذا الأثر بتكرار الحديث عنه، بمنحه الثبات الذي يجعله موازياً للقدر، بالخلط بين البيولوجي والثقافي. توقع الشيء يمنحه صفة الإلزامية.
ولم لا تكتبين؟ اكتبي! الكتابة لك، أنت لك، ونفسك لك فخذي كل ما هو ملكك. أعرف الأسباب التي تمنعك من الكتابة (وأعرف أيضاً الأسباب التي منعتني من الكتابة قبل سن الـ27). لأن الكتابة بدت لنا في لحظة ما عاليةً جداً، عظيمةً جداً كما لو كنا لا نستحقها، أو كما لو كانت حكراً للعظماء، الرجال العظماء بالطبع! قلنا لأنفسنا إنها تفاهة! ولذلك كتبنا قليلاً فقط واحتفظنا بها سراً لأنفسنا. قلنا إنها لم تكن جيدةً بالقدر الكافي، لأنها ظلت سراً، ولأننا عاقبنا أنفسنا على اجتراح الكتابة، ولأننا لم نكمل الطريق، أو لأننا كتبنا رغماً عنا، كما لو كنا نرتكب خطيئةً ما لأجل أن نخفف عن أنفسنا ضغطاً ما، نخففه قليلاً بالقدر الذي يحمينا من السقوط على الحافة، ثم حين نجونا، أكثرنا اللوم على أنفسنا كما لو كنا نطلب الغفران، أو لننسى الأمر برمته، نواريه قليلاً حتى موعد قادم.
اكتبي! لا تسمحي لأحد أن يعيدك إلى الوراء، لا تسمحي لشيء أن يوقفك. لا تسمحي لأحد، لا الرجل ولا الآلات الرأسمالية المعتوهة.... القراء المتعجرفون، رؤساء التحرير، ورؤساء الصحف أيضاً لا يحبون النصوص الحقيقية التي تعبر عن المرأة. هذا النوع من الكتابة يخفيهم!
ها هي المرأة تعود من جديد. تعود من البعيد، من الحتمي الدائم، من الحرمان، من الأرض البور التي لا حياة فيها إلا للمشعوذات. تعود المرأة من الأسفل، من الجانب الآخر لـ«الثقافة»، من طفولتها التي حاول الرجل مستميتاً لجعلها مجرد ماض يجب أن ينسى، وصادر حقها في جعل هذه الطفولة «سنداً خالداً للأبد».
ولأن هذه الأفكار تتشكل عند النقطة التي يتم فيه اكتشافها، فإنها ستحمل بالضرورة علامة زمننا الحالي، الزمن الذي ينفصل فيه الجديد من القديم، أو على وجه الدقة، تنفصل فيه المرأة الجديدة من الأنثى القديمة..
لقد حـــان الوقــت لتحرير المرأة الجــديدة من المرأة القــديمة ولن يحدث ذلك إلا حين تبدأ المرأة بالتعرف إلى نفسها، بحب نفسها لأنها استطاعت أن تدبر أمرها، لأنها استطاعت أن تتجاوز المرأة القديمة من دون أن تلغي وجودها، بالخروج للبحث عن الطريقة التي يمكن بها أن تكون امرأةً جــديدةً، كما يخرج السهم من القوس بحركة واحدة تجمع موجةً وتفصل أخرى في تناغم، لتكون أكثر من مجرد نغمة، لتكون أكثر من نفسها.
أقول هذا لأنه لا توجد إلى الآن أية كتابة تنقش توقيعها على الأنوثة، باستثناء عدد محدود ونادر جداً. فبعد بحث مضن في الأدب عبر كل عصوره ولغاته وثقافاته، لن يملك أحدنا سوى أن يصدم بما يجده بعد مهمة استكشافية لا جدوى منها. نعم، إن عدد الكاتبات قليل جداً بشكل يدعو للسخرية، على رغم التزايد الملحوظ في ظهور الكاتبات منذ القرن الـ19 إلى اليوم. لأن هذا التزايد لا قيمة له بل هو مضلل في حقيقة الأمر، إلا إذا استثنينا منه الأغلبية العظمى من الكاتبات اللاتي يقلدن كتابات الرجل، ويحجبن المرأة أو يصورنها بنفس الصورة القديمة لها في الكلاسيكيات (حساسة، حالمة، وتعتمد على حدسها لا على المنطق... إلخ).
على المرأة أن تكتب نفسها لأن هذا هو الاختراع الثوري الجديد.
* تنشر هذه المقالة في مناسبة يوم المرأة العربية الذي يوافق غداً الأربعاء 1 شباط (فبراير). وإيلين سيكوس هي كاتبة وناقدة وشاعرة وفيلسوفة فرنسية من أصول جزائرية. اشتهرت بمقالتها «ضحكة الميدوزا» الذي جعلها واحدة من أشهر مؤسسي النظرية النسوية البنيوية. تقع المقالة (التي اخترنا منها مقتطفات) في أكثر من 22 صفحة وفيها تغير الكاتبة الصورة النمطية للميدوزا، والصور النمطية التي رسمها الرجل للمرأة في الأدب عبر المناهج الأدبية القديمة في مجتمع أبوي متوارث.

http://www.alhayat.com/Articles/19900582