أوبرا وينفري التي غيرت نظرة المجتمع الأمريكي للسود وطلب الرؤساء ودها وتربعت على عرش أهم إمرأة في العالم


أدمنت على المخدرات خلال مراهقتها وتعرضت للتحرش الجنسي والاغتصاب على يد قريب وعاشت طفولة مضطربة
حسام عاصي
لوس أنجليس – «القدس العربي»: تم إدراج «أوبرا وينفري» مرات عدة من قبل الصحف العالمية على غرار «سي أن أن»، و«فوربس» «تايم»، كأقوى امرأة وأكثر النساء تأثيرا في العالم. كما أنها تعتبر أهم امرأة في تاريخ أمريكا، متصدرة المرتبة التاسعة في لائحة أهم الشخصيات الأمريكية عبر التاريخ. وكانت أول مليارديرة سوداء في شمال أمريكا، ومنذ 2014 تحتل مرتبة أغنى امرأة في الولايات المتحدة، إذ أن ثروتها تزيد عن 3.1 مليار دولار.
ولكن كلما التقيت بها، أجد امرأة متواضعة ومفعمة بالمحبة والمرح، تحضنني بحرارة وكأننا كنا أصدقاء حميمين مع أنها لا تعرفني عن قرب. وما يميز مودتها عن غيرها من النجوم هو أنها صادقة وليست مزيفة وهي تعزو ذلك لكونها روحانية.
«أنا لا أفعل شيئا بدون التفكير أولا بنيتي»، تقول لي أوبرا عندما قابلتها الأسبوع الماضي في فندق «الفور سيزينس» في بيفيرلي هيلز: «لأنه حسب قانون الحركة الثالث: لكل فعل رد فعل مضاد ومساو. وإنه قبل الفكرة هناك النية وراء هذه الفكرة. ونيتك ونيتي تقرران نتيجة ذلك. لهذا لم أت هنا بنية غير ما هو طاهر. نيتي اليوم هي التواصل: أنت تسألني الأسئلة وأنا أجيب عليها بصدق وأمانة وهذه هي نيتي. وأركز طاقتي حيث أن ما أقوله وما أشاركه معك يمكن أن تسمعه من مكان ما في داخلي يريد بوضوح أن يرتبط بك.»
هذا الصدق في حديثها واهتمامها بشؤون الآخرين وتعاطفها معهم في محنهم هو ما جعل برنامجها الحواري «برنامج أوبرا وينفري» أكثر البرامج شعبية في الولايات المتحدة، وطالت شعبيته أيضا أكثر من 100 دولة ومن ضمنها الدول العربية مثل السعودية والأردن، حيث تحظى بشعبية واسعة بين النساء: «بغض النظر عن الموضوع الذي كنت أعالجه في البرنامج، إن كان عن المطابخ أو الاغتصاب، كنت دائما أكرس وقتا ما للتركيز لكي تخرج الكلمات التي أنطقها من مكان أكثر حكمة وعمقا من نفسي، لكي أصل الى تشكيلة واسعة من الجماهير.»
لا بد وأن خلفيتها المتواضعة وبداية حياتها الصعبة وطفولتها البائسة ساهمت في بلورة شخصية أوبرا الإنسانية والحميمة والمتعاطفة مع الآخرين. ولدت في 29 يناير/كانون الثاني عام 1958 في ولاية ميسيسيبي في الولايات المتحدة لأم مراهقة، خادمة بيوت، بعد علاقة جنسية مع رجل غريب.
وتربت مع جدها وجدتها في حالة فقر شديد حتى أصبحت في السادسة من عمرها. وفي المدرسة كانت أكثر الفتيات شعبية رغم وضعها المادي الصعب. وفي الثانية عشرة من عمرها انتقلت للعيش مع أمها، وفي الرابعة عشرة تعرضت للتحرش الجنسي والاغتبصاب على يد قريب، مما أدى الى حملها بطفلها الأول، الذي توفي مباشرة بعد ولادته بساعات، وحُرمت بعدها من نعمة الأطفال.
هذه الأحداث المأساوية كان لها تأثير سلبي مباشر على حياتها، حيث أدمنت على المخدرات خلال مراهقتها، مما دفع أمها، التي فقدت السيطرة عليها، للتخلص من مسئوليتها وانتهى أمرها بالعيش مع والدها، الذي قام بتعليمها وتأديبها بصرامة، مما غيّر حياتها ودفعها إلى الاستمرار في تعليمها والتحاقها بجامعة تينيسي، التي تخرجت منها بامتياز في مجال الفنون المسرحية.
وفي السابعة عشرة من عمرها التحقت بإذاعة محلية، حيث عملت كمراسلة، ثم انتقلت بعد عامين للعمل في تلفزيون «ناشفيل»، لتصبح أصغر مذيعة في تاريخ المحطة. ثم انتقلت إلى محطة تلفزيون في بالتيمور، حيث قدمت هناك برنامجا حواريا محليا حتى وصلت إلى شيكاغو عام 1983 حيث قامت باستضافة برنامج حواري كان فاشلا، نجحت خلال 3 أعوام من نشله من أدنى نسبة مشاهدين الى أعلى نسبة مشاهدين في برامج الحوارات الأمريكية.
وفي عام 1986 تم تغيير عنوان البرنامج لـ «برنامج أوبرا وينفري»، الذي طورته من برنامج شعبي ذي مضامين تافهة، كما كان حال برامج الحوارات الأمريكية الأخرى، الى برنامج جدّي يسلط الضوء على القضايا الإجتماعية والسياسية التي تهم المجتمع الأمريكي محققة نجاحا استثنائياً بفضل حضورها الطاغي وطريقة حوارها، لتصبح نموذجا إعلاميا هاما على مستوى العالم. «البرنامج بات ماكينة خاصة في العالم»، تعلق أوبرا: «وأصبح مثل التنفس بالنسبة لي وجزءا طبيعيا مني. لهذا لم أشعر بالعناء أو الصعوبة بالشغل عليه، رغم وجود طاقم كبير وراءه.»
واستضافت في برنامجها أبرز الشخصيات السياسية والنجوم الهوليوديين والفنانين والعلماء. وفي عام 2007، روّجت من خلاله للمرشح الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة، باراك أوباما، مستقطبة ملايين الأصوات لصالحه. كما أثارت الجدل في أمريكا مرات عدة، خاصة عندما بثت حلقة خاصة من البرنامج بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 للدفاع عن الإسلام والمسلمين، فضلا عن حلقات أخرى نددت فيها بحرب بوش على الإرهاب واجتياح العراق.
وفي عام 2004 رفضت دعوة الرئيس جورج بوش لحضور حفل افتتاح مدرسة بنات في أفغانستان خوفا من تفسير حضورها كدعم لحربه هناك. وقامت هي بتأسيس مدرسة للبنات في جنوب أفريقيا.
وكان البرنامج محور حياة أوبرا حتى أن أسدلت الستار عليه عام 2011 واصفة إياه بحبها الحقيقي في حياتها: «لم يكن برنامجا تلفزيونيا وحسب، لأنني كنت أقضي أكثر وقتي هناك من شقتي، حيث لم أشعر بأي ارتباط بها ولم أكترث لأي شيء فيها، لأنها بالنسبة لي هي مكان أنام فيه وأستيقظ في الصباح للذهاب الى الشغل في البرنامج. لا يهمني حتى لو تم حرقها من أساسها.»
ولكنها شعرت بالحزن العميق عندما بدأت الآليات تهدم بناية شركتها، «هاربر»، المنتجة لبرنامجها والتي كانت تملكها: «هل ذهبت مرة إلى بيت ترعرعت به ولم يكن يعد هناك؟» تسأل أوبرا. «أنا أذكر وداعي 250 من العاملين في البرنامج كان أطول وداع في حياتي، حيث كنت أقول وداعا لكل شخص أكثر من 7 مرات. وعندما شاهدت البناية تنهار على الأرض، شعرت بألم فظيع وتساءلت كيف كان يمكن أن أنقده، ولكن الآن أنا لا أفكر بذلك.»
«ما أفتقد من البرنامج هي المنصة التي منحني إياها للوصول إلى عشرات الملايين من الناس من كل أنحاء العالم ولم أقدرها»، تقول أوبرا: «حتى لو كان عندك ملايين المتابعين في مواقع التواصل الإجتماعي، لا يمكنك أن تجلس على كرسي وتخاطب 10 ملايين شخص وتقول لهم هنا كتاب يستحق تكريس وقتك له وقراءته. من العشر ملايين، مليون على الاقل سوف يستمع لك ويشتري الكتاب.»
ولكن تأثير أوبرا لم يتضعضع بعد انتهاء برنامجها الشهير. خلال أسبوع، قامت بتأسيس محطة تلفزيونية خاصة بها وهي «شبكة أوبرا وينفري»، هدفها توعية الشعب الأمريكي بأمور السود من خلال صنع وبث برامج تلفزيونية تسلط الضوء على تاريخ وواقع السود في الولايات المتحدة، لأنها تؤمن أن أساس العنصرية والتعصب هو عدم معرفة الآخر: «يصعب علي أن أكرهك إذا تحدثت معك أو كانت لي تجربة معك»، تقول أوبرا.
«أنا أذكر عام 2002 عندما رجعت من جنوب أفريقيا، حيث قمت بصناعة مسلسل عن فضل عيد الميلاد، عرضنا فيه أطفالا أيتاما يفتحون علب هداياهم ونشاهد الفرحة على وجوههم عند انتهاء العد إلى 3 مثل الأطفال البيض. المشاهدون الأمريكيون البيض لم يشاهدوا مثل هذه الصور من قبل وصاروا يقولون: لم ندرك أنهم مثل أطفالنا. وأذكر امرأة من الجنوب الأمريكي تقول لي: لم أدرك أنهم يحتفلون بأعياد ميلادهم مثل أطفالي. فقلت لها: نعم نحن كلنا وُلدنا يوما ما ونحتفل بيوم ميلادها. ومن جهة أخرى أنا أتفهم ذلك، لأن الصور الوحيدة التي يبثها الإعلام لأطفال أفريقيين هي أطفال ذوو بطون منفوخة وعيون يحلق حولها الذباب تتوسل الغذاء. فصعب أن تشعر أن هؤلاء مثل أطفالك.»
في البداية واجه مشروع أوبرا عقبات صعبة وكادت شبكتها تغرق في عامها الأول بديون وصلت قيمتها الى 330 مليون دولار. ولكنها نجحت في تجنيد نجوم سود مثل تايلار بيري، الذي أنتج برامج شعبية ساهمت في رفع نسبة المشاهدين وفي عام 2013 صارت الشبكة تدر الأرباح. وتعزو أوبرا تغلبها على هذه المصاعب، الى ذهابها الى الكنيسة والحديث مع القسيس هناك والاقتراب من الرب والمسيح.
«بصراحة كنت في البداية أبحث عن اتجاه طريق»، تتنهد أوبرا. «دعني أقول لك، إنني لست متعودة على الفشل، ولكن كنت متعودة على سهولة إنتاج برنامجي الحواري ونسيت صعوبة بداية ذلك البرنامج، التي أدت إلى 25 عاما من النجاح. وكان علي أن أتجه إلى المسيح وأسأله ماذا كنت أفعل خطأ ولماذا استمر بارتكاب الأخطاء نفسها؟ وأدركت بعد ذلك أنني كنت دائما أتكلم عن صراع وكأنني كنت اتسلق جبل كالامو نجارا. ولهذا قررت أن أمحي هذه الكلمة من ذهني. أنا لا أعتقد أن أنا، فتاة سوداء صغيرة من مسيسيبي تصل الى هذا البعد لينتهي أمرها بالفشل. فسألت نفسي ما الذي يسبب هذا القلق في نفسي؟ ولهذا حوّلت الحبكة من صراع إلى فرصة. هو تحد ولكنه فرصة.»
فعلا ففي عام 2015، وصل عدد المشتركين في الشبكة إلى ما يقارب 81.9 مليون بيت (أكثر من 70٪ من بيوت الولايات المتحدة). كما أن برامجها تُبث في دول عدة حول العالم مثل كندا، استراليا، بريطانيا، روسيا ودول البلقان وبعض دول شرق أوروبا.
هذه الأيام تروج لمسلسلين تلفزيونيين يدوران حول قصص عائلات وشخصيات سود أمريكيين. الأول هو: غرينليف، الذي يدور حول عائلة سوداء تدعى غرينليف ويسبر خبايا وأكاذيب وفضائح أبنائها. المسلسل يشبه مسلسلات دلاس ودايناستي، اللذين دارا حول عائلات بيض أرستقراطية. ولكن غرينليف هو المسلسل التلفزيوني الأول الذي يحكي قصة عائلة سوداء، تكون الشخصيات المركزية فيه من السود، الذين كانوا دائما مهمشين في الماضي. وتؤدي أوبرا دور العمة في المسلسل.
أما المسلسل الثاني فهو «سكر حلو» من إخراج آفا دوفيرني، المعروفة بإخراج فيلم «سلمى». ويدور حول ابنتي وابن فلاح من لويزيانا، الذي يترك مزرعة مربوطة بديون باهظة بعد موته المفاجىء. البنت الكبرى، دون، هي زوجة لاعب كرة سلة مشهور تتركه بعد تورطه بفضيحة اغتصاب برفقة فريقه. والثانية، نوفا، وهي صحافية وناشطة، تنتج الماريغوانا بشكل غير قانوني وتوزعه مجانا للذين يحتاجونه للعلاج الطبي. والابن الثالث، رالف، أُطلق سراحه من السجن مؤخرا بشروط ويحاول أن يعتني بطفله لأن أمه مدمنة على المخدرات.
وتشير أوبرا الى مشهد لحظات الأب الأخيرة على فراش نزاعه، حيث يحضر أبنه وحفيده ويمسكون الايادي معا، لم يكن له مثيلا في تاريخ السينما. «أنا أشعر بالفخر العظيم بهذا المسلسل»، تقول أوبرا. «أين تشاهد ثلاثة أجيال رجال سود في غرفة واحدة في حالة حب وحنان؟ هذا الشيء الذي لا يمكن أن تلاحظه اذا لم تكن شخصا ملوّنا، لم يمر بهذه التجربة في محيطه. هذه هي الصور التي لا نشاهدها.»
بلا شك أن أوبرا نجحت من خلال برنامجها الحواري في التأثير على الفكر الأمريكي، فهل يمكنها أن تحقق ذلك من خلال شبكتها الإعلانية؟
«أنا لا أدري»، ترد أوبرا: «على مدى سنين طويلة كنت أعرف أنني أوبرا من برنامج أوبرا الحواري. وكنت أتساءل من أنا بدون برنامج أوبرا؟ أنا أدرك الآن أنني امرأة تحاول أن تستخدم صوتها للمساهمة في رفع مستوى الوعي في هذا العالم بأي وسيلة متاحة لي، إن كان من خلال المجلة، أو التواصل الإجتماعي أو شبكة التلفزيون».

http://www.alquds.co.uk/?p=615152