قصائد مختارة للشاعرة هانا آرندت

الحزن نور مضاء في القلب
ترجمة: أحمد عثمان
(...)
أحب الأرض
مثلما نحبها في الرحلة
مكان غريب
بأي صورة من الصور
وهكذا تسبقني الحياة على طول الخيط الذي تفتله
مكونة رسماً لم يزل مجهولاً
كما الوداع وقت السفر
الصمت الكبير يندفع إلى نطاق ينسج.


1943
(...)
منبجسة من مياه مستنقع الماضي الراكدة
كثيرة هي الذكريات.
أخيلة الضبابة ترسم دوائر نوستالجية
لسجني
أخيلة ماضية، مغوية، قادمة إلى هدفها
ماذا تريدون أيها الموتى؟
أليس لديكم مكان ولا وطن
في الجحيم؟
ألم تحصلوا أخيراً على سلام النفس؟
التراب والمياه، الهواء والنار، تسيطر عليكم، كأن،
القادر، الإله يمتلككم. يلتمس لكم المياه، البرك، المستنقعات
والأراضي البور،
يوحدكم ويجمعكم،
وبينما تلمعون في الظل الخفيف، تكسون بالضباب سلطان
الأحياء، تسخرون من العتمة الماضية.
نحن أيضاً، نريد أن نلهو، ونندهش، ونضحك، ونمسك
أحلام الماضي.
نحن أيضاً أضجرتنا الشوارع، المدن، التبدلات
العنيفة للعزلة
وسط القوارب الممتلئة بأزواج العشاق التي تمضي
على مياه المستنقعات الراكدة في الغابات
نستطيع أيضاً أن ننزلق
-صامتين، بعيدين، مشتتين –
على سحب الضبابة التي
سوف تغطي قريباً الأرض، الضفة، الدغل، الشجرة
في انتظار قدوم العاصفة القادمة
في انتظار قدوم الضبابة، الخرافات، الجنون، الحلم،
زوبعة العاصفة.
1946
(...)
الحزن نور مضاء في القلب
العتمة ومضة تسبر غور ليلنا
يكفي إنارة شعلة الحداد الصغيرة
لإيجاد، كظلال، في الليل الطويل والرحب،
طريق بيتنا.
الغابات، المدينة، الشوارع، الشجرة مضاءة.
سعيداً من لا وطن له: من الممكن رؤيته في الحلم.
1946
(...)
أعرف أن الطرق دمرت.
أين تنير إطارات الأثر، الكامل على وجه رائع،
بين الخرائب العتيقة ؟
أعرف أن البيوت انهارت.
فيها دخلنا إلى العالم، مؤكد على نحو رائع
أنها ستظل خالدة عنا.
والقمر، في هذه المرة نسينا،
في نوره المستديم للغاية،
هل حافظ على حوافر الخيول
كصدى قام من البحيرة ذات الوجه الصامت؟
1946
(...)
سيد الليالي
ومضة ذهبك الغامض ترتفع عن النهر
حينما أظمأ أركض من الرابية لكي أرقد
في طلاوتك، المساء.
سيد الليالي
نافد الصبر
أنتظر حلمك، أنتظر الليل.
الأيام تتراص في سلسلة
ولكن كل مساء يحطمها.
سيد الليالي
ألق الجسر على النهر
من ضفة إلى أخرى.
وهكذا حينما أظمأ أركض
لكي أرقد في طلاوتك
في الوثبة الأخيرة أستطيع أن أرجع
إلى الجسر بين ضفتين، بين الأيام
أعلى ومضة ذهبك.
1947
(...)
سيفان في غمديهما
جذران في الغابة
شجرتان تميلان
قبالة الخيال
في ظهري الهوة
على يميني السور
فرجة الغابة تنبجس
حيثما تنعطف الطريق
أمامي المرج
أمامي النور
من أين يأتي، بالتالي من أين يأتي
هذا المكان المألوف نوعاً ما؟
سيفان في غمديهما
جذران في الغابة
شجرتان تشهدان
على قوة الحلم.
1947
(...)
واحسرتاه كم أن الزمن
يحث خطاه
وبلا مهادنة
يضيف يوماً إلى آخر.
واحسرتاه كم أن الشعر
أصبح سريعاً
أشيب، مشعثاً.
ومع ذلك وقتما يتجزأ
الزمن
بغتة
إلى نهار وليل،
حينما يتريث قلبنا،
لا يلهو
مع أبدية الزمن.
1951
(...)
لست إلا شيئاً
بي الأشياء،
قليل من الأشياء،
ثمرة لحظة
الشطط.
كم هي يداك حولي مسورة.
1951
نعم ولكن كيف نحيا مع الموتى ؟ قل،
أين هو الصوت الذي يلطف الأشباح؟
ما هي الحركة التي سنتمناها،
التي تلاحقنا، وقد تم انتقادها؟
ومن يعرف الشكاية البعيدة عنا،
التي سوف تجذب حجاباً على فراغ الأعين؟
أي وسيلة تجعلنا نقبل غيابهم،
وتحت عاطفتنا (.... ) الخلود؟
1951
(في عبور فرنسا)
الأرض تضم كالفسيفساء كل المزارع
وتجدل فيها حاشية الأشجار
تتركنا نشيد طرقنا
حول أراضي العالم المحروثة.
الزهور تبتهج في النسمة
العشب ينتصب لكي تميل عليه،
السماء تزرق، تتبدى عبر الزيزفون
الشمس تفتل خيوطاً رقيقة.
الناس يذهبون من دون أن يشردوا
أرض، سماء، نور وغابة
في كل ربيع يأتون، مواليد جدد،
يقومون بدورهم على خشبة المطلق.
1952
*رقة ثقيلة *
الرقة
في باطن أيادينا
حينما تأخذ راحة اليد
شكلاً غريباً.
الرقة
في السماء وقبتها المعتمة
حينما البعيد
عن الأرض يتدبر أمره.
الرقة
في يدك ويدي
حينما القرب
يحتجزنا فجأة.
السوداوية
في نظرتك ونظرتي،
حينما الثقل
يوفق بيننا.
-------------
(*) قصائد مختارة عن:Poèmes inédits. Hannah Arendt . Les Cahiers du GRIF Année 1996 Volume 1 Numéro 1 pp. 105-109. وهي مكتوبة في الأصل بالألمانية وترجمتها إلى الفرنسية آن-صوفي آشتروب.
ما خلا القصيدتين الأخيرتين المأخوذتين عن: Hannah Arendt, Heureux celui qui n’a pas de patrie. Poèmes de pensée (trad. François Mathieu, éd. K. Biro), Payot, 2015.
مَن هي (هانا آرندت)؟
هانا آرندت (1906 هانوفر – 1975 نيويورك)، فيلسوفة أميركية من أصل ألماني. أكاديمية شهيرة في الولايات المتحدة الأميركية. درست في جامعتي ماربورغ وفريبورغ، ثم حازت درجة الدكتوراه من جامعة هايدلبرغ.
نفيت إلى فرنسا، وأقامت بمعسكر غورس، قبل بداية الحرب العالمية الثانية بقليل. ثم هربت إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل احتلال النازي لباريس، حتى توفيت في منفاها عام 1975. وفي منفاها الأميركي قامت بالتدريس في جامعاتها، بالأخص جامعات كاليفورنيا، شيكاغو، كولومبيا وبرنستون.
ولدت لعائلة يهودية. تلميذة هيدغر، هوسرل ويوناز. في منفاها الأميركي، تمثل هدفها الرئيس في التفكير وتحليل أهوال التوتاليتارية. «خيط التقليد انقطع»، كما كتبت في تعيينها انهيار الحضارة تحت ضربات النظامين التوتاليتاريين: النازية والستالينية.
لم تكتف هانا آرندت بتشخيص الشر، وإنما اقترحت حلولاً. متسائلة حول طرق الوقاية من النزعات التوتاليتارية، وأعدت فلسفة تسعى إلى الارتباط بالتقليد لكي تستقر في قلب النزعة الإنسانية.
من ناحية أولى، اجتهدت في النظر إلى تفاهة الشر بتحليل صورة آيخمان: كيف أستطاع أن يصبح موظفاً بسيطاً، وإنما حي الضمير Consciencieux أسوأ مقترفي جريمة الإبادة ؟ من ناحية أخرى، اقترحت العودة إلى أصول الديمقراطية: في أثينا وروما.
للقيام بتحليل، في جملة واحدة، فكر هانا آرندت، من الممكن استدعاء مقولتها المأثورة، التي استعارتها من الفيلسوف الروماني شيشرون: «أفضل باسم السماء أن أبتعد عن أفلاطون عن أن أكون قريباً من منافسيه». الحكم والذوق يجب أن يكونا ما وراء الضغوط التي تمارس على المرء. عدم الخضوع لثقل الأحكام، البقاء حراً في كل الحالات: عملت آرندت على امتلاكهما حتى آخر لحظات حياتها.
بالنسبة للفلسفة، التعددية ضرورة، وذاك ما يضمن بقاء العالم حرا. ارتكنت باهتمام بالغ إلى الاختلاف: رجل /‏ امرأة، «الاختلاف الصغير» الذي قالت روزا لوكسمبرغ عنه: اللا شيء الضئيل الذي يمنح كل قيمته لكينونة المرأة.
كانت واعية بدور وأهمية الصراعات النسوية، بيد أنها لم تنتظم في أي حركة من حركاتها، ولا تنظيم من تنظيماتها. بل إنها انتقدتها لكونها تسعى إلى سجن النساء في «غيتو» يفصلهن عن العالم والصراعات، بينما فكرها يقوم على ضرورة الاشتراك في الحياة، الحياة اليومية، حياة المدن وحياة البيت في آن معاً.
«كانت أنثوية أكثر من كونها نسوية»، كما كان يحب أن يذكرها صديقها الفيلسوف هانز يوناز. «تحب تلقي الزهور، أن تصادق... تتمتع بالاهتمام. كانت أيضاً امرأة جميلة، تمتلك جاذبية وقدرة ناجعة على التمييز بين الصداقة النسائية والصداقة الذكورية». على وجه الإجمال، نسويتها تأكيد على حريتها الشاملة.
وهانا آرندت، التي تعتبر أحد الوجوه الكبيرة في فلسفة القرن العشرين احتفظت بعيداً عن الأعين ببعض الأوراق الشعرية التي حررتها بيدها. وقد لاحقتها تفاهة الشر الذي اكتشفته خلال محاكمة آيخمان كمراسلة خاصة لصحيفة «ذا نيو يوركر»، لكنها، في الوقت نفسه، لم تكف عن تسطير بعض السطور المؤثرة عن الحب، الهوية، التمرد، الفقدان، الصداقة، وعنا أيضاً. «الشعر، كما باحت لغونتر غوس في عام 1964، قام بدور كبير في حياتي». كل قارئ يقظ لهانا آرندت يعرف في واقع الأمر كيف أن نتاجها الفلسفي كله استعار من اللغة الشعرية السلطة الاستكشافية للاستعارات، وكذا قدرتها الابتكارية والموحية في آن واحد لإنتاج معنى جديد، وإعادة كتابة الواقعة. ولأن الشعراء وحدهم، حسبما آرندت، يقفون قبالة النزعة العدمية وفقدان القوة المبدعة للغة في العالم المعاصر، فإنهم ينيرون المراحل الأكثر عتمة في التاريخ، وينشرون نورهم على «الأزمنة المظلمة». والتفكير شعرياً، كما لاحظت كارين بيرو بقوة، «يتجه إلى ما وراء اللغة»، ويرد «للكلمات التي نعيشها» إمكانيتها على الكشف وسبر الأغوار. مما يعني مقاومة الاقتلاع:
«كلمة مكتوبة في قصيدة مسكن، وليس ملجأ».
ومن خلال استدعاء الموضوعات العديدة التي تناولتها في قصائدها، وتنوع الأشكال الغنائية، يتجه صوت آرندت الشعري من «الأنا» إلى «الأنت»، من «نحن» إلى «العالم» بأسره.
كتبت العديد من النتاجات المهمة، التي ترجمت إلى أكثر من 40 لغة: «ظرف الإنسان الحديث»، «بحث حول الثورة»، «أزمة الثقافة»، «النظام التوتاليتاري»، «من الكذب إلى العنف»، «حيوات سياسية». كما كتبت في العديد من المطبوعات المرموقة: «بارتيزان ريفيو»، «كومنتاري»، «ريفيو أو بوليتيكس»،«جورنال أو بوليتيكس»،«ذا نيويوركر».
http://www.alittihad.ae/details.php?id=670&y=2017&article=full