ما دون الفلسفة وما فوق الواقع… أمبرتو إيكو وسفاسف الإفتراض

عبد القادر رابحي
لعلّه آخر رأي أدلى به في حياته العلمية والأدبية الحافلة بالبحث والتنظير والإبداع. وربما سيكون الرأي الوحيد الذي سيخلد به من ضمن كل ما كتب، وليذهب كل هذا الإرث السيميائي، ومعه البنيوي والتفكيكي، الذي أُنتج على مدار أكثر من نصف قرن إلى الجحيم، ما دام أحد أكبر منظريه قد انتهى به «قطار التنظير» إلى محطة اضطرته إلى أن

يختم مساره الفكري بمقولة استمدها من واقع ما لاحظه في أواخر حياته
من تهالك على أدوات العصر، ومن تسارعٍ أعمى في استعمال وسائط ما أنتجته تكنولوجْيَاهُ، ومن واقعيةٍ في تلقّف ما برهنت عليه هذه الأخيرة من قدرة على توريث «العقول الصغيرة» مقدرةً كبيرةً على اختراق المتون السكولاستيكية المغلقة ومحاولة تغييرها من الدّاخل، أي من حيث كان الدرس الفلسفي الغربي يعتقد أنه محصن أيما تحصين من أي هجوم من طرف «الجموع»، على القيم الكبرى التي أنتجتها ولا زالت تنتجها الحضارة الغربية.
لقد أصبح في إمكان أي شخص أن يدلي برأيه في القضايا الكبرى التي كانت تشغل حقول التفكير المتعددة. ولم يعد ثمة من احترام لأبجديات المعرفة ولا لأخلاقياتها. وفُتح الباب على مصراعيه للتداول المباشر على الرأي من طرف مَنْ لم يكونوا يحلمون أن يكون لهم رأي في السابق. وأصبح من المؤكد أن لفظة «الجموع» التي تعني «العامة» أو «الرعاع» كانت عاملا حاسما في إصدار حكم قاس على ما وصل إليه التطور التكنولوجي من إنتاج لارتدادات معاكسة لتوجهات التقاليد الفكرية الغربية، ومن ارتكاسات في تمثّل اللحظة التي أدت إلى تحوّل كهذا، ومن ترسيخ لسلوكات ضد حداثية، وتوطينها في باطن العقل المحض للإنسان الغربي بوصفه عقلا مُنتِجاً لقيم التعالي المعرفي المبني على «مركزة الأقفال المعرفية» وإخفاء رموزها، وإيداعها قانونيا في حلقة الممارسات النخبوية بتشفير تسلطيّ يكاد يكون كنسيًّا قروسطيا، طالما اجتهد الغربُ نفسه في دحضه ابتداء من الكوجيتو، وانتهاءً بقواعد الأخوات الخمس، مرورا بـ«اسم الوردة» و«الدافنشي كود». وكل ذلك حتى لا تتمكن هذه «الجموع» المتراكمة في حتوف التاريخ، وفي تخوم الجغرافيا، وفي عشوائيات التفكير اللاحداثيّ، أن تدّعي حق التعلق بتلابيبها المضيئة، فما بالك بالوصول إليها أو اختراقها، نظرا لما وضعته ضوابطُ الالتزام بالفعل الحداثي في طريقها من معوّقات وحواجز تفصل بينها وبين «كلمة السر»، وكذلك نظرا لما بنته من جدران حقيقية أمام هذه الجموع التي تعيش في مجتمعات لم تطمح، في يوم ما، إلى الخروج من هامش التاريخ.
-2-
هل كان أمبرتو إيكو يعود، من خلال مقولته هذه، إلى تقاليد رؤية أرسطوقراطية للفلسفة الغربية، يكاد يتناساها التسارعُ الرهيب للثورة التكنولوجية، مفادها وجوبُ تذكّر بيت الأجداد مهما طالت الرحلة بالأحفاد؟ وهل كان يدافع بها عن فعل التفكير الذي أصبح في إمكان الوسائل التكنولوجية أن تجرّه إلى عوالم لم يعهدها من السفاهة والغباء والقرف؟ أينتهي المطاف بعارفٍ حذق ومثقفٍ عميق، سليل المدرسة الإيطالية بكل ما تحمله من ذوق ورهافة وانفتاح على العالم، إلى نكران ما يمكن أن تُشكّله عبقرية الحداثة نفسها من إمكانات تجدّد وتفرّد، وهو الذي حاول طيلة مشواره الفلسفي والإبداعي أن يرسخ مفهومَ حداثةٍ لا يتطابق بالضرورة مع موجبات ما كانت تدعو إليه «الحداثة الرسمية» من وعي بخطورة الآخر، ومن صرامة منهجية في إقصاء العالم السفليّ من المشاركة مباشرةً في الدور الأول لكأس المفاهيم الحداثية الذي تقتضي إنسانيةُ الحداثيين، مرغمين، إشراكَه كديكورَ تصوير وأرنبَ سباق وندّا طريّا في المقابلة المعروفة النتيجة مسبقا. إنه عالم «الجموع» الذي يحاول اليوم أن يطلّ على الممارسة الفلسفية المتعالية من زاوية فيسبوكية لم يتصور في يوم من الأيام أن تكون منزوعةَ الحصرية، مفتوحةَ الأبواب، مشرعةً على رياح العصر بما تحمله من بذور قابلة للانزراع في الحقول المعرفية الغربية المنغلقة على الذات كانغلاق البيضة على محّها؟
فهل ستحيل ‘المقولة الإيكَويّة’ الأخيرة إلى ضرورة انتقال الفعل الفلسفي الغربي إلى مرحلة تجديد مفاهيمه وإعادة ترتيب محمولاتها الدلالية بعد أن كادت مفاتيح التلاعب بالجموع أن تصبح في يد الجموع نفسها؟ وكيف يمكن للحداثة، بوصفها قاطرة تقدّم مستديمة، أن تنتج ما يعود بمجتمعاتها إلى الوراء، في حين أنها لا تتوقف عن الدفع بها إلى الأمام؟ وكيف يمكن للفعل الحداثي بوصفه منجزا تنظيريا ضخما أفنى فلاسفة الغرب أعمارهم في تحقيقه ضمن طروحات عميقة ومعقدة ومتشابكة، على مدى قرون متتالية، إلى الرضوخ المتجدد لآليات تقنية توصل إلى إنتاجها شاب ذكيّ ومكنته من تحويل العلم التطبيقي إلى رصيد مالي محسوب، ومكّن بموجبها ‘الجموع′ إلى الدخول في عالمِ مَا لم يعد يسمى بـ(الطرق السيّارة للمعلومات). إنها التقنية التي أحدثت ثورة حقيقية في عالم التواصل وفتحت لهذه الجموع باب المشاركة الفاعلة في واقع ما كان الفكر الغربي المتمركز يعتقد أنه حكر عليه هو وحده دون أن يصل إلى ما تحمله الكرة الأرضية من شعوب وقبائل ثاوية على مقارباتها المتخلفة للعلم وللمعرفة.
لقد أعاد الفيسبوك، ومعه منظومات تواصلية أخرى، بوصفها أدوات جماهيرية فاعلة، صياغةَ الكثير من المفاهيم التي انبنت عليها مركزيةُ التفكير الغربي في تشكيل الرؤى الفلسفية، وفي مقاربتها لمجالات علاقتها بالواقع المرتبط مباشرة بالجموع، وفي صناعة القرارات الحاسمة التي تتعلق براهنه ومستقبله.
لقد صيغت جلّ هذه المفاهيم، في مراحل سابقة، من أجل هدف أساسيّ هو إخضاع الجموع للمقاربة المتعالية التي ينتجها الفكر الغربي بوصفه قادرا على تحويل المعطى النظري إلى منجز واقعيّ يعود عليها بالفائدة التي يرجوها لها هذا الفكر. ولعل هذا ما حوّل هذه الجموع إلى مجرد أداة استهلاك واسعة الانتشار، وقادرة على الاصطفاف وراء المقولة الفلسفية الغربية، والدفاع عنها دون أن تتاح لها فرصة إدراك أبعادها، أو المشاركة في صياغتها. بيد أن واقع الممارسة الراهنة التي أنتجتها وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت من هذه المقاربات وأعادت صياغة مفاهيمها، وفق ما تحمله المخزونات الثقافية التي لم تستطع الجموع التعبير عنها من جهة، ولم تستطع منظومات التفكير الرسمية الاطلاع عليه وإدماجها في الصياغات النهائية للمفاهيم المرتبطة بحياتها من جهة أخرى.
-3-
ولعله لذلك، لم تعد مفاهيم الحرية والثقافة والإبداع والتواصل والصداقة والكتابة والنشر والفلسفة والأدب والأجناس الأدبية والخصوصيات والأعراق وغيرها الكثير من المفاهيم تحمل الدلالات نفسها التي انبرى الخطاب الفلسفي المتمركز والمتعالي إلى ضبطها في تعريفات اصطلاحية لتحديد استعمالها في مجالاتها الحيوية، وانشغل بإعادة تحيينها وتجديد إحداثياتها بالنظر إلى ما كان يعتري العصر من إمكانات تجدّد وتطوّر وتغيّر.
كما لم تعد دلالات الكثير من المفاهيم الأخلاقية كالشجاعة والجبن، والحيلة والنباهة والصدق، والغيرة والحسد، والقوة والشرف والاعتداء والجريمة والعقاب، وغيرها كثير كذلك هي نفسها بما كانت تحمل من ثوابت تعريفية في الخطابات النظرية، وبما كان ينجر عنها من سلوكات ومن عواقب في الممارسة الحياتية. وقد أصبح الفضاء الفيسبوكيّ، بوصفه واحدا من عديد الفضاءات المتوفرة في عالم التواصل الافتراضي، يعيد، بكلّ أريحية، صياغة هذه المفاهيم، وفق ما تطرحه انهماكات الملايين من الجموع المتواصلة مع بعضها من رؤى وأبعاد وتجاوزات لم يكن الخطاب الفلسفي التقليدي المتمركز في حيز طروحاته النظرية، والمتعالي في الإشارة للجموع من شرفات المعنى، لينتبه لأبعادها وليضيفها إلى مدونته الجامعة. فمن هو حرّ تواصليا بإمكانه أن يكون مقيدا واقعيا، ومن هو أديب كبير واقعيا بإمكانه أن يكون مجرد عابر سبيل باحث عن (لايكات) افتراضيا، ومن هو نزيه وصادق واقعيا بإمكانه أن يتحول إلى مجرم افتراضيا، ومن هو جبان واقعيا بإمكانه أن يكون شجاعا فيسبوكيا بما أنه بعيد آلاف الكيلومترات عن خصمه الذي يهاجمه. ولم يعد الرائي الواقعي كالرائي الافتراضي، وأصبحت الشاشة دليل اعتراف تماما، كما الحكمة التي تحولت إلى مجرد صياغة لغوية سرعان ما تنتشر بمجرد الضغط على زر النشر لتصبح في متداول الجموع. وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق لأي كتاب فلسفي أو رواية مشهورة أو قصيدة شعر مُرمزّة. ولعله لذلك انتبه العديد من الخطابات الفلسفية إلى الهوّة التي يحدثها عصر التكنولوجبا والاتصال بين المنظرّ والقارئ، أي بين الفيلسوف والواقع، فانضوى العديد من أصحاب هذه الخطابات إلى النزول من أبراجهم التقليدية والانضمام إلى هذه الفضاءات عن اختيار واع، للدفاع عن الأفكار التي ينتجونها والترويج لها من داخل منظومات الهامش التي تزداد اتساعا وقدرةً على قضم المساحات التقليدية للممارسة الفكرية والفلسفية المغلقة. لقد أعاد عالم الافتراض صياغة العالم بطريقة جنونية، وبرغبة من يشاركون فيه يوميا من الملايين من الكسالى النائمين على ألواحهم الإلكترونية المتعددة الأحجام. وأصبح بإمكاننا الحديث عن سبق كبير للافتراضي على حساب الواقعي، وعن قدرة الأول الخارقة على صناعة الثاني، بل صار الافتراض هو الذي يقرر مصائر الناس الواقعية في العديد من الحالات.
-4-
ربما كان أمبرتو إيكو، وهو يطلق صرخته الأخيرة أمام ما كان يراه من انحدار تراجيدي للمعرفة في البئر السحيقة لسفاسف الجموع، على وعيّ تام بحاجة الإنسانية إلى إعادة النظر في ترسانتها القانونية الضابطة من أجل مسايرة ما ينتجه وعيُ الجموع من سوابق جديدة، ولسدّ الثغرات الكبيرة التي أحدثتها الثورة التكنولوجية في الجدار الفلسفي الغربي الواقف، مثل الأعمدة المشهورة في قلب أثينا، منذ عصر أفلاطون، خاصة في ما يدعمه من أطر قانونية الأكثر تعبيرا عن توجهات الأفكار وارتباطها العضوي بحاجات الراهن.

٭ أكاديمي جزائري
http://www.alquds.co.uk/?p=641626